
يُصادف الثامن عشر من أبريل من كل عام الاحتفاء بـ يوم التراث العالمي، وهو اليوم الذي أقرّه المجلس الدولي للمباني والمواقع الأثرية برعاية اليونسكو، بهدف رفع الوعي بأهمية التراث الإنساني وصونه، بما يشمل الآثار، والعمارة، والمواقع الطبيعية والحضرية ذات القيمة الاستثنائية. وفي هذه المناسبة، يبرز التراث كركيزة أساسية للهوية الثقافية للشعوب، ووسيلة لحفظ الذاكرة الجماعية ونقلها بين الأجيال.
غير أن هذا اليوم يحمل دلالة خاصة بالنسبة للعرب في الأحواز، حيث لا يقتصر التحدي على صون التراث فحسب، بل يمتد ليشمل معاناة تاريخية مرتبطة بالتهميش الثقافي واللغوي. فقد حُرم أبناء المنطقة، لفترات طويلة، من التعلم بلغتهم الأم، الأمر الذي انعكس سلباً على مسيرتهم التعليمية، وأدى إلى نسب مرتفعة من التعثر الدراسي، خصوصاً في المراحل الأساسية. وفي المقابل، أوجدت هذه السياسات فجوة تنافسية غير عادلة بينهم وبين الناطقين باللغة الفارسية، الذين استفادوا من كونها لغة التعليم والإدارة، مما عمّق الإحساس بعدم تكافؤ الفرص.
في هذا السياق، تبرز أهمية توثيق التراث الفني واللغوي كضرورة ملحّة، إذ تواجه هذه العملية تحديات جوهرية، من أبرزها غياب الآليات المؤسسية لتوثيق أعمال المبدعين، وضياع الكثير من النتاج الأدبي والفني، إضافة إلى ضعف التسجيل الرسمي للأطوار الغنائية والقوالب التراثية. كما لعبت السياسات اللغوية دوراً في إضعاف حضور اللغة العربية، ما دفع بعض الفنانين إلى تحويل الفن إلى وسيلة مقاومة ثقافية.
ومن أبرز هؤلاء الفنانين، يبرز اسم أحمد كنعاني، الذي استخدم المسرح الكوميدي كأداة للاعتراض الثقافي، حيث أصر على توظيف اللهجة العربية المحلية في أعماله، في مواجهة محاولات التهميش. ولم تقتصر مساهمته على الجانب اللغوي، بل عمد إلى دمج الموسيقى والأغاني التراثية ضمن عروضه، مما ساهم في حفظ الموروث الفني وتعزيزه في الوجدان الشعبي. كما عكس من خلال أعماله معاناة المجتمع في ظل فرض لغة غير اللغة الأم، مسلطاً الضوء على ما يسببه ذلك من سوء فهم وتوترات اجتماعية.
وفي المجال الأدبي، يحتل الشاعر طاهر الإسحاق القيّم مكانة بارزة كأحد أعمدة الشعر الشعبي، ولا سيما فن “الأبوذية”. ورغم هذه المكانة، فإن معظم إنتاجه الأدبي لم يُجمع في ديوان موثق، بل بقي متناثراً في مصادر محدودة، مما يجعله مثالاً واضحاً على أزمة ضياع التراث غير المؤرشف. وتكتسب “قصيدته الألفية” أهمية خاصة باعتبارها من أبرز ما وصلنا من أعماله، وتمثل مرجعاً مهماً للباحثين في التراث الأدبي الأحوازي.
ولا يقتصر التحدي على الأدب، بل يمتد إلى الفنون الموسيقية، حيث توجد أنماط غنائية مميزة مثل “ملحمة شيخة” و”الطور العلواني” و”المحمراوي” و”الرشداوي”، وهي أنماط تعبّر عن هوية ثقافية عميقة، لكنها لا تزال تفتقر إلى التوثيق الرسمي. وقد ارتبطت “ملحمة شيخة” بالفنان التراثي حسان اگزار الكناني، بينما يُنسب “الطور العلواني” إلى الفنان علوان الشويع، وكلاهما يمثلان نموذجاً لفنانين تركوا إرثاً مهماً دون أن يحظى بالتوثيق الكافي خلال حياتهم.
