العنصرية الوجه القبيح للنظام المركزي في إيران / بقلم: حامد الكناني

لندن- موقع كارون الثقافي- حامد الكناني- ذهبت يوم أمس الأربعاء بمعية اثنان من الباحثين في الشأن الأحوازي إلى الأرشيف الوطني البريطاني للبحث عن وثائق تاريخية حول الظروف والمسببات التي ادت إلى تمكين بلاد فارس من السيطرة على عربستان الأحواز ضمن خطة استعمارية محكمة مزجت ما بين الدبلوماسية والغدر واستخدام القوة العسكرية عام 1925.

واثنا البحث في الوثائق عثرنا على العشرات من المراسلات الدبلوماسية السرية المطبوعة والخطية معظمها تتعلق بالحقبة التي أدت إلى ضياع عربستان، حيث تعطي هذه الوثائق صورة واضحة للتسلسل الزمني للأحداث وتطورها.

هناك سؤوال يطرح نفسه وهو كيف سقطت إمارة عربستان الأحواز ووقع أميرها الشيخ خزعل بن جابر وولي عهده الشيخ عبدالحميد بن خزعل بسهولة بيد بلاد فارس؟

نظرا لخبرة أمير الأحواز وحنكته السياسية، لا يمكن تصديق الروايات التي أطلقها الفرس والإنجليز حول عملية أسره، فمن الواضح أن الرجل أخذ جانب الاحتياط ولم يغامر؛ لأنه يعرف أساليب السياسة الفارسية الماكرة، كما تشير الوثائق أن الشيخ خزعل  قام بتحشيد القبائل العربية، وزار الحويزة، والخفاجية، والسوس، والأحواز، والفلاحية، واجتمع بشيوخها، وأبناء القبائل، وحثهم على مقاومة العدوان القادم؛ دفاعاً عن وطنهم.

 وفي الرسالة التي بعث بها الشيخ خزعل بن جابر إلى أمير الكويت الشيخ أحمد الجابر آنذاك، أكد على لحمة الشعب الأحوازي ووحدة كلمته وأن الأحوازيين متفقون في القول والعمل، حول ضرورة طرد قوات رضاخان العسكرية من عربستان، وذكر الشيخ خزعل في تلك الرسالة أن عدد جنود الفرس كان لا يتجاوز أربعين عسكرياً ، عشرون في المحمرة، وعشرون في عبادان، فمن غير المعقول أن يخاف الشيخ خزعل، ويكون قلقاً من وجود عشرين جندياً أجنبياً مقابل آلاف المسلحين العرب، وقوات الحرس الخزعلي المعروفين بـ “الغلمان”، لكن من الواضح وكما تشير الوثيقة أدناه ان وثوقه بالإنجليز، وتعهدات الوزير البريطاني المختار سربرسي لورين، ووساطته ووساطة القنصل البريطاني في مدينة الأحواز، (بيل) هي من عرضت الشيخ ونجله، وسيادة الأحواز العربية وشعبه للمخاطر.

تشير احدى الوثائق البريطانية وهي عبارة عن تقرير استخباري سري مرسل من قبل مكتب المندوب السامي في الخليج والذي كان مقره في ميناء ابوشهر إلى وزارة الخارجية البريطانية إلى ان الشيخ خزعل في بداية الأزمة اختار المقاومة العسكرية دفاعا عن الوطن لكنه تراجع بعد تدخل بريطاني مباشر. التقرير يتحدث عن احداث شهر سبتمبر من عام 1924، أي المواجهة العسكرية بين قوات الشيخ خزعل ورضا خان وكانت المواجهة حدثت في منطقة زيدون الواقعة شرق عربستان الأحواز. جاء في التقرير ما يلي:

“في اليوم الأول (من سبتمبر) تلقى الشيخ (خزعل) من رضا خان برقية منمقة وتتضمن تهديدات ألغت للأسف جميع النتائج الجيدة للتبادل السابق للبرقيات، وشددت عزم الشيخ على القتال في نفس التاريخ تقريبًا . كما تلقى القادة العسكريون (الفرس) في أصفهان وشيراز وبوشهر، تعليمات بواسطة تلغراف مرسل من طهران للتحرك باتجاه عربستان ، وفي حوالي العاشر من الشهر ، دارت معارك (على حدود عربستان الشرقية) في منطقة زيدون وكان جنود قبائل الشيخ والقوات الحكومية تواجه بعضها البعض عبر النهر في زيدون
ونظراً لخطورة الموقف ، غادر القنصل العام لجلالة الملك في الأحواز في الثاني عشر من الشهر الجاري ، لإجراء مقابلة مع الشيخ (خزعل) وتسليمه رسالة من حكومة جلالته تنصحه بالصبر والثقة في مفوض جلالة الملك.

فلو عاد السير بيرسي لورين اليوم وزار الأحواز مجددا لشاهد حجم الكارثة الانسانية والبيئية التي نتجت عن خطته الميشومة ولعبته المصلحية الغادرة؛ ورفض قرار التخلي عن الشيخ خزعل بن جابر وجعل شعبه العربي خاضعا لسلطة أجنبية حاقدة على كل ما هو عربي.

