قراءة في السياسة الخارجية الإيرانية/بقلم الدكتور: عبدالله حويّس، استاذ التاريخ والدراسات الإسلامية بجامعة بوخوم الألمانية

(1)-(2)-(3)-(4)-(5)

تكتسب هذه القراءة أهمية كبيرة بل هي ضرورية وملحة، بسبب الظروف المعقدة التي تعيشها البلاد العربية، حيث يواصل المشروع الإيراني مدّ نفوذه بأشكال مختلفة، أخطرها تغلغله في النسيج الاجتماعي والعقلي والروحي.

تمتد جذور السياسية الخارجية الإيرانية لقرون طويلة عبر التاريخ، قبل الاسلام وبعده، لكن لا مجال هنا للتعمّق في أغوار التاريخ. لذا ستنطلق هذه الدراسة من العهد الصفوي، الذي استلم السلطة في ايران منذ ١٥٠١م. وحتى ١٧٢٢م. لأنه يلعب دورا هاما في تأسيس السياسة الخارجية الحالية، المبنية على عدة أفكار فلسفية واجتماعية.

قبل أي شيء، إن السياسة الإيرانية هي سياسة وطنية مبنية على أسس مصلحية، وليس دينية او مذهبية. وهذا يعود الى الدولة الصفوية، التي استطاعت ان تربط العامل المذهبي وتضعه في خدمة العامل الفارسي، المستند الى اللغة الفارسية، ومصلحة وهيمنة الدولة الإيرانية ـ الفارسية على الشعوب، التي تعيش حاليا تحت سلطتها وتحت سلطة الدول المجاورة.

ومن خلال هذه الدراسة، سنعمل على إيضاح بعض محطات هذه السياسة، ولن نتطرق الى كل محطاتها ومراحلها، لأن هذا يحتاج الى دراسات وكتب عديدة، خصوصاً، وأن الإيرانيين في هذا المجال، يعطون زخماً كبيراً من المعلومات، وينشرون الكثير من الكتب بالفارسية حول سياستهم.

وهنا نتوقف قليلاً، لنشير الى أن إيران أسّست وبنت العديد من المعاهد (وهذا من حقها كدولة) التي تدرس باللغة العربية، من أجل دراسة الاوضاع العربية، وفهم الانسان العربي، (لكنها تحرّم اللغة العربية في منطقة الأحواز العربية)، لأنها عبر ذلك، تستطيع أن تؤثر بل أن تهيمن عليه وعلى فكره ووعيه. ونشير أيضا الى واجب الدول العربية (وهذا من حقها كدول)، بأن تحذو حذو ايران ببناء مثل هذه المؤسسات والمعاهد الدراسية، كي تستطيع مواجهة مشروع الهيمنة الإيرانية.

وتتميز السياسة الإيرانية بأنها فهمت، بدءًا من العهد الصفوي، التناقضات بين الدول، وجندتها لمصالحها في البعدين الداخلي والخارجي. وفي معظم الأحيان استغلت هذه التناقضات لصالح هيمنتها، فتحالفت مع دول استعمارية غربية “مسيحية”، على حساب علاقاتها مع جيرانها، وبخاصة الدولة العثمانية والدولة الأوزبكية.

يأخذ مشروع الهيمنة الإيراني التوسعي ديناميكيته وقوته، من فهمهم للتاريخ فهمًا إمبراطوريا، ويُرجع جذور حضارته الى مرحلة ما قبل الاسلام. بينما العربي حتى اليوم، لم يجند تاريخه الحضاري ولغته قبل الاسلام لصالح حضارته. فالتاريخ العربي يبدأ بمجيء الاسلام، وهذه معضلة كبيرة، لأننا نهمل كل حضاراتنا السابقة في اليمن والبتراء ومصر، ودول الغساسنة والمناذرة، التي قدمت الكثير للعرب والإسلام، والتي لم يتم توثيقها بدراسات علمية. فإذا ربطنا بتاريخنا مرحلة ما يسمى بالحضارات السامية، خصوصاً بلاد بابل، وطبعاً مصر، سنكتشف حقيقة ان لنا حضارة كبيرة موغلة في القدم، تمتد جذورها الى آلاف السنين قبل الاسلام.

