البسيتين في ذاكرة المكان والزمان (5)- حامد الكناني

على الرغم من الحكايات التي كانت تتناسل في البسيتين كما تتناسل الأساطير في ليالي الشتاء، وتفيض بغرابتها حتى يخيّل للسامع أنها وُلدت من خيالٍ محض، فإن المدينة في نهارها كانت شيئًا آخر تمامًا: كائنًا تجاريًا يقظًا، لا ينام إلا ليستجمع أنفاسه. كان سوقها قلبًا لا يعرف التوقّف، ينبض بإيقاعٍ ثابت، ويضخّ الحياة في ما يقارب اثنتين وخمسين قرية تحيط بها كما تحيط الكواكب بنجمٍ قديم. منه كانت القرى تتزوّد بالقوت، وبشيءٍ خفيّ من الأمل، لا يُباع ولا يُشترى، لكنه يُستشعر في العيون.

في الدكاكين وأمامها، كانت خيرات الأرض مصطفّة كما لو أنها جاءت طائعة إلى السوق: أسماكٌ ما تزال رطبة بذكريات الماء، وطيورٌ حرّة مهاجرة، تحمل في ريشها ذاكرةً جماعية دوّنتها المسافات البعيدة، واستعادت فيها محطّات رحلةٍ طويلة تمتدّ من الغرب إلى الشرق، قبل أن تقع فريسةً لشباك الصيادين. كانوا ينصبون شباكهم تحت وليمةٍ مجانية من الحبوب، خاتلين في «النوشة»، يراقبون السماء بعيونٍ صبورة، وينتظرون اللحظة التي تهبط فيها الطيور، ثم لحظة سحب الشباك، حيث ينقلب الطيران إلى صمت.

استمر في القراءة “البسيتين في ذاكرة المكان والزمان (5)- حامد الكناني”

موقع ويب تم إنشاؤه بواسطة ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