تلك اللعبة السياسي الغادرة التي وصفتها السيدة لري لورين (زوجة لورين) بالمسرحية. لري كانت ترافق زوجها وشاهدت اجتماع الشيخ خزعل برضا خان لدى وساطة الإنجليز حيث قالت:

 “مشهد وصول موكب الشيخ خزعل ووصول رضا خان وضباطه لذلك الإجتماع كان يشبه مشهد مسرحية ساحرة، فحين دخل رضا شاه وجنوده القصر، ليجتمع بالشيخ خزعل بحضور سر برسي لورين، كانت الوجوه عنيفة ومخيفة. وحين دخل الشيخ خزعل امتلأ المكان بالعرب. وكان موكب الشيخ خزعل يضم أكثر من عشرين سيارة كانت تسير بهدوء، وأثناء المفاوضات تقبل الشيخ خزعل الوصايا البريطانية وما أراده السفير البريطاني حيث نفذه بدقة، وكان نجله عبدالكريم يتنقل ما بين والده الشيخ خزعل والسفير البريطاني، وحيث كان يستمع لما يقول له السفير همساً ثم يتجه نحو والده ويهمس في إذنه ناقلاً الرسالة البريطانية”.

(السياسة الخارجية البريطانية وإيران، جيمس غريفيثس،2017، ص84 و85)

 انقل لكم هنا مضمون احدى الرسائل السرية التي وجدتها في الأرشيف الوطني البريطاني يوم أمس، وهي رسالة ارسلها وزير خارجية بريطانيا أوستن شاروبيرلين في السابع عشر من فبراير عام 1925 ردا على استفسار السفير البريطاني في طهران السير بيرسي لورين من حكومته حول خطة التخلي عن لشيخ خزعل لصالح رضا خان ولورين هذا يعد العقل المدبر لعملية احتلال عربستان والتلاعب بمصير شعبها وذلك من أجل حفظ المصالح الاستعمارية في المنطقة والتي اتت لصالح بلاد فارس وعلى حساب شعبنا العربي الأحوازي. جاء في الرسالة مايلي:

“لقد قرأت باهتمام بالغ رسالتكم رقم 578 بتاريخ 22 ديسمبر ، والتي تصف التطور والحل النهائي للنزاع بين الحكومة الفارسية وشيخ المحمرة. لقد تعاملت مع موقف شديد الصعوبة بحكمة وهدوء وبمزيج من الحزم والصبر لذا تستحق كل التقدير.

أشارككم وجهة نظركم بأن سياسة حكومة جلالة الملك في بلاد فارس يجب أن تكون ثنيًا عن الحركة الانفصالية التي من المحتمل أن تضعف السلطة المركزية للحكومة الفارسية ، وأعتقد أن السياسة الموضحة في رسالتكم المتمثلة في حث زعماء القبائل في جنوب فارس على دعم الحكومة الفارسية يؤدي إلى تحسين علاقات حكومة جلالة الملك مع تلك الحكومة. وبالتالي ، سوف يُدرك زعماء القبائل أنفسهم أن صداقتهم التقليدية مع حكومة جلالة الملك تتوافق تمامًا مع واجبهم كرعايا فارسيين مخلصين…أوستن شاروبيرلين”.

من الواضح ان النظام المركزي في إيران صمم بعقول أجنبية، غايتها الوحيدة ضمان مصالحها على المدى القصير والإستراتيجي، وثبتت الاحداث التي شهدتها إيران طيلة مائة عام من الزمن ان النظام المركزي لا يتماشي مع مصلحة الشعوب القاطنة في هذه الجغرافيا فحسب بل عملت المركزية على التلاعب بمصير تلك الشعوب وابعادها عن مواكبة الركب الحضاري الذي يشهده العالم، فإيران اليوم وبعد مائة عام من فرض الحكم المركزي فيها تعد دولة متخلفة على جميع الاصعدة واصبحت مصدر للتخلف والدمار في المنطقة.

طيلة قرن من الزمن والشعوب غير الفارسية تحاول كسر المركزية في بلاد كانت قد دشنت بنظام لا مركزي مبنيا على توزيع السلطة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للشعوب والاقاليم. ومن هنا اختارت بلاد فارس لنفسها اسم “ممالك محروسة فارس”، وحتى الملوك فيها كان يطلق عليهم بـ” شاهنشاه” أي “ملك الملوك”، فان كانت البلاد يحكمها ملك واحد، فكيف يصف نفسه هذا الملك بملك الملوك؟!. في الحقيقة كانت بلاد فارس تتشكل من عدة ممالك وكل مملكة كانت تدير شؤونها باستقلالية تامة دون التدخل من المركز.

واما إمارة المحمرة بشكل خاص وعربستان الأحواز بشكل عام وبسبب موقعها الجغرافي وثرواتها الطبيعية كانت قد تعرضت لتجاوزات الدولة العثمانية مرارا، الأمر الذي دفعها ان تتقبل التبعية الأسمية لبلاد فارس غير المركزية والتي كانت هي الأهون في ذلك الوقت مقارنة بالدولة العثمانية المركزية والتي كانت تقوم بتعيين حكام الاقاليم والمدن العربية من اسطنبول. ولو كانت الأمور سارت بشكلها الطبيعي لحصلت الشعوب غير الفارسية على حقها في تقرير المصير واصبحت دول مستقلة كما استقلت دول الاتحاد السوفيتي مطلع التسعينيات من القرن الماضي واما الأحواز كانت هي الأقرب للاستقلال والسيادة الكاملة لولا خطط المستعمر وسياساته اللاانسانية.

تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

موقع ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: