
مجلة كل العرب Magazine koul-alarab
تقدمة:
التاريخ ليس في كل الأحوال، كما استقر في المدونات الرسمية، مرآةً صافية لما جرى، بل هو في كثير من الأحيان بناءٌ انتقائي، صاغته إرادات الغالبين، وحُجبت في ظلاله وقائعُ أُريد لها أن تُنسى، أو تُشوَّه، أو يُعاد ترتيبها بما يخدم سردية بعينها. وقد يخيّل للبعض أن ما نُسج في الخفاء من تدبيرٍ وتلفيق، وما صُنع من إرباك مقصود، أو غير مقصود ، قادرٌ على حجب الأبصار عن ممارساتٍ شابها الظلم، أو على إخماد صوت الذاكرة، ولو إلى حين!
لكن التاريخ – بوصفه حقلًا للصراع لا سجلًا محايدًا – يظل متأرجحًا بين ما رأته العين، وما دوّنته سلطة ما، وما أُريد له أن يُشاع . وحين تتراكم الملابسات، وتتعقّد المسارات، تتوارى الحقيقة خلف سرديات جاهزة ، تُكتب نهاياتها سلفًا، وتُوزَّع فيها الأدوار بين من خطّط، ومن صاغ، ومن روّج، ومن نفّذ، في محاولة لصناعة خاتمة مُحكَمة تُغلق باب السؤال أو تصعب الأمر على من يرومون البحث عن الحقائق بنزاهة موضوعية ، أو بسرد إبداعي بجسارة حكائية تخيلية .
غير أنّ الوقائع، مهما أُحيطت بالضباب، أو التلفيق أو الإرباك المتعمد أو غير المتعمد، لا تفقد قدرتها على الظهور . فمع الزمن ، قد يُتاح بالفكر أو الفن أن تنكشف خيوط ، في حضرة مستندات أو وثائقَ ، وتتواجه الروايات، ويتبيّن أن النهايات لا تُحسم بالصوت الأعلى ، ولا تُكتب بالإرادة المنفردة . إذ لا يُحفظ التاريخ الملفق، بل يسجّل الوقائع، ولا يسقط العدل بالتقادم، مهما طال تأجيله أو تأخر ظهوره.
من هذا المنعطف تحديدًا، تتقدّم رواية “ختم خزعل” بوصفها مرسلة سردية معرفية إبداعية، لا لتزاحم التاريخ الرسمي ، بل لتعيد مساءلته ! فحين يعجز الأرشيف المؤسسي عن قول الحقيقة كاملة ، تتكفّل الحكاية بما سُكِتَ عنه، عن عمد أو عن غير عمد ، وتنهض الذاكرة – الفردية والجمعية – لتكتب ما لم يُسمح بكتابته في وقت ما. وهنا لا تستهدف السرديات الروائية أشخاصًا بعينهم، ولا تصدر أحكامًا نهائية ، بل تكشف آليات الطمس، وتفكك خطاب الهيمنة، وتعيد الاعتبار للتجربة الإنسانية بوصفها مصدرًا للمعرفة التاريخية.
في هذا الأفق، تأتي رواية «ختم خزعل» للناصة د. هدى النعيمي، لا بوصفها رواية تاريخية تقليدية، بل باعتبارها سردية ذاكرة، ورواية أشبه بمكابح القطار التي تعمل تلقائيا عند الخطر.