
الجزء الثاني- مكونات الهوية و أزمتها
محمود عبدالله
موقع احواز نيوز-إن الرأسمال العشائري و الديني كرموز و قيم و ما يبطن في الوجدان هو واقع عربي ملازم لحضارتنا العربية الإسلامية كل ذلك يعيش فينا كمجموعة بشرية أهوازية لا يمكن لنا أن نتجاوز و ننسلخ من هذا المد المتجذر في التاريخ و الثقافة إلا برؤية تجديدية وفق حاجة العصر في سبيل بناء هوية وطنية و مدنية للإنسان الأهوازي ،فالأولى تحفظ له وجوده الثقافي و الذاكرة التاريخية دون هيمنة الآخر . وأما الثانية توفر له كفرد كل ما أنتجه عصرنا من حقوق إنسانية دون أن يمنع شيء هذه الحقوق من استبداد سياسي و ايديولوجية متطرفة.
أمران نشير لهما هنا كمدخل إلى موضوعنا الأول نقول فيه – إن الهوية الوطنية صحيح بأنها هوية عصرية بامتياز و لكن تعاني كثير من الشعوب أزمة و تهديد “الأنا” و الخطر على الهوية من “الآخر”،رغم تفاوت و اختلاف التهديد من الآخر و الخطرمن بلد لآخر ،فأزمة الهوية الوطنية في الأردن مثلا تختلف عن الخطر الذي يواجه الهوية الوطنية الأمريكية حسب البرفسور الأمريكي المختص صموئل هنتنغتون صاحب نظرية صدام الحضارات.
فالنسبة إلى الأردن يقول جوزيف مسعد “إن تشكل الهوية الأردنية منذ بدايات تأسيس الكيان الأردني -إمارة شرق الأردن- في عشرينيات القرن الماضي كان وطيد الصلة بالوجود البريطاني الذي أسس الإمارة وساهم في صناعة هويتها وشكلها. وإن أهم آليات تكوين تلك الهوية تمثلت في المؤسستين العسكرية والقانونية اللتين شكلتا الإطار الوطني العام الذي بدأت تترعرع فيه الهوية الوليدة “. جوزيف مسعد- الأردن التأثيرات الاستعمارية وصناعة الهوية الوطنية الطبعة الأولى 2002 .
أما هنتنغتون ” يرى أن الإسلام هو أحد التحديات الأساسية التي أدت إلى تراجع شعور الأميركيين بهويتهم الوطنية خلال العقود الأخيرة، فإنه يرى أن العداء للإسلام والحضارة الإسلامية قد يساعد بشكل كبير في تحقيق التفاف الأميركيين المنشود حول هويتهم الوطنية في المستقبل المنظور” .من نحن؟ تحديات الهوية الوطنية الأميركية – صموئيل هنتنغتون الطبعة الأولى 2004 الولايات المتحدة – عرض وتعليق علاء بيومي.
أما الأمر الثاني وجدنا من المفيد أن نأتي بتعريف ينفع كتحديد أوّلي يقترب من معنى الهوية الأهوازية التي نرى أنها تعاني إشكالية و أزمة على صعيد الفكر اللغة و الواقع معاَ.
“ليست الهوية مجرد قيمة في ذاتها أو فيما تخلقه من شعور بالخصوصية، وإنما تنبع قيمتها مما يقدمه الإطار الذي تخلقه من فرص حقيقية للتقدم وتوسيع هامش المبادرة التاريخية للشعوب والجماعات التي تنطوي تحت شعارها. والهوية ‘هي مجموع السمات الروحية والفكرية والعاطفية الخاصة التي تميز مجتمعاً بعينه وطرائق الحياة ونظم القيم والتقاليد والمعتقدات وطرائق الإنتاج الاقتصادي والحقوق، وهي الوعي المتطور للفكر الإنساني والإنجاز الرائع.
الهوية تتشكل ضمن ‘الأنا’ و’الآخر، لذا عرفها بعض الباحثين باعتبارها تميُّزاً وانفراداً عن الآخر؛ الآخر الضد (العدو)، والآخر ضمن التعددية الثقافية والاجتماعية والسياسية.
ينقسم تطور الهوية لدى أبناء الأقليات إلى ثلاثة مراحل :
المرحلة الأولى: مرحلة الهوية الإثنية غير المفحوصة Unexamined identity حيث يتقبل أبناء الأقليات بشكل أولي قيم ومواقف وثقافة الأغلبية بما في ذلك النظرة السلبية نحو جماعتهم وهي نظرية الأغلبية. المرحلة الثانية: مرحلة التحري وفيها يستكشف ابن الأقلية الإحساس بهويته الإثنية وتأتي بعد نقطة انعطاف أو حدث ذي أهمية.
المرحلة الثالثة: مرحلة إنجاز الهوية الإثنية، يظهر إحساسا ووعيا واضحين وواثقين بهويته الإثنية.
الهوية تمرّ في أربع لحظات للتكوين، واللحظات هي:
اللحظة الأولى هي الكولونيالية حين تؤسس الإدارة الاستعمارية شكلاً من أشكال الكيانات السياسية البيروقراطية في البلد المستعمر، وتعرف الأفراد بحسب وجودهم وانتمائهم إلى ذلك الكيان. مع هذا التأسيس تصبح هناك قوانين وجيش وقضاء وتصنيفات إدارية تحكم الأفراد وتدخلهم إلى مرحلة جديدة لا علاقة لها بما كان سائداً قبل بداية اللحظة الكولونيالية.
اللحظة الثالثة وهي لحظة توسع وانكماش الأمة/الشعب. وقد يكون التوسع أو الانكماش هنا جغرافياً أو ديمغرافيًا. فعن طريق ضم أراض جديدة أو مجموعات سكانية إضافية، أو عن طريق انفصال أجزاء من الأمة -أرضاً وسكاناً- عن الوطن الأم، فإن لحظة التوسع والانكماش تؤثر في صميم تشكل وتبدل الهوية الوطنية للكيان السياسي المعني وسكانه.
اللحظة الرابعة تكمن في الانفجار الداخلي الذي قد يأخذ شكل الحرب الأهلية، أو الثورة أو النزاعات الطائفية أو العرقية التي تريد أن تعيد تعريف الهوية الوطنية.
المصدر: محمد محمود البشتاوي معالجة نظرية لإشكالية الهوية الوطنية الفلسطنية أجراس العودة 2008.
1- تعريف أزمة الهوية الأهوازية وأسبابها
لنشرح أولاً تعريفنا لأزمة الهوية عندنا و بعدها الأسباب وفق تاريخها. فنقول إن الأزمة هي إصابة ثقافة مجموعة بشرية بعينها بحالة من التدهور والتوقف لفترة تاريخية تطول أو تقصر و لأسباب عديدة يمكن أن تكون ذاتية يشارك أهل الثقافة فيها دون وعي منهم أو تكون الأسباب خارجية تفرض على أهل الثقافة و تنال مجمل حياة الإنسان ،وهذا ما حصل بالنسبة لهويتنا الأهوازية في التاريخ الحديث و المعاصر ،فالتدهور لا يمكن لنا حصره في جانباً محدداً ،حيث إن الأزمة إصابة أسس حياة الإنسان الأهوازي ما بين وطنية ومدنية مع سياسية وتاريخية و فكرية لنقول عنها إنها إجمالاً أزمة وعي ثقافي.بالمعنى الواسع و المفهوم الاصطلاحي للثقافة.
أما أسباب الأزمة نحصرها إجمالا في عاملين أساسين العامل الأول: ذاتي ناتج من أزمة وعي شهدتها لها ثقافتنا على صعيد (النخبة من سياسيين و مثقفين ؟) و أعني تحديداً عدم ظهور نخبة وطنية أهوازية واعية تعُرف وتحدد بشكل واضح (خطاب- تدوين ضمن مرجعية التراث – الحداثة) كل من المشاكل الثقافية والمجتمعية والسياسية بين الأهوازيين،وأن كل ثقافة لا تؤسس فيها نهضة فكرية تعالج و تعطي تعاريف مواضيعها تعيش تلك الثقافة أزمة مستمرة ليس فقط على صعيد الواقع الممارسة الاجتماعية اليومية في حياة الفرد ،بل كذلك على صعيد الوعي الفكري بالذات ، و نرى أن هذا الأخير هو الأخطر.
وعندنا ستة قضايا أساسية لم ينلها الاهتمام والتعريف بجدية و موضوعية ، أي لم يتم التأسيس لها ضمن خطاب و مرجعية وهي تعتبر أزمة أسس عندنا بشكل عام ،وهذه القضايا إجمالاً هي:
أولاً-أزمة الهوية الأهوازية- ثانياً : القبيلة و الوعي الديني،ثالثاً- موضوع التاريخ الحديث،رابعاً- المجال السياسي، خامساً الدولة الإيرانية، سادساً- أطروحة التجديد للمستقبل على أساس نقد التخلف بمختلف مرجعياته و القطعية معه.
و وفقاً لهذا السبب نرى أن الجهل هو السائد وراء عدم تأسيس مشروع فكري نهضوي تجديدي وطني يدخل فيه المنتج الفكري الثقافي و الأداة السياسية الفاعلة لمواجهة المشروع الإيراني المتمثل بالغزو المنظم لثقافتنا و حياتنا إجمالاَ.
أما العامل الثاني: يتمثل في الغزو الثقافي من جانب الدولة الإيرانية و ما حمل معه من تداعيات التدهور و التوقف في مختلف مناحي الحياة و المجتمع ،بمعني ثاني إن الغزو هو تعرض الإنتاج الثقافي الموروث لهجوم من طرف أخرو توقف الإنتاج وعرقلة التجديد ،وهذا الأخير تاريخيا هو الأكثر حدوثاَ و إذا تركنا ما حمل من نتائج في عالمنا و أتينا بتحديد نموذجاً حياً لها على صعيد الخطاب و الواقع ،فإن الثقافة الأهوازية تمثل نموذجاً يدل على خطر الغزو الثقافي الخارجي الذي لا يكتفي فقط باستعمال القوة في بقاء البلاد و بإخضاعها سياسياَ،بل إنه يمارس ضد أهلهّا ما يصطلح عليه حديثاَ “الغزو الثقافي” تدمير آثار و تحريف تاريخ ثقافة أهل البلد و افقار أبناء المجتمع ومنع التنمية المجتمعية و تفشيء الأمية . إن هذا الأخير يؤدي إلى مقصدا واحداً وهو تغيير الهوية ومسح معالم الثقافة الوطنية ومحاولة تنصيب ثقافة المهاجم المحتل بديلاُ عنها في البلاد.
هذان عاملان يقفان بشكل مباشر وراء ما نحن عليه من أزمة وعي ثقافي وأزمة هوية فما هي هذه الهوية ؟ نأتي إليها وإلى مكوناتها تحديداً.
2- تعريف مقومات الهوية
نبدأ بعناصر الهوية،والهوية وفق التعريف فيها تكونها عدة عناصر،العنصر الأول: ما تمثله الذاكرة الجماعيّة عند مجموعة بشرية معينة،وهي الذاكرة التي تحفظ الإنتاج الثقافي لتلك الجماعة على مر العصور،وهذا الإنتاج الشفوي الذي يسود ويستمر تاريخياً، هو من يعطي للجماعة البشرية هويتها وخصوصيتها وتعرّف من خلاله عند ما تحافظ عليه و تطوره تلك المجموعة البشرية .
إن الحفاظ يكون من خلال أولاً: التدوين، الثاني: تطور النظام الاجتماعي والسياسي. إن المجموعة البشرية أن كانت تشكل أمة أو شعبا يدافع عن هذا الإنتاج ويتمسك فيه كتراث مشترك وهوية تدل عليها. إن كل الشعوب الحية تاريخياً دافعت وحافظت في آن معاً على إنتاجها الثقافي المشترك.
العنصر الثاني:هو عنصر اللغة رغم أن الهوية تبدأ من الفرد وتدل عليه وعلى ذاته وتشخصه عن غيره وترمز إليه وتحدده مقابل الطبيعة ككائن حي يتماثل بمحيطه والبيئة التي ينشأ فيها،لكن كل هذه الدلالات تكون ناقصة ولا تميز الإنسان عن الطبيعة و الجماد و لا تشكل منه كائن ثقافي إلا بحضور وعيه الثقافي،والوعي الثقافي يبرز من خلال أهم مُكون وهو مُكون تمثله اللغة كأداة تعريف وإنتاج،ووسيلة إجماع بين البشر،وأداة تفاهم وتعبير عن ما يرغب إليه الإنسان.
واللغة هي الوسيلة الأولى التي تبرز و تظهر معالم الإنتاج الثقافي،ولكن الهوية التي تأخذ مسمى أكبر وأوسع مثال “الهوية الوطنية” تخرج من العام و تدخل إلى الخاص أي تأخذ خصوصيتها و محدوديتها، و نعني الخصوصية و المحدودية أنها ترمز إلى مجموعة بشرية خاصة دون غيرها ، وهاتين الأخيرتين وفق الضرورة تفقد أحد عناصرها في سبيل الأصل مثال “القبلية”،وعليها القبلية أن تفقد مُكوّنها الأساس العصبية في سبيل الوطنية أو”الهوية المدنية”.