أما بالنسبة للإيرانيين، فانهم لا يرون أيّ تناقضات في هذا الربط التاريخي، حيث يجندوا مثلاً التاريخ الأخميني على انه تاريخ فارسي. أما العرب، فانهم يفصلون بين ما قبل وما بعد الاسلام، بل ويعدمون ما قبله، بحيث ان التكامل او الامتداد التاريخي لا يأخذ ديناميكيته عند المؤرخين والسياسيين العرب. بل هناك رفضاً وتحقيراً للتاريخ العربي قبل الاسلام (تحت عنوان الجاهلية)، وهذه مشكلة كبيرة، على المثقف العربي والباحث العربي ودوائر التعليم العربية أن يحلّونها، لأن الانسان العربي له جذوره التاريخية والحضارية قبل الاسلام وقبل المسيحية وقبل اليهودية، إذ ان وجوده يعود الى ما قبل مجيء الرسالات الثلاثة. والطريف أن هذا التحقير يعدم (بوعي أو من دون وعي، متعمداً أو جاهلاً) أُسس ومراحل بناء الاسلام الديني، الذي اختتمته رسالة محمد (ص).

إذا فهمنا وفسّرنا بشكل علمي دقيق الحضارات العربية ومكانتها في التاريخ، نستطيع ان نبني وعياً عربياً صادقاً يعتز الانسان به وبنفسه، ويعتز بأصوله وعروبته وتاريخه وثقافته ولغته. وهكذا اعتزاز نجده عند كل الأمم، لكنه لم يعد موجودا عند العرب، اذ كل شيء يبدأ بالإسلام، الذي لا شك انه اعطانا قوة روحية، ووحّدنا، وعبره حققنا قفزة حضارية إنسانية عظيمة.. إلخ، لكن هذا لا يلغي حقيقة انه كان لنا تاريخ، وكانت لنا مكانة يجب دراستهما وتفسيرهما علميا.

على أيّ حال، يجب أن نعود الى سياق الموضوع، أيّ الى رسم صورة للسياسة الإيرانية، بدءًا من مدخل الدولة الصفوية، فنسأل كيف استطاع اسماعيل الصوفي أن يتوّج نفسه عام ١٥٠١ في مدينة تبريز بولاية أذربيجان، ويصبح شاه ايران؟ علماً أن إيران آنئذ، لم تكن كلها خاضعة للسلطان الصفوي، وأن معظم الايرانيين كانوا ينتمون الى المذهب الشافعي، مع وجود أقليات صغيرة زيدية، واثني عشرية وإسماعيلية، لكن شاه اسماعيل استطاع خلال تسعة سنوات، اخضاع الكثير من المناطق والشعوب لسيطرته، مما أدّى الى الاصطدام بالدولة العثمانية الناشئة والتوسعية. من هنا يأتي السؤال، كيف بدأ شاه اسماعيل، يبني علاقاته مع أعداء الدولة العثمانية كي يرسخ مكانته في ايران والدول المجاورة؟

قراءة في السياسة الخارجية الإيرانية (2)

د. عبـد اللـه حويـس

قبل ان نتكلم عن العلاقات الصفوية – العثمانية، في القرن السادس عشر الميلادي، من الضروري التعرف على العلاقات الأوروبية مع الاسرة الحاكمة في أذربيجان، وفي مناطق واسعة من ايران، وهي أسرة تركمانية سنّيّة عُرِفَت باسم آقا قوينلو، ومعناها أصحاب الراية البيضاء، راية الخروف الأبيض.

هذه الأسرة كانت تنافس عائلات وأسر أخرى، منها أسرة قره قوينلو، أي أصحاب راية الخروف الأسود، وهم شيعة، والتيموريين (نسبة لتيمورلنك) وهم سُنَّة. هذه الأسر كانت تحكم مناطق مختلفة في ايران في مراحل مختلفة. لكن المهم هنا التركيز على أسرة آقا قوينلو، لأنها جغرافيّاً هي التي كانت تحكم المناطق التي كانت تعيش فيها الأسرة الصفوية الصوفية. وعلى الرغم من ذلك، فان الاسرة الصفوية لم تكن خاضعة لأسرة آقا قوينلو، وإنما كانتا مترابطتين بأواصر الزواج.

