
وضع جبهته على ركبتيه و كفيه على صدغيه ليمنع الاضواء من التسرب لحريمه الخاص كي يبرد باله و تستريح مشاعره و ربما تخضرّ أفكاره كي يستطيع أن يستوعب الكلمات التي كانت تصدر من هاتفه المحمول :
– صامدون هنا … صامدون هنا … قرب هذا الدمار العظيم و في يدنا يلمع الرعب [1]
كل خلية من جسده المبعثر كانت تثور نشاطا ً عند سماعها كلمة (صامدون) و تنزوي و تتبعثر عند سماعها كلمتي (الرعب) و (الدمار) . فربما الصمود لم يحمل له سوا الرعب و الدمار. فجائه صوتا ً ما و بدد خلسته التي كادت بأن تنتهي بالدمار في أحسن الأحوال :
– يمّا إنريد عيش
هزّ رأسه ثم قال:
– إشگد؟
– خمستالاف
– زين هسّه أروح
– يمّا … إبسع خاف الخباز إيغلگ
– رایح
قام و كأنه يحمل على كاهله أثقال أمته الكبيرة المختلفة في كل شئ و على كل شئ ، أمته التي لم تذكره يوما إلا ّ و هي على حد السيف . لبس دشداشته البيضاء و ألقى نظرتا ًفي المرآة ليرى معالم وجهه . أخذ المشط ليحكم النظام في عشوائية شعره ، لكن شيئا ما منعه . كأنه أراد أن يمثل بلاده في كل شئ ؛ حتى في عشوائيتها ز ترك المشط على جانب و أخذ ينظر إلى الساعة كي يتفهّم الوقت الذي كان يكتنفه . ميل الدقيقة كان يحتاج إلى عددٍ من الدقائق كي ينطبق على ميل الساعة في أكبر أعداد المجموعة الإثنى عشرية . خرج من البيت فوجد الإصفلت يتاوّه من شدة حرارة شمس الحويزة البرتقالية . كان بإمكانك أن ترى سكون الليل و صمت الظلام قبل أن يبلغ اليوم أشدّه . المكيّف كان المهيمن الصوتي الوحيد في شوارع الحويزة و أحيائها لو لا أسلاك الكهرباء المنهمكة التي كانت تنقطع بين الحين و الآخر. قبل أن يستسلم الزقاق لخطاه المسرعة سمع صوت أنين عجوزة قد بددت الستون بسهولة و ها قد تزحف نحو السبعون بكل قوّة ؛ هذا إذا ما جاء موعد مشيئة الله. كانت تحمل بيديها اكياسا كبيرتا ً كان بإمكانك أن تجد فيها كل شئ؛ من اللحوم حتى أنواع الخضار من الفواكه حتى ألعاب الصغار.
– ها أم عدنان …گواچ الله … ماتعبتي .. هم خليتي شي بالسوگ
و هي تنحني لتضع الأكياس الثقيلة على الأرض و تأخذ نفساً كي تستطيع أن تتكلم.
– چا شسوي خاله . . . البيت ايريد و إحنه إعيال . . . إشلون إمك
– الحمدلله ابخير . . . خليني أساعدچ
– لا خاله ما زاحمك إبهل الظهر الشمس تحرگ . . .
– كل زحمه ماکو أخذ كيسين منها و إنطلق بعزمٍ كعزم الشعب العربي للثورة و قوةٍ كقوة الحكام العرب على قمعها ، نحو بيت أبا عدنان الذي كان يقع على بعد زقاقين من الخباز.
وضع الأكياس أمام الباب و رجع بسرعه ليلحق على الخباز.
– ام عدنان . . . في امان الله
– خاله تعال إشربلك اگلاص ماي . . . إستكانت چاي
– لا . . . خاله . . . شكراً . . . ما عندي وكت كون الحگ عله الخباز
– نعم الله خاله . . . سلمني عله امك
و هو مبتعداً منها:
– الله ایسلمچ خاله
كان يسير صوب الخباز بسرعةٍ ربما كي لاتثنيه الشمس عن المسير.وصل إلى الخباز فوجد العمال يتهيئون لإغلاق الخباز فسئلهم:
– ما ضل عدكم عيش؟
فأجابه أحدهم :
– بس هذن الإثنين … إتريدهن؟!
– إنطيني إيـّاهن
أخذ الخبزتين و دفع ثمنها ثم رجع من حيث أتى . أخذ يمشي وسط الشارع و كأنّ الشارع من ممتلكاته الشخصية أو كأنه دابـّة الله الوحيدة على أرضه الواسعة ، غيرمباليا ً بالشمس التي كانت تبسط سلطانها في تلك الظهيرة التي لم يجرؤ فيها آدميـّا ً على الخروج إطلاقا ً عداه . لأنه كان يعيش طقوسا ً غير الطقوس التي كان فيها . لا أعرف !! ربّما كان يحاور أفكاره أو ربّما يحاربها ؛ فأنا لست متأكد و لكن ّ المؤكـّد لديّ أنه كان يعيش في أفكاره و هذا طبيعي ؛ فالإنسان يعيش في أفكاره ، كما أنا كما أنت . و هو خاضعا ً لأفكاره تماما ً وجد نفسه أمام باب بيتهم . فوقف هناك و طرق الباب بهدوء . بعد هنيهة فُتح الباب . فرآى إبنة أخيه – ياسمين – و هي تردد هذه الكلمات :
– صامدون هنـــا … صامدون هنـــا
إبتسم كمنتصر ٍ و جلس على ركبتيه و أخذها لصدره و أخذ يردد أيضا ً
– صامدون هنـــا … صامدون هنـــا
[1] أغنيه للفنان اللبناني الشهير مارسيل خليفة
المصدر مدونة فلاحيتي
تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.