
كانت مدينة البسيتين، مسقط رأسي، أكثر من مجرد نقطة على الخريطة؛ كانت عقدةً صغيرة تشدّ إليها عشرات القرى المبعثرة حولها، ولا سيّما تلك التي تتكئ على أكتاف الأهوار الجنوبية. مدينة حدودية لا تبعد سوى خمسة كيلومترات عن الحدود العراقية–الإيرانية، وقريبة من الأحواز، لكنها في الذاكرة كانت مركز عالمٍ كامل، عالمٍ له إيقاعه الخاص وحكمته الصامتة، حيث لا تُقاس الأشياء بحجمها، بل بما تتركه في الروح.
هناك، حيث تمتد الأهوار الواسعة التي وُصفت قديمًا بجنّة عدن، وحيث قامت أولى الحضارات السومرية، كانت الحياة الريفية تزدهر في أبسط صورها وأكثرها امتلاءً. الماء حاضر في كل شيء؛ في البيوت، في الطرقات، وحتى في نظرات الناس. الأسماك والطيور لا تُعد، والجاموس هو العمود الفقري للمعيشة، رفيق الإنسان وكنزه الأسود الذي يمنحه الحليب والدفء والمعنى. لم تكن البيوت تُبنى لتقاوم الزمن، بل لتنسجم معه؛ من القصب، ومن الطين، ومن كل ما تمنحه الأرض بلا تكلّف أو ادّعاء.
استمر في القراءة “البسيتين في ذاكرة المكان والزمان (8)- حامد الكناني”




