وكان الحاكم عند أسرة آقا قوينلو أوزن حسن، أي حسن الطويل (أوزن كلمة تركية معناها الطويل)، الذي كان من أقوى الحكام في تلك المنطقة آنذاك في ايران. وكان أوزن حسن متزوجا من دسبينا (أو دسبوينا ومعناها الأميرة باللغة اليونانية القديمة)، ابنة الحاكم اليوناني في منطقة طرابزون (شمال شرق تركيا)، وكان لهما بنت اسمها مارتا، والتي تزوجت من حيدر، وهو والد الشاه اسماعيل الصفوي، فكان زواجاً بين حيدر وهو من أب شيعي صوفي، وبين مارتا المسلمة ظاهرياً، والتي شرّبتها أمّها التعاليم المسيحية.

في تلك الفترة، تحالفت أسرة الآقا قوينلو، على الرعم من انها سنّيّة، مع دول أوروبية من أجل مواجهة أو إيقاف حملات التوسع العثماني داخل ايران، وداخل الأراضي الأوروبية أيضاً. وقد تمت عدة لقاءات بين أوزن حسن وبين رحّالة وسفراء أوروبيين، من بينهم كاترينو زينو سفير البندقية، الذي زار أوزن حسن، وأجرى معه حواراً طويلاً حول تأسيس حلف تركماني  ـ أوروبي ضد الهجمات العثمانية، ومنهم أيضاً القسّ لودفيك، الذي حضر تلك اللقاءات.

بعد ذلك، تم توقيع اتفاقات تتضمن خطط مهاجمة العثمانيين من قِبَل التركمان في الشرق، ومن الأوروبيين في الغرب. لكن هذه الخطط فشلت، لأن العثمانيين كانوا يتميّزون بقوة كبيرة، فسيطروا على طرابزون ومينائها المهم على البحر الأسود، وفي نهاية المطاف، استسلم لهم أوزن حسن، وفرضوا الأتاوات على الكثير من الحكام الأوروبيين.

نستدرك هنا لنوضح، انه يجب تناول هذه التفاصيل، كي نستطيع ان نفهم بعد ذلك العلاقات الأوروبية – العثمانية، والتحالفات التي كانت تسعى لها الدولة الصفوية مع الغرب، من أجل ضرب الأتراك العثمانيين.

في هذا المجال، تمت عدة لقاءات وعدة مساعي من أجل تأسيس حلف عسكري، إذ أن الأحلاف العسكرية كانت الجزء الظاهر من المخططات الأوروبية، التي كانت تتضمن في نفس الوقت العلاقات التجاريّة، التي كانت تتأثر توسّعاً او انكماشاً بالانتصارات العسكرية. وهكذا بعد سقوط القسطنطينية على يد محمد الفاتح عام ١٤٥٣، تضاءلت القوة التجارية الأوروبية في الشرق الى أبعد الحدود، وأقفلت السيطرة العثمانية معظم الطرق التجارية التي كانت مفتوحة بين الغرب والشرق. الى جانب البعدين العسكري والتجاري في تلك المخططات، يأتي البعد التبشيري، حيث كان المبشّرون الأوروبيون يجوبون مناطق الشرق، آملين إعادة البعض منها للسيطرة المسيحية طبعاً الغربية.

نستدرك هنا أيضاً لنؤكد، ان معرفة هذه الأبعاد ضروري، لفهم أهمية ايران في الاستراتيجيات الدولية آنذاك، وبشكل احتمالي في الوقت الحالي.

إن الصراع الطويل بين الصفويين وبين العثمانيين، له تأثير كبير طبعاً على العلاقات بين الطرفين، التي تأثرت فيما بعد بالتحالفات التي نسجها الشاه اسماعيل الصفوي.

كانت سياسات هذا الأخير، في ظاهرها صديقة للمسلمين، لكن في الواقع، من أجل توسيع سيطرته، لم يتورع عن البطش بالمسلمين، معتمداً على القوات القزلباشية التركمانية (قزلباش تسمية عثمانية تعني ذوي الرؤوس الحمراء، أصحاب العمامات التي كانت تربط باثني عشرة لفة تلميحاً للأئمة الاثني العشر)، وهم من أشد القوات التي تبنت وتأثرت بالفكر والغُلو الشيعي المتطرف. وكان الكثير من الشيعة لا يعترفون بتشيّع القزلباش، لأنهم في الظاهر كانوا يتكلمون عن التشيع، لكن فعلياً كانوا بعيدين كثيراً عن المذهب الشيعي. إذ تسرّب الكثير من الخرافات المأخوذة من الأفكار والعقائد المغولية القديمة (نسبة للمغول وديانتهم الشامانية القديمة) في أوساطهم، وكادوا لا يفقهون شيئاً عن التشيع الحقيقي. بعد احتلالهم لمدينة تبريز عام ١٥٠٢، عاصمة دولة الآقا قوينلو، لم يرحموا أحداً، لا من الأحياء ولا من الأموات، على الرغم من الأواصر العائلية.

وتُروى قصص كثيرة مرعبة، عن كيفية معاملتهم لسكان المدينة، والإجرام ونبش القبور والتمثيل بالجثث وحرق عظام الأموات، من بعض عائلات الآقا قوينلو، التي كانت معنية بقتل حيدر أبي الشاه اسماعيل، في إطار صراع عائلي لم يرحم فيه اسماعيل أخواله من تلك العائلات. وقد أدى ذلك الى ردود فعل إسلامية سلبية، من بينها شكوى العثمانيين الذين ارسلوا الى اسماعيل السفراء، لاستنكار ما فعله القزلباش ضد المسلمين السُّنة، فوعد اسماعيل بايقاف هذه الجرائم لكنه لم يلتزم بوعده.

قراءة في السياسة الخارجية الإيرانية (3)

د. عبـد اللـه حويـس

كما حكام كل الدول والممالك، كان سلاطين بني عثمان طبعاً يختلفون عن بعضهم البعض. في البداية، بعد السلطان محمد الفاتح، تولّى ابنه بايزيد الثاني الحكم منذ عام ١٤٨١ حتى ١٥١٢ ميلادي، وكان ضعيفاً لأسباب عديدة لا مجال للتطرق اليها، ومنها انه منذ توليه الحكم عارضه أخوه الأصغر جم، فدخل في صراع معه على السلطة. واتجه بايزيد الثاني الى إصلاح علاقاته مع الدولة الصفوية عبر العمل الديبلوماسي، وسعى الى تخفيف الضغط على أهل السُنّة في ايران، لكن اسماعيل لم يفِ بوعوده واستمرت الجرائم ضدّهم.

وَمن النقاط التي تجدر معرفتها عن العثمانيين آنذاك، أن اهتمامهم وتوجهاتهم السياسية والاقتصادية وحتى العسكرية، كانت باتجاه أوروبا وليس باتجاه ايران. إذ ان العثمانيين كانوا يعتبرون ان قوتهم العسكرية تؤهلهم لاكتساح العاصمة الصفوية وما حولها، متى شاؤوا، لكن الأولوية بالنسبة لهم كانت لحشد وتوجيه قواتهم الى أوروبا.

بعد بايزيد الثاني، تولّى الحكم ابنه السلطان سليم الأول (١٥١٢ الى ١٥٢٠)، الذي كان قوياً حازماً ومختلفاً عن أبيه، بخاصة فيما يتعلق بالعلاقات العثمانية – الصفوية، حيث وجّه اهتمامه لما يجري في ايران.

ضمن هذا الاهتمام، تأتي معركة جالديران أو جالدوران عام ١٥١٤، حيث حشد السلطان سليم جيوشه، وهاجم الجيش الصفوي القزلباشي فهزمه شر هزيمة، ودخل تبريز عاصمة الصفويين، واستولى على مناطق شاسعة. في هذه المعركة انكسرت شوكة الشاه اسماعيل، وسقط الكثير من قادته قتلى وجرحى، بمن فيهم الشاه نفسه، الذي استطاع الفرار رغم جراحه، لكن زوجته وعدد من نسائه وقادة جيشه وقعوا في أسر العثمانيين.

ما يجدر ذكره، أنه من الخطأ القول ان هذه المعركة عثمانية – فارسية، لأن الجيش الصفوي لم يكن فارسياً، بل كان مؤلفا من القزلباش التركمان الذين أتوا من الأناضول، والذين جنّدهم وشيّعهم الصفويون (في عهود جنيد وحيدر ثم اسماعيل)، مستفيدين من نقمتهم وثوراتهم ضد العثمانيين. هنا لا بد من إبراز سقوط هيبة شاه اسماعيل بعد هذه المعركة، لأنه بسبب انتصاراته السابقة واستيلائه على العديد من المدن الإيرانية، بما فيها تبريز، أصبح في نظر اتباعه وانصاره شبه إلٰه أو شبه المهدي، لا يؤثر فيه السيف ولا يموت. لكن بعد هزيمته في معركة جالديران وسقوط جنوده وهروبه وأسر نسائه، انكسرت شوكته وسقطت هيبته، وكفّ عن التدخل في القضايا السياسية.