إن التزامن بين ذكرى هؤلاء الفنانين واليوم العالمي للغة الأم يعكس ترابطاً عميقاً بين اللغة والتراث، ويؤكد أن الفنون الشعبية كانت، وما زالت، إحدى أهم وسائل الحفاظ على الهوية اللغوية في مواجهة التحديات. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى إطلاق مشاريع توثيق منهجية تشمل تسجيل الأعمال الفنية، وأرشفة الإنتاج الأدبي، وتنظيم فعاليات ثقافية تُعيد الاعتبار للمبدعين المحليين.
في المحصلة، لا يقتصر إحياء يوم التراث العالمي على الاحتفاء الرمزي، بل يجب أن يكون منطلقاً لجهود عملية تهدف إلى حماية التراث غير المادي، وضمان استمراريته. فالحفاظ على هذا الإرث لا يعني فقط صون الماضي، بل هو استثمار في المستقبل، وضمان لبقاء الهوية الثقافية حية في وجدان الأجيال القادمة.
تشير المصادر إلى أن “القصيدة الألفية” للشاعر طاهر الإسحاق القيّم تحتل مكانة رفيعة للغاية في الفن والتراث العربي الأحوازي، إذ تُعد من أبرز الأعمال التي كرّست حضوره كأحد أعمدة شعر “الأبوذية” في المنطقة. ومع ذلك، فإن اللافت في هذه المصادر هو تركيزها على القيمة الرمزية والتاريخية للقصيدة أكثر من تناولها لمضامينها الأدبية أو موضوعاتها التفصيلية، وذلك في ظل غياب نصها الكامل وعدم توفر ديوان جامع لأعمال الشاعر.
وتبرز أهمية هذه القصيدة من كونها تمثل علامة فارقة في تراث الشاعر الذي انطلق من بيئته المحلية في قرية طرة الخذل، قبل أن يمتد تأثيره إلى مختلف مناطق الأحواز وحتى العراق. غير أن هذا الحضور الواسع يقابله تحدٍ كبير يتمثل في ضعف التوثيق وضياع جزء كبير من إنتاجه الأدبي، حيث لم يُعثر حتى الآن على ديوان متكامل يجمع أشعاره، واقتصر ما وصلنا على نصوص متناثرة وردت في بعض المؤلفات مثل “السطر الأول” و”تنفية الخاطر وسلوة المسافر” و”نسيم كارون”. وهذا ما يجعل “الألفية” أقرب إلى رمز تراثي مفقود يُبحث عنه بقدر ما يُحتفى به.
وفي سياق موازٍ، يبرز دور الفنان أحمد كنعاني الذي قدّم نموذجاً فريداً في توظيف الفن لخدمة الهوية الثقافية، حيث استخدم المسرح الكوميدي كأداة للنقد الاجتماعي والسياسي. وقد تجلّى ذلك بوضوح في تجسيده لمشكلة “سوء الفهم اللغوي”، إذ صوّر الشخصيات العربية وهي تحاول التواصل في بيئة تُفرض فيها لغة غير لغتها الأم، لتتحول الحوارات إلى حالات من الارتباك أو النزاع أو السخرية. ولم يكن هذا الطرح مجرد معالجة فنية، بل شكّل نوعاً من “الاحتجاج الخفي” ضد سياسات التهميش اللغوي، حيث أصرّ كنعاني على استخدام اللهجة العربية المحلية، ودمج الأغاني والمقامات التراثية في أعماله، مما ساهم في حفظ هذا الموروث في الذاكرة الشعبية.
أما على صعيد الفنون الغنائية، فيبرز كل من “الطور العلواني” و”صوت الشيخة” كنموذجين مهمين للأطوار الموسيقية المحلية في الأحواز. ويعود الفضل في ابتكار الطور العلواني إلى الفنان علوان الشويع، الذي يوصف عمله بأنه “الطور الخالد” لما حققه من حضور ممتد وتأثير عميق في الهوية الموسيقية، في حين يُنسب “صوت الشيخة” إلى الفنان حسان اگزار الكناني، ويُعد من الأنماط التي لا تزال بحاجة ماسة إلى التوثيق والتسجيل الرسمي لحمايتها من الاندثار. وعلى الرغم من اختلاف المبدعين والظروف التاريخية، فإن كلا الطورين يشتركان في كونهما نتاج إبداع فردي أسهم في تشكيل ملامح الفن المحلي، كما يواجهان التحدي ذاته المتمثل في غياب التوثيق المؤسسي.
