تقرير من الأرشيف البريطاني يكشف خفايا الأحداث الدامية التي وقعت عام 1946 بين الاتحاد العربي وحزب التوده الإيراني في عبادان-(الجزء الأول)/ ترجمة وتحليل: حامد الكناني

لندن- موقع كارون الوثائقي- خاص- حامد الكناني- منذ ان كلف رضا خان باسقاط الحكم العربي في الأحواز، تعرض شعبنا العربي وعلى مدى أكثر من تسعة عقود، لسياسات عنصرية جائرة لا مثيل لها في العصر الحديث، ففي العقدين الأولين من هذه الفترة كانت عمليات القمع والتنكيل تمارس من قبل القوات العسكرية والأجهزة الأمنية التي رافقت القوات الغازية بغية فرض السيطرة على المدن والقرى العربية في الأحواز، لكن في العقود الأخرى، لحقت بالقوات العسكرية والأجهزة الأمنية فئة ثالثة، وهذه الفئة تشكلت من بعض المستوطنين الذين توافدوا على الأحواز تحت دعم واشراف حكومي واستولوا على الأسواق والدوائر الحكومية والمصانع والمنشآت النفطية، حيث اصبح وجود هذه الشريحة ومصالحها مرتبطا بوجود القوات العسكرية الإيرانية ومدى سيطرتها على الأحواز وثرواتها. ومن هذا المنطلق أخذت هذه الشريحة تؤازر السلطات العسكرية التي أتت بها ووفرت لها فرص العمل والسكن والعيش برفاهية بعد ما كانت تعاني من الفقر والفاقة في بلادها الأصلية.

ولعل أول مشاركة اجرامية شاركت بها مجاميع من المستوطنين بجانب القوات العسكرية والأمنية ضد السكان الأصليين في الأحواز، سجلتها تقارير القنصلية البريطانية في المحمرة عام 1946 حيث رصدت الصدامات الدامية التي حدثت مابين انصار “الاتحاد العربي” وانصار “حزب التودة” في مدينة عبادان النفطية في منتصف جولاي من العام نفسه. وهكذا تكون الاحداث الدموية التي شهدتها مدينة المحمرة يوم الأربعاء الأسود من عام 1979 هي ثاني عملية قمع وتنكيل حكومية شاركت فيها مجاميع من المستوطنين في المحمرة.

الأحداث الدامية التي حدثت يوم الأربعاء الـ 30 من مايو عام 1979 والهجوم الثلاثي الذي تعرض له العرب خلال ثلاثة أيام تم توثيقه نوعا ما وكتبت عنه اقلام أحوازية وعربية وحتى فارسية، حيث سجلت كاميرة مجلة ” تهران مصور” اليسارية عدد من الصور ورافقتها بتقرير أنذاك. لكن أحداث عام 1946 الدموية والتي راح ضحيتها العشرات من العرب على رأسهم القيادي العربي حداد بن هويدي ومساعده لم توثق بشكل جيّد وكانت الأحداث عبارة عن رواية شفوية تناقلتها الناس لفترة ثم جائت احداث أخرى ساعدت على نسيانها.

وجدت في الأرشيف الوطني البريطاني، ملف اخباري مرسل من قبل القنصلية البريطانية في المحمرة إلى وزارة الخارجية البريطانية في لندن يعود تاريخه إلى فترة مابين 27 مارس 1946 و 28 فبراير 1948 وفيه تقارير عديدة وترجمة لخطابات عنصرية لقيادات حزب التوده تحرض المستوطنين على قتل العرب آنذاك. كما يرصد التقرير زيارات القنصل الروسي المكثفة إلى المنطقة وذهابه إلى جزيرة الحاج صلبوخ لدعوة الشيوخ الانضمام إلى حزب التوده. وايضا تفاصيل اجتماعات عقدت مابين الحاكم العسكري الإيراني والقنصل البريطاني بغية التنسيق لادارة الأزمة التي استهدفت شركة النفط الانجلو – إيرانية من جانب، والقنصل البريطاني وعدد من الشيوخ العرب الذين ذهبوا لمقر القنصلية البريطانية بهدف الاستشارة وطلب الدعم. واجتماعات الحاكم العسكري الإيراني والشيوخ العرب الذين ارادوا ان يكون نشاطهم مرخص من قبل السلطات الإيرانية التي فتحت الساحة لحزب التوده وتراجعت أمام نشاطاته في المنطقة.