لا بد أيضاً من الإشارة الى دور رجال الدولة الصفوية، مستشاري اسماعيل الذين كانوا يديرون شؤونها، ومن بينها السياسة الخارجية، خصوصا بعد معركة جالديران. كان هؤلاء الرجال من علماء الدين المسيّسين، الذين كانوا أكثر وعياً من اسماعيل، الذي استلم الحكم وهو صغير السن، وقليل التجربة وقليل المعرفة دينياً ودنيوياً. من بين هؤلاء كان هناك عدد مهم من العلماء الإيرانيين ذوي منصب “صدر” او “صدر الاسلام”، وهي كلمة تعني من يتصدر المجلس أي رئيس الحكومة أو المسؤول عنها.

بعد هزيمة جالديران، بدأ هؤلاء العلماء التخطيط والعمل على تشكيل حلف عسكري مهم مع أقوى حاكم في أوروبا، التي كانت غير موحدة وغارقة في الصراعات بين الأسر الحاكمة (وهذا سبب مهم من أسباب انتصارات الدولة العثمانية). هذا الحاكم او الملك هو شارلمان (او شارلكان أو شارل او كارل) الخامس، الذي قادت جدته إيزابيل (من جهة أمه) انتزاع الأندلس من أيدي العرب، وبخاصة آخر ممالكهم غرناطة عام ١٤٩٢م، وما تلا ذلك من مذابح ضد المسلمين واليهود، الذين كانوا كلهم من مواطني الأندلس. كانت إيزابيل هذه متعصبة دينياً، وتعتبر نفسها ملكة العالم الكاثوليكي، وتوفيت عام ١٥٠٤، أي بعد أربعة سنوات من ولادة شارلمان، الذي تولى العرش شاباً في التاسعة عشرة من عمره. منذ توليه الحكم اندفع شارلمان الى توحيد أوروبا، وبخاصة في مواجهة العثمانيين، فكان من الطبيعي أن يسعى الى التحالف مع أعداء الدولة العثمانية. وهكذا بعد أن سيطر على أجزاء واسعة من أوروبا، وأصبح أكبر وأقوى ملوكها، تقاطعت مساعيه مع مساعي مستشاري اسماعيل في التخطيط والعمل على تأسيس حلف قوي، على الرغم من انه كان معروفاً بتعصبه الديني وعدائه لكل شيء غير مسيحي. وما يجدر ذكره، انه في تاريخ العلاقات الاوروبية – الإيرانية في تلك الفترة، لم تنجح مساعي بعض حكام أوروبا الضعفاء، من البندقية الى هنغاريا الى بولندا، في بناء تحالفات مع دولة الآقا قوينلو ولا مع الدولة الصفوية.

أما عن شارلمان الخامس، الذي بدأ يعمل على تحسين علاقاته مع الدولة الصفوية، فالأرشيف اللاتيني يحتوي مجموعة من المراسلات المتبادلة بينه وبين اسماعيل الأول، حول بناء تحالف قوي متين من أجل ضرب الدولة العثمانية وتقوية ايران الصفوية. هذه الدولة لم يكن العامل الديني يهمّها، وإنما عامل السلطة والنفوذ، ليس فقط في عهد الدولة الصفوية، بل وفي عهد دولة الآقا قوينلو السُنّية (خاصة في عهد أوزن حسن)، التي سعت الى بناء تحالفات مع الغرب المسيحي. وهذا يعود الى ان رؤية هاتين الدولتين للمصلحة الوطنية كانت تفرض او تتضمن تطبيق مقولة “عدوّ عدوّي صديقي”، مما يعني التحالف مع أوروبا المسيحية ضد العثمانيين، الذين كان تركيزهم على التوسع في أوروبا.

وبقدر ما كان هذا التوسع على حساب الأوروبيين، فانه شمل أيضاً الاراضي العربية، وكسر شوكة المماليك عام ١٥١٧م، الذين وقفوا الى جانب الدولة الصفوية في حربها ضدّ العثمانيين.

هنا يجب ان نعود الى ايران، التي استغلت الظروف والتباينات والصراعات السياسية والاستراتيجية بين العثمانيين والأوروبيين، لصالحها الوطني ضمن إطار رؤيتها لمصالحها، على الرغم من استخدام المبررات الدينية والمذهبية. وعليه سنتطرق الى المراسلات بين اسماعيل الاول وشارلمان الخامس، التي سبق ذِكرُها.

قراءة في السياسة الخارجية الإيرانية (4)

د. عبـد اللـه حويـس

في الأجزاء السابقة، تناولنا العلاقات والحروب الصفوية – العثمانية، وأثرها على العلاقات الأوروبية – الإيرانية. في هذا الجزء، نتطرق الى كيف استمرت وتعمّقت العلاقة بين الدولة الصفوية وحكام أوروبا، وخصوصاً شارلمان (أو كارل) الخامس.

استلم شارلمان الخامس الحكم عام 1516م. في اسبانيا. وعام 1519 في ألمانيا، وخاض العديد من الحروب، وسيطر على الكثير من أجزاء أوروبا، وخصوصاً حربه ضدّ فرنسا في عهد الملك فرانسوا الأول (1515 – 1547)، الذي رفض هيمنة شارلمان على العالم المسيحي.

وشارلمان، كان يطمح الى توحيد المسيحيين، وإعادة إطلاق الحروب الصليبية ضدّ المسلمين (الدولة العثمانية)، وبالتالي استعادة القدس. من أجل نفس الهدف، حاول بعض حكام أوروبا التحالف مع الدولة الصفوية، ومنهم ملك المجر لودفيغ (أو لويس) الثاني (1506  – 1526)، ابن فلاديسلاف الثاني، الذي أرسل خطاباً الى الشاه اسماعيل الاول، طالباً منه توحيد جهودهم ضدّ السلطان العثماني.

نشير هنا، الى ان حامل الخطاب كان الأب بطرس الماروني (بيتروس دي مونتي ليبانو اي بطرس من جبل لبنان)، الذي كان له مكانه في بلاط اسماعيل، والذي من خلاله علم هذا الأخير بأن شارلمان الخامس هو أقوى ملوك أوروبا، وهو الأجدر بالتحالف معه في مواجهة العثمانيين لإيقاف هجماتهم وهزيمتهم.

في هذا الإطار، من الضروري التعرّف على الرسالة التي ارسلها الشاه اسماعيل الاول الى شارلمان الخامس، والتي نترجمها هنا كاملة من الفارسية :

“الى كارل ابن فيليب. اذا أراد الله واستلمت رسالتنا، ستعرف ان الأب بطرس جاءنا من قبل حاملا رسالةً من ملك المجر. نحن درسنا محتوى تلك الرسالة بسرور، وها نحن نرسل لكم مع الأب بطرس هذه الرسالة، التي نتمنى أن يسرّكم محتواها. أرجو منكم بإصرار أن تدرسوا بدقة مطالبنا. في شهر ابريل ـ نيسان، يجب ومن الضروري أن نهاجم العثمانيين من جهتينا، فالسلطان العثماني عدوّ مشترك لنا (المقصود هنا السلطان سليم الأول). لقد سبق وكان عندنا سفير سويسرا وأرسلنا معه رسالة، لكن حتى اليوم لم نستلم أيّ جواب. نحن سمعنا من الرعايا العثمانيين أن ملوك المسيحيين يحاربون بعضهم بعضاً، وهذا الوضع حيّرنا كثيراً، لأن حروب المسيحيين ضدّ بعضهم البعض تشجع العدو (أي السلطان العثماني). لهذا السبب كتبت الى ملك المجر، أن على ملوك أوروبا عدم محاربة بعضهم البعض. عليكم أن تعلموا ان السلطان العثماني يجهّز جيشاً عظيماً لمحاربتكم، وقد طلب مني المساعدة والمساندة عن طريق السفير العثماني، الذي بعثه إلينا وطلب منا أن نتّحد ضدّكم. لكني رفضت هذا الطلب، لأنني مثلما ذكرت لكم، أنا شريك لكم في السَّرَّاء وَالضَّرَّاء، وكل من يخون العهد أمام الله يجازيه الرب. من الضروري ان تجهّزوا جيشاً لمحاربة العدوّ، وأنا لن أكتب لكم رسالة ثانية، فالمسافة بيننا طويلة، وارسال أيّ رسالة صعب جدًّا، لأن السلطان العثماني هيمن على كل الطرق البحرية، وليس من السّهل إرسال أيّ بعثة من السفراء. عليكم ألّا تطمئنوا للجانب العثماني، لأنه كما تعلمون لم يحترم ولم يفِ بأيّ عهد، فهو يريد دماركم، ولن يترك أيّ فرصة من أجل تحقيق ذلك. هذا عدوّ أجدادنا، لم يحترم أيّ معاهدة، ولن يتكلّم مع ملك كبير مثلكم، ملك أوروبا وألمانيا. حُرِّرت هذه الرسالة في شوال سنة 929 (هجري). صديقكم شاه اسماعيل الصفوي ابن الشيخ حيدر”.

قراءة في السياسة الخارجية الإيرانية (5)

د. عبـد اللـه حويـس

وفقاً للمراجع التاريخية وكل الأبحاث الحديثة الأوروبية، استلم شارلمان الخامس رسالة شاه اسماعيل الأول بعد سنتين، التي ذكر فيها ان العثمانيين كانوا يسيطرون على الطرق بين الشرق وبين أوروبا وانه من الصعب الاتصال بين الدولة الصفوية وبين حكام أوروبا، وذلك لا شك كان صحيحاً. أما عن جواب شارلمان على رسالة اسماعيل، سنتطرق اليه في الجزء القادم حيث سنوضح ان الملك الصفوي كان يعطي الأهمية للمفاهيم السياسية والسلطوية، وان البعد الديني كان الثالث او الرابع في أولويات علاقاته السياسية مع الدول الأخرى.

حسب العديد من كتب المؤرخين الغربيين، ان الهجمات العديدة للدولة الصفوية من الشرق ضد العثمانيين التي جرت خلال عدة عقود، كانت تؤدي الى تخفيف أو إضعاف الهجمات العثمانية على أوروبا. وعندما نعلم أن هذه الهجمات تواصلت بعد سقوط الدولة الصفوية عام ١٧٣٦م، في عهود الدولة الأفشارية (١٧٣٦-١٧٩٦) والدولة القاجارية (١٧٩٦-١٩٢٥)، سنستنتج ان ذلك كان سياسة ثابتة في الدولة الإيرانية. فهذه الدولة، بكل أنواع حكامها، كانت دولة قومية والدين لم يلعب دوراً أساسياً في سياساتها الخارجية بل كان موظّفاً في خدمة الدولة ومصالحها.

إذ ان الأسر الحاكمة في ايران، رغم انها لم تكن فارسية وإنما كانت من اصول تركية، فإنها تبنّت واحتضنت الثقافة الفارسية والعقلية الامبراطورية الفارسية. وكانت سياستها الامبراطورية في كثير من المراحل التاريخية بعيدة كل البعد عن الدين الاسلامي وعما يسمى التقارب الاسلامي والوحدة الاسلامية أو وحدة المسلمين المطلوبة في عقيدتهم. وهذا ما يمكن ملاحظته فيما كتبه مثلاً شاه اسماعيل في رسالته الى شارلمان، ناقداً ثم مشجعاً لحكام أوروبا المسيحيين ألا يقاتلوا بعضهم بعضاً وان يتوحّدوا في مواجهة العدو العثماني المشترك، ومؤكداً له انه رفض طلب سلطانهم الاتحاد ضد الأوروبيين. 

ونستدرك هنا بالقول ان استخدامنا للصفات الدينية الاسلامية والمسيحية يأتي في إطار الكتابة التأريخية لما كان سائداً ومستخدماً من قبل صانعي ذلك التاريخ وليس تعبيراً عن مواقفنا.

لكن رغم هيمنة العبارات والشعارات الدينية آنذاك، لم يكن الدين في صلب معتقدات وسياسات الدولة الصفوية التي كانت تحارب أي شيء يعرقل الهيمنة الإيرانية وتوسعها على حساب الشعوب الأخرى. ومن أجل هذه الهيمنة، كانت ايران مستعدة للتحالف مع أعداء أعدائها بل طبقت مرات عديدة عبر التاريخ مقولة “عدو عدوي صديقي.”

في الجزء “6” القادم، سنتطرق، كما سبق القول، الى رد شارلمان على رسالة اسماعيل والى نتائج الحلف بينهما.

المصدر: المدارنت

تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

موقع ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: