هاشم الشعباني: شاعر عربستان وشهيدها/ بقلم:خالد الحروب

fa2341ff-2fdd-4f9d-bfed-69e075b0e40aالحوار المتمدن- كلما كتب الاحوازيون شعراً تحسس غلاظ الحرس الثوري الايراني مسدساتهم, في استنساخ مخلص لسيرة غوبلز الهتلري مع مثقفي المانيا خلال الحقبة النازية. وكلما انتج عرب الاحواز شعر غزل يغني للحرية والكرامة, كلما توترت طهران وملاليها وارسلوا مصفحات جديدة لتقصف ابيات الشعر وتغتال القوافي. قبل خمسة اسابيع وفي مكان سري لم يُعلن عنه اعدم ملالي طهران الشاعر الاحوازي الشاب هاشم الشعباني وهو لم يتجاوز اثنين وثلاثين ربيعا, ومعه رفيقه الحقوقي والمثقف هادي رشيدي. هاشم الغارق في الحلم بالإنعتاق وتحرير مساحات الحرية للناس في عربستان كتب بدمه آخر قصيدة من سجنه. كلماته الحرة, بالعربية والفارسية, تطارد قاتليه وتزرع في هضاب الاحواز وعلى ضفاف نهر كارون ورداً احمر.
هاشم الشعباني واحد من شعب عربي كبير يعيش في منطقة شرق الخليج العربي, اقل التقديرات تقول بأن عددهم خمسة ملايين وبعضها يصل إلى ١٢ مليون. معنى ذلك وبإعتماد اقل التقديرات فإن سكان عربستان يفوق عددهم مجموع سكان دول الخليج مجتمعة بإستثناء السعودية. وكما تختلف التقديرات في السكان تختلف في المساحة بحسب اي المناطق تُعتبر من ضمن عربستان. التقديرات الايرانية الرسمية والتي تقلل مساحة المنطقة إلى اقل ما يمكن تقول انها لا تتجاوز ٦٥ الف كيلومتر مربع (اي ضعف مساحة الكويت وقطر والبحرين مجتمعة). بينما تقديرات الاحوازيين انفسهم تضم مناطق اخرى وتصل بالرقم إلى اكثر من ثلاثمائة كيلومتر مربع, اي قريبا من مساحة اليمن. حديث الارقام هذا يخبرنا بضخامة قضية الاحواز, ويخبرنا بنجاح ملالي ايران في طمسها وإبقائها في الظل, مقابل تسليط الضوء على “المظالم” والقضايا التي تريد طهران اشعالها في الجوار ثم استثمارها لمد النفوذ والتأثير. تاريخيا, امتدت مملكة عربستان مستقلة في شرق الخليج على مدار عقدة قرون وتم القضاء عليها سنة ١٩٢٥ حيث تم ضمها إلى إيران, وغير اسمها إلى محافظة خوزستان. والمفارقة التاريخية ان اسم عربستان كانت قد اطلقته الدولة الصفوية على المنطقة معترفة بشكل مباشر بأنها منطقة عربية وسكانها عرب مختلفون قوميا عن بقية شعوب ايران الفارسية.
هاشم الشعباني ورفيقه هادي الرشيدي ليسا وحيدين في قافلة المُغتالين على يد قضاة جدانوف في طهران الذين اصدروا الحكم مشفوعا بتهم “الفساد في الارض” ومعارضة “قدسية ولاية الفقيه”. هما احدث الاسماء والدم الطازج المُضاف لقائمة طويلة ضمت عشرات من المثقفين والشعراء والكتاب الاحوازيين الذين يطالبون بحرية شعبهم, وبالحقوق التي تقرها شرائع البشر للناس والافراد. ليس مهما بالنسبة لملالي طهران ان ثلث الاحوازيين إلى نصفهم شيعة, المهم والمقلق والمرفوض انهم عرب, ولهذا وبسببه تنفلت آليات التنكيل والقمع والاضطهاد. تستثمر الاستراتيجية الايرانية الفارسية اوضاع الشيعة العرب وتزعم الحرص على مصالحهم وتنطلق ل “الدفاع” عنها في كل ارجاء المنطقة, فتثير الاضطرابات ونزعات التقسيم, بينما هي تقتل شيعتها العرب وتدوس عليهم وعلى حقوقهم.
إيران الغارقة في القومية الفارسية حتى الثمالة توظف الشعاراتية الاسلاموية وحتى الشيعية لتخترق المنطقة العربية, مرة دفاعا عن “مرقد السيدة زينب” في سوريا, ومرة في البحرين, وثالثة في المنطقة الشرقية في السعودية, مستغلة عدم تحقق المواطنة والحرية والديموقراطية في الخليج العربي ومعاناة الشيعة العرب من عدم المساواة. لكن ذلك التدخل لا علاقة له بالدين ولا بالتشيع ولا بالإنتصار للمظلومين, جوهره الحقيقي قومي فارسي وتدخلي وحنين امبرطوري خفي لمد السيطرة والنفوذ على منطقة الخليج والمشرق العربي. في ذروة االثورة الخمينية وعندما كان بريق بريقها ما زال في بدايته متلحفة بالإسلام ومقدمة الخميني كإمام للمسلمين في اصقاع الارض كافة, طرح احدهم ان يُسمى الخليج المختلف على تسميته ب “الخليج الاسلامي” وذلك فضا للخلاف التاريخي بين لفظتي الخليج العربي والخليج الفارسي. رفضت إيران بقوة وتمسكت بوصف “الخليج الفارسي”. من حق ايران ان تكون فارسية وان تكون ما تريد, لكن ليس من حقها فرض قوميتها على ملايين العرب في عربستان (خوزستان), كما لم يكن من حق العراق ان يفرض القومية العربية على أكراده, او عرب المغرب العربي على أمازيغه. وليس من حق ايران ايضا ان تتدثر بالدين وشعاراته لتمرر مشروعا قوميا صارخا يحبل بأحلام النفوذ والسيطرة.
تتمدد إيران قوميا واستراتيجيا في قلب المنطقة العربية ويتحمل المسؤولية التاريخية اولئك الذين فاتهم درس ابن المقفع (الفارسي المسلم) في قصة كليلة ودمنة ومن أُكل يوم اكل الثور الابيض. الذين يقفون إلى جانب إيران في سورية ولبنان والمنطقة كلها يوفرون لها جسر العبور الذي ما ان تقطعه فإنها لن تغادر إلى زمن طويل قادم. تعتمد القومية الايرانية في انطلاقتها نحو قلب المنطقة العربية على رافعتين ايديولوجيتين هما شعار الدين وشعار المقاومة. كلا من الشعارين وعند التدقيق القريب والتمحيص يتبدى خاويا بحق, لكن للإثنين طاقة هائلة على الحشد والتأثير والاختراق. إسلاموية إيران هي خليط من الشيعية السياسية (وليس التعبدية التي من حق اي انسان ان يتمثلها) والقومية الفارسية التي حورت من الشيعية التعبدية إلى ايديولوجيا سياسية معادية للعرب, ومنتجة لإسلام فارسي يتمايز عن الاسلام العربي.
تتمدد القومية الايرانية الفارسية بكل قوة في ظرف تاريخي تعاني فيه القومية العربية من ضياع وتمزق كبير ولا تستطيع مجابهة الهجوم القومي الفارسي العريض المُتستر تحت شعاري الدين والمقاومة. والبديل العربي الذاتي الذي اشتغل داخليا بدوره على إنهاك القومية العربية, الاسلاموية الحركية العربية والقوى العربية المحافظة, يعاني كل منهما من ضعفه الداخلي وهشاشته التي لا تؤهله للوقوف في وجه ايران وتمددها.
هاشم الشعباني الوطني الاحوازي يذكرنا بموته بجذر المشكلة مع إيران. هاشم يعتز بكونه إيرانيا لكنه يفرق بين الايرانية والفارسية, ليس له ولاء إلا للاحواز وعربستان. قاتل بضراوة ضد صدام حسين خلال الحرب العراقية الإيرانية, ثم عارض ملالي إيران ومنطق ولاية الفقية سياسيا وثقافيا وحقوقيا. لا يمكن لأحد ان يتهمه ب “العمالة” والولاء للخارج. كان ولاؤه وانغماسه للداخل, للأحوازالتي ذاب عشقا فيها ونطق بجمالها في اشعاره, لنهر كارون الذي تغنى به, لزوجته وطفله, لأناسه الذين رقوه إلى مرتبة قديس ولما يزل في الربيع الاول من عمره. من سجنه وقبل ان يتم اعدامه هرًب هاشم الشعباني اخر قصائده. كتب يقول: “سبعة اسباب تكفي لأموت. لسبعة ايام وهم يصرخون بي: انت تشن حربا على الإله! في السبت قالوا: لأنك عربي. في الاحد قالوا: حسنا, انك من الاحواز. في الإثنين: تذكر انك ايراني. في الثلاثاء: انت سخرت من الثورة المقدسة. في الاربعاء: ألم ترفع صوتك على الآخرين. في الخميس: انت شاعر ومغن. في الجمعة: انت رجل, ألا يكفي كل هذا لتموت؟”

——-

خالد الحروب – مدير مشروع الاعلام العربي في جامعة كامبريدج/أنجلترا حيث يحاضر في سياسة وتاريخ الشرق الأوسط في نفس الجامعة. صدر له عدة كتب ودراسات في السياسة والفكر منها (بالانجليزية): الاسلام السياسي: السياق والايديولوجيا, “حماس:الفكر السياسي والممارسة”, و”البث الديني في الشرق الاوسط”. أما بالعربية فصدر له “هشاشة الأيديولوجيا، جبروت السياسة” عن دار الساقي في بيروت, و”الاعلام الفلسطيني والإنقسام: مرارة التجربة وإمكانيات التحسين” عن مؤسسة مواطن في رام الله, كما صدر له ديوان شعر عن دار ميرت في مصر, وكتاب سرد نثري بعنوان “وشم المدن” عن دار رياض الريس في بيروت, وفي سنوات 2000 إلى 2006 عمل معدا ومقدما لبرنامج”الكتاب خير جليس” من 2000 إلى 2006. ويقيم الآن في كامبريدج/أنجلترا.

تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

موقع ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: