
في الحلقات الماضية، تحدثنا عن مدينة البسيتين، تلك التي وُلدت من ضفاف الأهوار وتفرعات الكرخة، مدينة تمشي دائمًا بين زمنين: زمنٍ يضحك في الأعراس، وزمنٍ يتأمل في الحزن. كانت حفلات الزواج تحوّل الأزقة إلى مسارح مفتوحة للغناء والصخب، قبل أن يخفت كل شيء مع المساء، كأن الفرح نفسه يتعب ويأوي إلى فراشه.
عندها، تنشد النساء ترنيماتهن للأطفال، أصواتًا تشبه احتكاك الريح بأعواد القصب، وتجلس الجدات في العتبات يفتحن دفاتر الحكايات بعبارتهن الأثيرة: «كان يا ما كان»، ثم يمضين في السرد: «من ذاك هو السلطان، عنده سبع نسوان»، حتى يختمْنَها بضحكة خفيفة وعبارة مألوفة: «خليتهم واجيت». وهكذا تستعد المدينة للنوم، محتفظةً في صمتها بحكايات اليوم، وبما تخبئه لها الأيام القادمة.
استمر في القراءة “البسيتين في ذاكرة المكان والزمان (9)- حامد الكناني”