تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.
أنقضت طفولتی فی بيئتين مختلفتین من نواحی عدیدة حیث فی حقبتها الأولي أمضیت سنواتی الأُوَل فی أحدی قری الفلاحیة ذات النخیل الباسقة و الکثیفة بأنواعها الکثیرة ک( الگنطار) و( البریم )و( الخضراوی ) و ( الحلّاوی ) و( البرحی )و ( السعمران ) و ( الدیری ) و عشرات الأنواع الاخری من التمور و النخیل … تجری خلالها السواقی و تتخللها شجیرات أو بالأحری نبتات ( البامیة ) و ( البطیخ ) و… و کانت التمور و ( الدبس ) و ( المعسّل = التمر مع الدبس ) الطعام الأساسي لنا بالطبع
لازلت اذکر ذلک النهر الجمیل الذی یجری وسط القریة و یسکن علی ضفتیه أهلها یمتهنون الزراعة و الفلاحة یسقی الأراضي من مائه الوافر و یروی الناس و الأنعام و یصید السکان منه السمک خاصة ( البنّی ) و ( الشبّوط ) و ( البرزم = الگطّان )و ( الحمری ) و ( الخشنی أو البیاح ) .
فی الصباح الباکر یذهب البعض من أهل القریة للهور لیجلبوا القصب لحیاکة ( البواری = مفردها باریة ) و البردی للاستخدام فی حیاکة ( البوانی = مفردها بانیة ) و أنواع الأعشاب و الحشیش لإطعام الأبقار و أیضاً لیصید الطیور مثل ( النکوة انگوضه ) ، ( الشیجة ) ، ( الحذّافة ) ، ( البرهان ) ، ( البطة ) ، ( البربش ) ، ( اعودی ) ، ( الخضیری ) ، ( المرزل ) ، ( امسعجر ) و غیرها من الطیور .
کما یذهب البعض الآخر إلي الأراضي الزراعیة لریّها و عنایة المحاصیل فیها أو زراعة بعض ( أفراخ النخیل ) و تبقی بعض النساء فی البیوت لتصنع من سعف النخیل و لیفها و باقی أجزائها وسائل شتّی نستخدمها فی جمیع مرافق حیاتنا ومنها ( البلّة ) التی نفترشها ، ( الطبگ و السفرة ) الذی نأکل فیهما طعامنا ، ( الرطیلیة ) ، التی نحتفظ بالتمر فیها ( المهفّة ) التی نلوذ من حر الصیف الیها لأنها تعطی مفعولاً کالمروحة ، ( الفروند ) لصعود النخیل الشاهقات و ( الزبیل = الچنبیلة و السلال ) کأوانی لجمیع الأشیاء فهی صندوقنا التی نضع ملابسنا و طعامنا و الثمر التی نجلبه من الأراضی الزراعیة ، ( المخبازة ) و التی تُستخدَم فی الخبز و أشياء كثيرة أخری .
عندما یذهب والدی إلي المدینة عبر الشط و بواسطة البلم لبیع المحاصیل الزراعیة و شراء حوائج البیت کالزیت و الشای و السکّر و النفط الأبيض و أدوات زراعیة بسیطة ک( المنجل ) ، ( الشبل ) ، ( المسحی ) ، ( العکفه ) و … کما یفعل أهل القریة ، قدکنا ننتظره بفارق الصبر حتی یرجع لیجلب معه لنا (سوگیّة ) و هی عبارة عن حلویات ( کارملّا ، غربوج و …) أو مکسّرات ( باصورگ ، بذر الشمس و … ) شأننا شأن باقی أطفال القریة .
أنا و أخوتی و أصدقاءنا ک ( أجهیّد بن غضبان ) و ( یعگوب بن افتیّل )کنّا نلعب و نلهو بین النخلیل و علی ضفة النهر و ایضاً فی میاه الشط و من الألعاب التی کنا نلعبها و هی کثیرة بالطبع ، ( الچنة ) ، (أم احچیم )، ( ابرنجی )، ( گطفة اعصیّة ) ، ( غمّضة جیجو )، ( اچعاب ) ، ( الهویشة ) و … .
عندما یحلّ اللیل نلعب ( لعبة المحیبس ) أحيانا و الأغلب نجتمع حول ( بیبیتی بنّیة ) لتروی لنا القصص و الحکایات و السوالف و الحزورات لأننا ما کنا نمتلک التلفاز بل و لا توجد عندنا کهرباء ومن القصص التی کانت ترویها جدّتی ( أمتیف أمتیفان ) ، ( أم حسن البصری ) ، ( الحطّاب ) ، ( أم عامر ) و حکایات کثیرة أخری .
کنا نرتاد مدرسة مبنیة من الطین و سقفها من الچندل و فیها ثلاثة غرف ، الصف الأول و الثانی فی غرفة واحدة فی آن واحد و الصف الثالث و الرابع فی غرفة و الصف الخامس فی غرفة و عندما اندلعت الحرب العراقیة – الإيرانية درسنا لعام کامل فی الخیم لأن مدرستنا الطینیة قد سکنها مهاجروا الحرب .
المرحلة الثانیة بدأت فور انتقالنا أنا و عائلتی إلي مدینة الأهواز و سکنّا فی أحدی الحواشی و لأول مرة فی حیاتی رأیت التلفاز و الکهرباء و رسوم المتحرکة و أرتادیت مدرسة مبنیة من الطوب و سبحنا أنا و ( هَمَدون ) فی کارون العملاق و داعبنا بحنانه و أرهبنا غضبه و لعبنا علی شاطئه العابنا المعهودة و فی کثیر من المرّات کنا نرکب الجاموس عند عودتنا إلي البیت لأن رمال ( الخِلِی = الفاصل بین کارون و البیوت ) کانت حارة جداً و نحن کنا حفاة القدمین و تحرقنا الرمال و أحيانا نلعب لعبة ( الگرگطایة ) ، ( النجاة ) أو ( حبة جِلی ) علاوة علی ألعابنا المعروفة .
مرّت سنین و عقود و ذهبت تلک السنین بمرارتها و حلاوتها و بقت لنا ذکریات سعیدة و أخری مریرة و لکن أطفالنا الآن هل ستبقی لهم مثل هذه الذکریات هل سیروون لأطفالهم کما نروی نحن لهم عن ذکریاتنا و أحلامنا هل سیقولون لهم لعبنا تلک الألعاب أو سمعنا تلک القصص و الحکایات ، لا أظن ذلک .
المصدر مدونة بروال الأهواز
الموقع لا يتحمل أي مسؤولية عن المواد المنشورة ويتحمل الكّتاب كامل المسؤولية عن الكتابات التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكية أو حقوق الاخرين