خذ قلما و اكتب قصة/عباس الساكي

ليس الامر كما تدعيه الشعراء في ان الصعوبة في كتابة القصيدة هي تكمن اثناء نقطة الانطلاق و الشروع، ينسحب علي القصة القصيرة جداً، بل يتميزهذا النوع من القصة عن غيره من صنوف الادب بسهولة الانطلاقة و يسرها علي الكتابة و سرد المشاهد المؤثرة بانسيابية خلابة توسوس الكثير من الناس لكي يلجوا هذا المضمار و ليختبروا قدراتهم به…

. لكن الصعوبة القصوي تحدث حينما يريد القاص ان يلخص المشهد بقدر ما يكفل ايضاح المطلوب و هذه عملية تعرف لدي رواد القصة القصيرة جدا بالاقتضاب السردي او التقشف السردي او الاختزال اذ لابد ان يسقط الروائي العديد من الكلمات الزائدة من القصة التي هطلت من آفاق خياله الواسعة علي الورقة متأثرة بحرية التعبير المبعثر و اللغة المشوبة بالغث و السمين و الحشو والجمل الاعتراضية و غيرها فاما ان يبدل كل ما اسقط من القصة من الاطناببالايجاز و اما ان يكتفي بالباقي كشيفرات شديدة النصوع و الوضوح تجاهالصورة المتوخاة من اجل تنظيمها. و الغريب من امر الحكاية بصورة عامة انها كلما ازدادت رقعة سردها واكثرنا من الكلمات و التعابير و التصاوير كلما تضيّق الموضوع و صار شيئا واحدا تتعقبه هواجس الكاتب و لكن كلما اسقطنا منها ما يجب اسقاطه حتي بلوغ حيز القصة القصيرة جداً كان ذلك اكثر اطلاقاً و اتساعاً لخيال القارئ و حريته في الانسجام المعنوي مع المفاهيم المطروحة و بالتالي شمول القصة قدرا لا يمكن التنبؤ به من النتائج المترتبة عليها مما يفضي بالذات الإبداعية إلى مناخات وفضاءات غير محدودة. ليس أدل من ذلك ما قدمه ابراهيم شحبي في نص «ورقة اخيرة» حينما كتب: «عمريمضي مثقلاً بالزيف.. غارقاً في المجاملة غائراً في التهميش.. لم يعد فيهبقية لتغيير او تصحيح.. هناك فرصة واحدة باقية هي الموت.. ربما كانتوحدها.. وحدها الممكنة للتغيير «المجموعة القصصية لابراهيم شحبي ص 20». ففي هذه الاضمامة السردية الرائعة تعرفنا علي عمر و هو مثقل و غارق بالزيف و المجاملة و التهميش حتي بدي و كأن الامر خرج عن السيطرة لا حلله الا الموت و يتم مقاصده بالجملة الاخيرة فيكون ما يفهم من هذه القصةخصوصاً في الاخير منها هي امور:

1- ان الحياة اصبحت تنحو منحي الروتين الممل

2- الزيف يؤدي الي المجاملات و المجاملات بدورها تفضي الي التهميش وبالتالي هو اليأس و هو الخمول

3- الفساد الاخلاقي و السياسي و الاقتصادي العائمة في لججها المجتمعات اليومية

4- ربما يخطر ببالك حبيبي القارئ سطوعات اخري لا تلامس ذهني و هذه الميزة التي قطعنا لحد الآن مشوارها هي التي تفردت بها القصة القصيرة جداً ففي مجمل الكلام، ان الولوج في القصة القصيرة جدا امر سهل و لكن الخروج منها امر مستصعب يحتاج الي عوامل التدقيق و الخبرة و الخيال المرهف. و لعل تخوف البعض من خوض غمار هذا النوع من الفنون راجع الي هذا الامرالا اني قد استطيع ان احصي بعضا من علل تباطئ انتشار هذه القصة بينالادباء الاهوازيين و عدم انكفائم عليها حسب ما يلي:

-1 انعدام عُرَي العلاقة التي ينبغي ان توصل ذات الشاعر بخارجه كي ترجعاليه بالتجارب و آخر التطورات التي تجري في الوطن العربي او الايراني مماادي الي الانطواء علي الذات و الانقطاع الي الموروث البائد

-2 ان اديبنا للاسف (و قد تجرح هذه الكلمة البعض) ليس انسانا ذا عمق معرفي كاف و لم يكن مثابرا او حتي متابعا لما يجب ان يكون عليه الاديب،فهو مسطح الفكر و ضيق الرؤية الا النزر اليسير الذين لا تجاوزون عشرة الاصابع هذه قضية لابد ان نلتمس جذورها في جهات كثيرة منها و اهمها الحكومة ثم النظام و النسيج الاجتماعي الخاص

3-اعتياد الاهوازي علي القصة الطويلة او المقيدة بوثاق النتائج المحددة

4-بما ان خاصية القصة القصيرة جداً هي عبارة عن اقترابها من الشعرالمنثور و ترنحها بين الشعر و النثر بحكائية مطلقة قد تفاجئه بخاصيتها هذه، و لم يستطع مجاراتها و مزاولتها لكن علي الرغم من ذلك فان ثمة ضمانات نستشرف من خلالها الي بزوغ فجرالقصة القصيرة جداً في ربوعنا بوقت و ان كان متأخرا.

احدي اهم هذه الضمانات هي التشابه الشديد بينها و بين صنوف الشعرالمقتضبة حيث التعامل مع التاليف و القصر المفرط. و قد يعيب عليّ البعض هذا الاستدلال كما انتقد الدراسة السابقة احد فقالما علاقة الابوذية بالقصة متجاهلا مما يجري من المقارانات التي يجريها الادباء بين الشعر «الهايكو» الياباني وهو عبارة عن بيت واحد من الشعرمكتوب في ثلاثة أسطر يتضمن أفكارا عميقة أو أحاسيس عارمة و بين الـ(ق قج) فنحن اجدر بهذه المقارنة بين الابوذية او حتي الدارمي و بين هذهالقصة

لقد كتبت ( إليزابيث باوند ) في ( الانطباعات المتجمعة ) : ( ينبغي أنتتوافر في القصة القصيرة العاطفة المركزية ’ والتلقائية الذاتية الموجودةفي الشعر المنثور ’ كما وينبغي – أيضا – أن تمتاز بالتماسك والوضوح ’ إذأن التماسك والوضوح الشعري جوهريان لصياغتها حتى يمكننا القول أنها تقفعند حافة النثر) و تطرق الكثير من الكتاب ومنهم ( وليم فوكنر ) قائلا في مقابلة معه عام1956ومن دون شك ’ وبدرجة لا بأس بها من الجدية : ( عندما لا يجد منيكتب’ إن باستطاعته كتابة الشعر ’ فأنه يلجأ إلى كتابة القصة القصيرةالتي تعد شكلا متسلطا ’ ومثيرا بعد الشعر ’ وحين يفشل في الاثنين ’ عندذلك يرتمي في أحضان الرواية).

المصدر:موقع بروال الاهواز

رأي واحد حول “خذ قلما و اكتب قصة/عباس الساكي

اضافة لك

  1. لا شلت يداك اخي الفاضل على هذا العرض الجميل واتمنى ان اقرء لك اكثر في مجال النقد والعرض فاننا بحاجة ماسة لامثالك . وفقك الله .
    صباح الموسوي- الكويت

تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.

موقع ويب تم إنشاؤه بواسطة ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