وفي هذا الإطار، يكتسب اليوم العالمي للغة الأم أهمية خاصة، إذ يتحول من مجرد مناسبة رمزية إلى منصة فاعلة للدفاع عن التراث غير المادي. فهو يتيح فرصة لتكريم المبدعين الذين لم ينالوا حقهم من التوثيق، ويحفّز الجهود الرامية إلى تسجيل الأطوار الغنائية المحلية مثل “صوت الشيخة” و”المحمراوي” و”الرشداوي”، كما يعيد التأكيد على العلاقة الوثيقة بين اللغة والفن بوصفهما أداتين متلازمتين في حفظ الهوية. كذلك، يشكل هذا اليوم حافزاً لإطلاق مبادرات بحثية تهدف إلى استعادة الإرث المفقود، وفي مقدمته ديوان طاهر الإسحاق، بما يضمن نقل هذا التراث إلى الأجيال القادمة.
في المحصلة، تكشف هذه المعطيات عن معادلة معقدة يعيشها التراث العربي في الأحواز، حيث تتقاطع قيمة الإبداع مع تحديات التوثيق، ويصبح الحفاظ على الهوية الثقافية مرهوناً بمدى القدرة على تحويل هذا الإرث من ذاكرة شفوية مهددة إلى سجل موثق ومتاح.
تُظهر المعطيات أن مواجهة ظاهرة فقدان دواوين الشعراء في الأحواز تتطلب مقاربة عملية وشاملة، تتجاوز الجهود الفردية إلى بناء منظومة توثيق مستدامة. ويمكن تلخيص أبرز الخطوات المقترحة في عدة محاور مترابطة.
أولاً، تبرز الحاجة إلى تفعيل آليات الرصد والتوثيق المبكر، بحيث يتم التعرف على الشعراء والمبدعين وتسجيل أعمالهم وسيرهم الفنية خلال حياتهم، بدلاً من الانتظار حتى بعد رحيلهم، وهو ما أدى سابقاً إلى ضياع جزء كبير من نتاج رموز مهمة مثل طاهر الإسحاق القيّم. فالتوثيق المبكر يُعد خط الدفاع الأول ضد الفقدان.
ثانياً، ينبغي اعتماد منهج بحثي قائم على جمع الشتات الأدبي، من خلال تتبع القصائد والأبوذيات المتناثرة في الكتب والمخطوطات والمصادر الشفوية. ويمكن في هذا السياق الاستفادة من مؤلفات مثل “السطر الأول” و”تنفية الخاطر وسلوة المسافر” و” نسيم كارون”، باعتبارها خزائن جزئية تحفظ ما تبقى من هذا التراث.
ثالثاً، يُعدّ التسجيل الرسمي للتراث اللامادي خطوة محورية، إذ لا يقتصر دوره على حماية القوالب الفنية، بل يشمل أيضاً تثبيت النصوص المرتبطة بها ضمن إطار قانوني وثقافي. فتوثيق الأطوار الغنائية والمقامات يسهم بشكل غير مباشر في حفظ النصوص الشعرية التي تتداخل معها.
رابعاً، يمكن استثمار الأعمال الفنية المسجلة كوسيلة لاستعادة النصوص المفقودة، خاصة تلك التي دُمج فيها الشعر مع الأداء الفني، كما في مسرحيات أحمد كنعاني، حيث تحتوي هذه الأعمال على مواد لغوية وشعرية يمكن استخراجها وتحقيقها علمياً.
خامساً، من المهم ربط جهود التوثيق بالمناسبات الثقافية، مثل اليوم العالمي للغة الأم، واستثمارها لإطلاق حملات جمع التراث الشفهي من الرواة، أو من الأرشيفات العائلية، أو من المهتمين، بما يخلق زخماً مجتمعياً حول قضية الحفظ.
سادساً، لا غنى عن تشجيع البحث الأكاديمي المتخصص، من خلال دعم الدراسات النقدية والتحقيقات العلمية التي تهدف إلى إعادة بناء النصوص المفقودة، وتحليل ما تبقى منها، وربطها بسياقها التاريخي والثقافي.
في المحصلة، فإن مواجهة فقدان الدواوين ليست مهمة توثيقية فحسب، بل هي مشروع ثقافي متكامل، يتطلب تضافر الجهود بين الباحثين والمؤسسات والمجتمع، بهدف نقل التراث من حالة التشتت والضياع إلى حالة الحفظ المنهجي والاستدامة الثقافية.






