وكان البرنامج السياسي للاتحاد العربي في تلك الحقبة يختلف عن برامج باقي الانتفاضات والثورات والخطابات التي سبقته، إذ كان هذا الاتحاد ولأول مرة أراد ان يعمل في إطار الدولة الإيرانية لتحقيق أهدافه المشروعة، وهي حقوق المواطنة العادلة للعرب والتي يكفلها الدستور الإيراني أنذاك، لكن النظام البهلوي الثاني لم يغتنم الفرصة ولم يعمل على احتواء الشعب العربي الأحوازي بل ترك العرب فريسة سهلة لحزب التودة المنظم والمدعوم من قبل الروس أنذاك. وتكررت سياسة عدم انتهاز الفرصة وعدم احتواء الشارع الأحوازي من قبل السلطات الإيرانية مرارا ولم تتجاوب السلطات حتى اليوم ولو نسبياً مع مطالب العرب المشروعة، فكل ما يطالب العرب بالانصاف والعدالة في المواطنة مع الفرس والمستوطنين في الأحواز، تعرضوا إلى القمع والتنكيل بشدة، الأمر الذي دائما يؤدي إلى ارتفاع سقف المطالب والذي يصل احيانا إلى حد التخلص من الهيمنة الفارسية والاستقلال.

وبالعودة للجريمة التي ارتكبت في منتصف جولاي عام 1946 وراح ضحيتها العشرات من الشباب العربي في عبادان وعلى رأسهم كان القيادي الأحوازي حداد بن هويدي، ورغم ان الحكومة الإيرانية في ذلك الوقت هي من تتحمل مسؤولية المجزرة التي حدثت ضد العرب في تلك الأحداث، لكن التقارير تدل على وجود أكثر من طرف دولي كان لاعبا رئيسياً في هذه الأحداث، كما يشير احد التقارير بوضوح إلى خطة شيطانية نفذها الحاكم العسكري الإيراني وهي استغلال الحراك القومي العربي الذي كان قد بدأ في المنطقة بعد تراجع سلطة الدولة الإيرانية أمام حزب التوده المدعوم من قبل الروس وسيطرته على المنشآت النفطية ومدينة عبادان، حيث خطط هذا الجنرال الفارسي جعل العرب في مواجهة حزب التودة للتخلص من الأثنان في آن واحد ونجح في ذلك.

 اليكم الجزء الأول من ترجمة هذا التقرير المنشور على موقع مكتبة قطر الرقمية وموجود في الأرشيف الوطني البريطاني.

سري للغاية

رقم 66- ت.

القنصلية البريطانية في المحمرة (خرمشهر).

21 يوليو 1946.

سيدي المحترم،

يشرفني أن أقدم تقريري حول سلسلة الأحداث التي بلغت ذروتها في 14 يوليو 1946 نتيجة الإضرابات العامة في جميع قطاعات شركة النفط الأنجلو إيرانية  في الأحواز (خوزستان). ومن أجل وضع الاضطرابات الرئيسية في منظورها الصحيح ، لقد قسمت التقرير إلى ثلاثة أجزاء ، وهي المقدمة والإضراب العام والتكملة.

المقدمة

2-  بدأ حزب التوده في الظهور لأول مرة وتحول إلى قوة فاعلة في هذه المناطق بداية مارس 1946 ،أي بعد وقت قصير من انسحاب القوات البريطانية من إيران. حتى هذا الوقت ، كانت الحركة سرية إلى حد ما وتدار من قبل الحاكم العسكري العقيد دولتشاهي ؛ وأحد أشهر زعماء الحزب، فلاحتي، حيث تم نفي الأخير إلى بروجرد. بما أنني في ذلك الوقت لم أكن في المحمرة (خرمشهر) ، ليس بامكاني إعطاء الكثير من التفاصيل حول بدايات الأحداث، ولكن من الأدلة التي سجلتها ومن خلال ما تمكنت من استخلاصه في المحادثات ، فمن الواضح أن الحركة في تلك الفترة لم تواجه صعوبات في الأيام الأولى من نشاطها. لا داعي لتكرار أسباب هذا النشاط التي لم يتم التحقق منها ، لأنها معروفة بالفعل لدى سعادتكم. يكفي لي أن حزب التوده كان منظمًا وموجهًا بشكل مدهش. وأن الأنشطة التي أظهرها القنصل الروسي وموظفيه خلال الأشهر الأربعة والنصف الماضية ، خير دليل على ان موسكو لم تكن بعيدة تمامًا عن تقدم هذه الحركة ونشاطها.

(إذا لزم الأمر يرجئ التواصل مع معالي سفير جلالة الملك في طهران، السير جون إتش لو روجيتيل ، والقنصل العام لجلالة الملك بالأحواز)

لأنهم في وضع أفضل لتوفير معلومات مفصلة عن أنشطتهم مما أنا عليه الآن ، ولكن كمرجع جاهز سأقدم قائمة بزياراتهم (السلك الدبلوماسي الروسي) إلى المحمرة وعبادان:

 في الثاي من مارس الماضي ، زار القنصل الروسي مدينة المحمرة.

في الرابع من أبريل زار القنصل الروسي مدينتي المحمرة وعبادان يرافقه اثنان من كبار الضباط الروس.

في 13 أبريل قام القنصل الروسي بزيارة مدينة المحمرة.

في الثاني من  مايو زار القنصل الروسي مدينة المحمرة.

في 17 مايو قام نائب القنصل الروسي واثنين من الروس الآخرين بزيارة المحمرة وعبادان. كما قاموا بزيارة جزيرة الحاج صلبوخ لدعوة المشايخ (العرب) ومنهم الشيخ طعيمة وسيد صالح المحمدي. لقد حاولوا حثهم على الانضمام لحزب التودة.

في الثالث من يونيو قام القنصل الروسي بزيارة مدينة المحمرة.

في السادس من  يونيو زار القنصل الروسي مدينة عبادان يرافقه نائب القنصل واثنين من الروس الآخرين والتقى بالحاكم العسكري.

في 27 يونيو ، قام نائب القنصل الروسي بزيارة مدينة المحمرة بالتزامن مع افتتاح مقر نادي حزب التوده في اليوم التالي.

في 17 يوليو زار القنصل الروسي مع اثنين آخرين من الروس مدينة المحمرة و للاستفسار عن الاضراب العام في عبادان.

3- في الحادي عشر من مارس بدأ حزب التوده بعقد اجتماعات عامة في المحمرة وأصبحت مثل هذه الاجتماعات شائعة جدًا خلال الأشهر الأخيرة في كل من المحمرة وعبادان. قامت شركة النفط الأنجلو-إيرانية ، في الأول من مايو ، بناء على طلب رئيس الوزراء ، بمنح العمال عطلة عامة. تم تنظيم تجمعات للتوده في المقر الرئيسي في ظلم آباد (قرب عبادان) بدأت نشاطاتها مع رفع العلم الوطني (الإيراني).

تم رفع يافطة كبيرة كتب عليها، “المجلس المتحد للعمال والكادحين”. الاجتماعات تم تنظيمها جيدًا وتم الحفاظ على نظام الأمن بواسطة اشخاص يطلق عليهم “مأمورين انتظامات” يرتدون شارات بيضاء على الذراع.

 في الخامس من مايو كان هناك إضراب في مصنع التقطير تعاطفا مع اضراب آخر في قسم آخر، وأصبح من الواضح ان حزب التوده ينوي توسيع رقعة الاضرابات العمالية حيث يستخدمها كسلاح لتحقيق أهدافه.

في الثامن من مايو وصل مدينة عبادان عدد من قيادات اللجنة المركزية لحزب التودة قادمة من طهران على رأسهم آقا ميرزا مهدي نجفي للوساطة بين شركة النفط والعمال المضربين عن العمل.

من الآن فصاعدًا ، ازدادت نبرة الخطب التحريضية والمناهضة للبريطانيين. وزاد الحزب قوة و بلغ عدد الأعضاء حوالي 6000 أو 7000 شخص ، وكان هناك ارتفاع في رفع الشكاوي من قبل  أعضاء الحزب وغيرهم إلى حزب التوده مباشرة والحزب بدأ يستخدم لهجة متشددة في مخاطبة رئيس الشرطة وحاكم عبادان والحاكم العام، كما كثرت الحوادث داخل مصفاة تكرير النفط وأماكن أخرى واعتقلوا الأجانب ونقلوا إلى مقر حزب التودة حيث ترددت هناك شعارات مثل ” تحيا روسيا” و”الموت لبريطانيا”.

