في رثاء العلامات؛ الى الملا فاضل السكراني / عبدالقادر سواري

QvkOYمدونة الكتابة على الهامش– 1. لنبدأ بالذکریات… ما دمنا نريد ان نکتب شیئا في تخليد ذكراه فلنبدأ من الذكريات… تلك التي اصبح منها الآن؛ و سوف نصبح جميعنا منها ذات يوم…

كنا قد نوينا إقامة جائزة للشعر في الأهواز… جائزة لم تر الطريق الى النور بسبب من الأسباب… اجتمعنا في بيت احد الأصدقاء لنتكلم في الامر… فقلنا كلاما كثيرا في هذا المجال… و لكن الزمن يفعل فعله مثل النجارين… يحك خشب الكلام الى ان يبقي منه ما يفيد… سلافة الكلام… اما البقية فتذهب ادراج الريح… سلافة الكلام تلك الليلة كانت ان الشعوب تحيى ما حييت رموزها؛ و أن علينا خلق مثل هذه الرموز… او البدء بصناعتها… فالشعب القوي هو القوي في صناعة الرموز… كل ذلك كان يذكرني في تلك الليلة و لا زال يذكرني الآن بسلطة الرموز، و بالرأسمال الرمزي… و بالعلامات التي نهتدي بها… و بالقوة على خلق مثل هذه العلامات… حينها تذكرت قوله تعالى: أفمن يخلق كمن لايخلق؟

 و حين تكلمنا عن الاسم الذي يجب ان تتوسم به الجائزه لم يخطر على بال احد منا ان يعارض أن يطلق عليها اسم الملا فاضل السكراني… حتى انا الذي لم يصلني شيء بالشعر الشعبي.؛ لا من قريب و لا من بعيد… حتى انا الذي لم احفظ من الشعبي شيئا ابدا على الرغم من كون والدي يكتبه منذ نعومة اظفاره… حينها اكتشفت اننا لسنا من يخلق هذا الرمز… و انما نحن بحاجة اليه… بحاجة ماسة لرمز لا قبل له… رمز لا يعتريه الريب لا من قريب و لا من بعيد… حينها اكتشفت ان الملا فاضل علامة… و نحن شعب مخاض… نحتاج الى العلامات…

 إلا العلامات؛ نهوي حين نفقدها

 الا النجوم؛ هدانا في السماوات

 خذ ما تبقى من الأيام الا الرؤى

 فبيننا و رؤانا… الف ميقات

٢. كانت يده مرتعشة حين اخذ بيدي و انا كنت جالسا الى جنبه اتكلم اليه عن موضوع الجائزة… كنا ذاهبين لنبلغه بقرارنا و قرر الاخوة ان اطرح الموضوع عليه انا… ربما لأني كنت اصغرهم عمرا… و صغير القوم خادمهم كما قرأنا… كان شيء غريب في ارتعاشته… ذكرتني بجدي قبل موته… فانتابتي موجة خوف… كلنا يخاف الموت… لم يكن الرجل عملاقا… لم يكن اسطورة؛ و لا اراد أن يكون كذلك… كل الذي رأيته أمامي كان شيخا في الثمانينات من حياته… شيخا يعتمر كوفية زرقاء؛ مهذبا في الكلام… و مقتصدا فيه… غير انه كان يحمل جزءا من هويتي… لم تعترني نوبة رهبة حين رأيته… ما اضعت المفردات… كان انسانا عاديا؛ و هذا ما كنا نحتاج اليه… حينها اخذتني موجة الخوف من ان يموت… كان رجلا عاديا… ولكنه كان علامة…

نحن شعب مخاض… نحتاج الى جذع نخلة لنجلس اليها ساعة تأتينا الأوجاع… نحتاج الى حائط نلوذ به من حر الشمس… نحتاج الى مصابيح توقد لنا لكي نرى السبيل… لكي نرى انفسنا بالاحرى… لا يهم ان يكون هذا الحائط حائط الصين… و لا يهم ان يكون هذا المصباح هو الشمس بعينه… كل ما في الامر اننا كنا بحاجة الى هذا الجدار ليحمينا من هجير الصيف… و كنا بحاجة الى هذا المصباح لكي نرى انفسنا لا أكثر… من اجل ذلك خشيت على موت هذا الرجل… خشيت ان يدرك بعض الاجزاء منا فنصبح نسيا منسيا… نحن الذين كنا اول الشعوب التي اكتشفت الموت…

ماذا اصاب کلامنا حین اکتشفنا الموت…

هل تهنا فأرهقنا الطریق؟

و هل مللنا التیه فی کهف العشیة و الضحی… نحن الغفاةْ

ما دلنا احد علیه… علی نهایات البدایة…

مذ بدأنا هذه الدرب الملیئة بالسراب… و نحن نبحث عنه وراء كل غمامة… و حمامة…

حتى اكتشفنا ظله المنشود… خلف المعجزات…

ما كان يقلقنا و يرهق روحنا قبل اكتشاف الموت…؟

ما كان يسكن صدرنا… نحن الحفاة…؟

٣. شاعرنا الآن في ذمة الذكريات… يفصلنا عنه غلاف سميك اسمه الزمن… الزمن الذي كثيرا كما تغني به في اشعاره… و هذا هو شأننا جميعا. لم نطأ هذه الأرض الا زوارا سائحين… ننظر الى مشاهدها و كل يأخذ منها نصيبا… البعض ينظر اليها باجمال و لا يرى فيها الا العموميات… و البعض اسوء من ذلك… يأتي اليها مكفوفا فلا يرى منها شيئا ابدا… اما الشعراء فهم منغمسون بتفاصيل الحياة… ليس غريبا ان يتعارضوا مع الفلاسفة… الشعراء منشغلون بأدق التفاصيل… فكل ريح عندهم تختلف عن ريح… و كل صبح يختلف عن صبح… و كل صمت يختلف عن صمت. لذلك يمكن ان نقول انهم وحدهم من يعيشون الحياة كما تستحق… و هم وحدهم من يتحسرون لحظة الموت… لا لكي يرجعوا فيعملوا عملا صالحا… و انما ليعيشوا تفاصيل اكثر من الحياة… ما اجملها الحياة التي تعاش حتي في خطوط اليد… و ما اشد خياليتها… افمن يخلق كم لا يخلق؟

شاعرنا الآن يرقد كمن هو راجع من سفر بعيد بعيد… و نحن في امس الحاجة الى من يعيش حياته و حياتنا بأدق التفاصيل… يعيشها كما تستحق ان تعاش…

ينام المسافر… ينتابه قلق الذكريات… و وزر المساء الذي يحجب السهل عنه…

يريد المكوث قليلا ليرثي الطريق الذي يشتهي العشب من حوله… و يريد العثور على ناطحات السحاب…

على دقة الباب في قرية نائية…

يريد المكوث قليلا على حافة المفردات…

يريد الرجوع قليلا الى الذكريات التي هرمت في انحناءا

*********

تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

موقع ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: