البسيتين في ذاكرة المكان والزمان (4)- حامد الكناني

كانت البسيتين مدينةً تولد كل صباح من ضفتيها، كأنها حلمٌ استقرّ على الأرض وقرر أن يبقى. كانت جميلة إلى حدّ أن الناظر إليها يظنّها صدىً لمدينةٍ لم تُولد بعد، أو مدينةً منسية عادت لتُذكّر العالم بوجودها. كان نهر الكرخة يشقّها نصفين، لكنه لم يكن مجرد خطٍ يفصل؛ بل كان كائنًا حيًا، يرسم قلب المدينة بيده المائية، وينبض معها كلما تغيّر مزاج الفصول.

وكان النهر نفسه يحمل في طياته صراع حضارتين عربيتين: على الضفة الجنوبية، حدود الحضارة السومرية، وعلى الضفة الشمالية، شُيّدت الحضارة العيلامية، كأنّهما عالمان متجاوران، كلٌ يرفض الآخر. ولم تهدأ الضفتان، ولم يصطلحا، إلا في عهد الحضارة الميسانية، التي ضمّت الضفتين تحت سقفٍ واحد، كأنّها أمٌّ وسعت أولادها المختلفين في حضنٍ واحد.

وعندما يأتي الربيع، ويعلو منسوب الماء كأن النهر تذكّر فجأة قوته القديمة، كانت الكرخة تفيض عن صبرها، فتغمر الجانب الجنوبي الذي انخفضت أرضه واستسلمت تربته لنداء الماء. عندها كانت الأسر، وقد ورثت هذا الطقس جيلاً بعد جيل، تجمع مواشيها في صمتٍ مهيب، وتدفع بها نحو الشمال، حيث العزيب في المرتفعات الرملية التي تتوّجها جبل مشداخ، كأنه ملجأٌ أعدّته الطبيعة مسبقًا لأيام الغضب.

استمر في القراءة “البسيتين في ذاكرة المكان والزمان (4)- حامد الكناني”

موقع ويب تم إنشاؤه بواسطة ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