في 20 مايو، عقد اجتماع لحوالي 5000 في عبادان وألقيت الخطابات التحريضية، ففي هذا الوقت أصبحت شركة النفط الأنجلو- الإيرانية،  قلقة بشكل متزايد، لذا تواصلت مع الحاكم العام في الأحواز لتوضيح الموقف. أبلغهم أنه لم يتلق أية تعليمات خاصة من رئيس الوزراء

4- بعد وقت قصير من وصولي في نهاية مايو ، استقبلت عددًا من الزيارات ومنها شيوخ عرب محليين ، وهما الحاج علي الفيصلي والشيخ عبد العزيز فاضلي من المحمرة، والحاج حسين من الشلهة، والشيخ زهراو من القصبة. ظاهريًا جاؤوا لرؤيتي في زيارة ودية ، ولكن في الواقع كانوا يحاولون إقناعي تقديم المشورة لهم حول تشكيل “اتحاد عربي ” سوف يربطهم معًا ويشكل ثقلًا موازنًا لـ حزب التوده الذي ينظرون إلى نشاطاته الخبيثة بالكثير من القلق.

انضمام عدد قليل من العرب تحت الضغط إلى حزب التوده، كان قد زاد من قلق الشيوخ العرب وانزعاجهم من الأساليب الدعائية والتغلغل التي كان يستخدمها هذا الحزب المنظم جيداً. أقدم الحزب على نشر مجموعات من الشباب اطلق عليهم اسم “بوليس” أو “حراس الشوارع” وكانوا يضعون شرائط خاصة حول الأذرع ويقومون بتفتيش الناس في الشوارع. كما كانوا يتحكمون في الباصات ويحددون عدد ركاب الباصات. ويصدرون الأوامر للخبازين من أجل ضبط سعر الخبز. كل هذه الأمور تجري ولم تتدخل الحكومة (الإيرانية). والانطباع العام السائد هنا كان يشير وبقوة إلى أن حزب التوده في طريقه لانتزاع السلطة من السلطات المحلية بشكل كامل ، معتبرين أن تشكيل الاتحاد العربي ، خطوة لتعزيز الثقة بالنفس ورفع المعنويات.

5-   النهج المعتاد هو أن في الماضي كان البريطانيون يساعدون العرب ويقدمون لهم المشورة والنصيحة ولذلك  العرب على استعداد لإطاعة أوامرنا في أي وقت. وإذاء لزم الأمر مستعدين للتضحية من أجل البريطانيين وهم رهن الإشارة.

 لقد واجهت مثل هذه المجاملات دائمًا بالقول أنني لم أكن في وضع يسمح لي بتقديم المشورة لهم في مثل هذه الأمور ، وأن عليهم أن يقرروا بأنفسهم. وان الشعب البريطاني ليس جاحداً ،فالبريطانيون يحترمون ويجلون أنفسهم والاصدقاء أينما كانوا حصلوا على دعمهم ومساعدتهم لكن أنا شخصاً أجنبيًا ، وليس لي سلطة على الإطلاق ولا صلاحية لإبداء الرأي في الشؤون الداخلية للبلاد التي تم اعتمادي فيها كممثل لحكومة جلالة الملك. وكانت النصيحة الوحيدة التي يمكنني تقديمها لهم هي ان عليهم ان لا يقدموا على فعل شيء يسبب الأذى والاحراج لحكومتهم ويدفعها لتغيير سياستها المعتدلة تجاههم وفي هذه المرحلة الحساسة.

6-  بعد عقد عدة اجتماعات قرر الشيوخ تشكيل اتحاد عربي وإبلاغ السلطات المحلية بهذا القرار. وكانت القيادة الإيرانية في المحمرة وعبادان مترددة ومنزعجة قليلاً من هذا القرار، فمن جانب يعتقدون ان الاتحاد العربي سيشكل كتلة قوية ونشطة في مقابل حزب التوده، لكنهم من جانب آخر، متخوفون من تبعات النشاط القومي العربي الذي يثير قلق الحكومة المركزية في طهران، وقد يكون مصدراً للكثير من القلق في المستقبل، لذلك اعلنوا انهم يوافقون على طلب تشكيل اتحاد العرب بشرط أن يطلقوا عليه اسم ” نقابة مزارعي خوزستان “. باعتبار ان هذه التسمية ستفتح الباب أمام الإيرانيون(الفرس) أيضًا ، وان التسمية لا تشير إلى توجه سياسي محدد. بدأ العرب في البداية مستعدين للموافقة على هذا الشرط ، ولكن بعد عدة اجتماعات قالوا أنهم يريدون الدفاع عن أنفسهم وليس عن المزارعين ولهذا اعترضوا على وجود كلمة “مزارعون” ، كما ان وجود هذه الكلمة سوف يفتح الطريق أمام الكثير من الأفراد غير المرغوب فيهم والمشاغبين للأنضمام إلى الاتحاد. وبعد مزيد من التداولات وافق السلطات بشكل متردد أن تكون التسمية الأصلية “اتحاد القبائل العربية”.

يتبع

تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

موقع ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: