
كان يوم السادس عشر من أكتوبر سنة ١٨٠٨ واحدًا من الأيام التي كشفت بصورة مفاجئة أن الصراع بين شيخ أبو شهر وحكومة شيراز قد بلغ نقطة اللاعودة. في مساء ذلك اليوم زار الشيخ المبعوث البريطاني، السير هارفورد جونز، وبرفقته عدد من أبرز رجال المدينة. كانت الزيارة في ظاهرها واحدة من الزيارات الرسمية المعتادة، لكن رجلًا دخل أثناء الاجتماع وهمس في أذن أحد الحاضرين. وفجأة تغير الجو. نهض الشيخ، ودّع المبعوث على عجل، ثم أسرع على ظهر جواده نحو المدينة. والسبب، كما علم البريطانيون بعد ذلك، أن حكومة شيراز أرسلت قوة للقبض عليه.
كان الشيخ يعرف أن اعتقاله لن يكون شأنًا شخصيًا. فهو رأس البيت الحاكم، وسقوطه يعني فتح الطريق أمام الحكومة القادمة من الداخل لتولي المدينة نفسها. ولهذا، بمجرد وصوله إلى أبو شهر، جمع قواته المحدودة، ووضع الحراس على الأسوار، وأخذ يراقب البوابات بنفسه. لكن هذه الاستعدادات لم تكن سوى دفاع أخير لكيان أدرك حاكمه أن ميزان القوة لم يعد في صالحه. والدليل على ذلك أن الشيخ كان قد اتخذ قبل وصول القوة احتياطًا آخر أكثر دلالة: حمل قسمًا كبيرًا من ممتلكاته على سفنه الخاصة، وكان مستعدًا للانسحاب بها نحو البصرة إذا سقطت المدينة أو أصبح بقاؤه مستحيلًا. يكشف هذا الاستعداد عن طبيعة المجال السياسي الخليجي الذي كانت أبو شهر جزءًا منه. فعندما يضيق البر بالحاكم العربي، يصبح البحر طريقه إلى البصرة، وليس مجرد طريق تجاري.
استمر في القراءة “أبوشهر العربية سنة ١٨٠٨: حصار السيادة العربية واعتقال شيخ أبو شهر وسقوط الإمارة-(2-3)/ بحث وتدوين: حامد الكناني”