وبالتالي لا نرى أن هناك حاجة إلى القبلية ،والهوية عند الشعوب أو الأمم يشكلها بالنهاية الوعي الثقافي والإنتاج الجماعي معاَ،وأن هذا الإنتاج هو ما يجب التركيز عليه كتراث مشترك قابل للتغيير و التجديد و أن يكون التجديد من داخله ، أي الانفصال عنه والاتصال معه وفق الحاجة.
إن الإنتاج الثقافي المشترك عند بعض الشعوب كثيرا ما أصابه التدهور ولعدة أسباب مختلفة ،فالتاريخ الحديث و المعاصر في أقل تقدير ملئ بشواهد تدل على التدهور ولا نرى حاجة هنا لنأتي بها،بل إن هذه الشواهد نأتي بها من موضوعنا الخاص أي الأسباب التي تقف وراء نشوء الأزمة عندنا،
وفي هذه الحالة ليس أمامنا سوى طريق واحداً للدفاع عن الهوية والحفاظ عليها وأن هذا الطريق هو مواجهة الهجوم والغزو الثقافي وأقول إن التخفيف من أزمة الهوية والحدة من نتائجها يتمثل في النهوض فيها، وأن النهوض يبدأ بمكافحة الهجوم من خلال بناء مشروع ثقافي وبأداة سياسية.
و الشعوب التي قد تعرضت لهجوم وعانت كذلك من أزمة هوية سارت على مسارين أثنين أولاً : شكلت مشروع ثقافي وطني للحفاظ على هويتها وإنتاجها الجماعي رغم وجود الموانع و العراقيل ، ثانياَ: أنتجت أداة سياسية فاعلة تتجه نحو بلوغ المقاصد .إن بناء المشروع الثقافي والأداة السياسية الفاعلة هما من المقومين الذين يقفان في مواجهة و تخفيف أزمة الهوية في مرحلة ما قبل بناء الكيان السياسي الوطني المستقل.
وهذان المقومان الأساسيان وليس شيء أخر( المشروع الثقافي وأداة السياسة) هما ما استندت عليه أطروحة تشكيل الدولة / الأمة في العصر الحديث خلال القرنين الماضين في أوروبا رغم اختلاف الوضع هناك في أوروبا حيث إنها لم تعاني من أزمة فرضت عليها من الخارج ،بل إنها كانت تكافح وضعها الداخلي أو الموروث و مارست معه عملية الانفصال و الاتصال وفق الحاجة و الضرورة فالدولة هناك تزامن ظهورها مع بلورة مفهوم الأمة أدق أو “القومية” كما هو رائج عندنا.
وهذا الإنتاج الثقافي و الجماعي للمجموعة البشرية لم يكن هناك فصل بينه و بين الدولة ،بل إنه الاثنان معاَ الدولة/ الأمة شكلا هوية خاصة تتميز فيها الشعوب و الدول بعضها عن بعض ،ومن خلال مجالين الأول: المجال السياسي الجغرافي بوضع نقاط حدود واضحة للدولة تفصلها جغرافياَ عن الدول المجاورة و تعطيها سيادة على أراضيها وهوية خاصة فيها سياسياَ وفق نظام الحكم في الدولة كالدولة الفرنسية أو الدولة التركية .
الثاني: المجال الثقافي في الوضع الداخلي الأمة بمفهومها تعيش وفق إنتاجها الثقافي من خلال تطوير نظامها الاجتماعي الواحد وفق نظام القانون والسيادة الذي يتم الحفاظ عليهما و يكون الحارس لهما هو النظام الديمقراطي في إدارة شؤون البلاد من خلال المؤسسات.
إن أزمة الهوية و التجربة وضعهما يكون مختلفا من شعب لأخر حسب وضع هذا الأخير، وحول عناصر الهوية الأهوازية نحتاج هنا من بين ما يجب تحديده أن نحدد نقطتين أثنين – النقطة الأولى: اذا نظرنا للهوية الأهوازية من ناحية التكوين هما كل من “العرق” و”اللغة” و “الدين” الرابطة المشتركة التاريخية بإضافة التاريخ و الجغرافية هما شبه منسجمين عربيان بامتياز،وهذا القول يستند إلى عدم وجود ( تعدد عرقي و لغوي) إضافة إلى كل من العاملين ( الجغرافي و التاريخي) مع الفكر الديني الشيعي ،وهذه العوامل الرئيسية يمكن أن تكون من بين العناصر التي تحدد هوية الأهوازيين أيضاً، فيما يخص ما موجود عندنا في الثقافة والمجتمع الأهوازيين نقول عنه: هو تعدد على صعيد الوعي فقط وليس تعدد لغوي أو عرقي،و يمكن التصنيف لهذا الوعي في ثلاث مكونات :
المكون الأول: الوعي الديني وهو يعد مصدر معرفة وهنا كي لا يحصل خلط أقول المعرفة الدينية لأنه ليس فيها نظر كما يقول العرب ،بل النظر يكون بشأن هذه المعرفة الدينية هل هي خاطئة أو غير عقلانية مقابل العقلانية الدينية، المكون الثاني: الوعي القبلي والعشائري،وهو يتمثل في عنصرين عنصر التعالي بالذات و الانطواء فيها ، والعنصر الأخر هو التفاخر بالنسب.
والاثنان معا التعالي بالذات و التفاخر بالنسب هما ليس مصدران للمعرفة لكن عصبية القبلية مع الوعي الديني شكلا معاً في تاريخ العرب المسلمين ثقافة وقيم مشتركة قبل أن يدخل على الثقافة الحديثة مفهوم الوطنية والمدنية.
المكون الثالث: الوعي الوطني وهو الانتماء لجماعة بشرية كبيرة وفق نتاج قيم مشتركة للمجموعة الكبيرة في جغرافية محدده و تاريخ متواصل وهذه المكونات المترابطة هي ما تشكل الوعي الوطني و كذلك الهوية الوطنية و هذا الوعي لم ننتظم فيه أو لم نفهمه بشكل يدل على درجة من النضوج ولم يشكل مخيال جماعي و هو حتى على الصعيد الفردي لا يزال ضعيفاً- وقد حددنا أسباب هذا الأمر في الفقرة الأولى أسباب أزمة الهوية.
المكون الرابع: الوعي المدني أو المواطنة هو وعي غير موجود في الموروث ولا لغتنا العربية ، وهو ينتمي إلى المنظومة الفكرية الأوروبية صحيح أنه أنتقل من أوروبا إلى الثقافات الأخرى لكن لم يأخذ مكانة بعد حسب ظروف كل ثقافة،وبما أن الوعي المدني هو مرتبط و ملازم للتجديد نقول عنه أصلاً هو ما لم نشهده ويظل ضمن المطروح للبحث فقط .
وقبل أن نأخذ نتيجة عامة بشأن الهوية هنالك قضايا اخرى ترتبط أيضاً بالهوية الأهوازية أو يجب البحث عنها و عدم السكوت عنها،بل من الأفضل التطرق لها،وهذه القضايا نشرحها في النقطة الثانية .
أما النقطة الثانية: تخص علاقة الهوية الأهوازية بالتاريخ القديم للأهواز نقول في هذا الجانب الهوية الأهوازية قياساً مع باقي الشعوب الأخرى هي هوية ثابتة نسبيا على مستوى العرق والثقافة أي عربية خالصة كما أكدنا، و ذلك لأسباب منها أن الأهواز لم يتعرض إلى هجرة عدد كبير من أفراد سائر الأقوام الأخرى إليه حتى يحصل تغييراَ كبيراً في عناصر مكونات الهوية وما يشكل ذلك من تعدد لغوي وثقافي سوى هجرة الإيرانيين خلال فترة مئة عام الماضية،وهي هجرة حصلت بشكل مباشر،وهذه الهجرة في الوضع الأهوازي لها وضعها الخاص، وهذا الوضع يتمثل في أن الإيرانيين المهاجرين مرتبطون بشعبهم الفارسي عرقاَ وثقافة مع كيان سياسي واضح هو الدولة الإيرانية،ويمكن أن يطلق عليهم أقلية عرقية وفق مفهوم تعريف الأقلية أي ليس هم من السكان الأصلين،وما يؤكد أنها هجرة نحو الثقافة الأصلية الأهوازية هو عامل التصادم بين الثقافتين من جانب و الجانب الأخر عدم تأثر الثقافة الأهوازية بثقافة المهاجرين الإيرانيين حيث إن هذه الهجرة و بدعم الدولة فقط أنتجت أزمة و ليس شيء أخر و حتى هذه الأزمة أزمة الهوية في النهاية لم يؤدي إلى تعدد ثقافي أي لم يحصل انقسام داخلي في مجتمعنا العربي الأهوازي إلى ثقافتين ولم تظهر بين الأهوازيين طبقة معروفة و كبيرة تنتظم في الثقافة الفارسية يمكن الإشارة لها أو الاستدلال فيها.
وحتى اذا أخذنا نسبة أعلى من التأثير الثقافي الفارسي على الثقافة الأهوازية فانه لم يصل لدرجة أو أن يكون في حجم يشكل تعدد ثقافي،وهذا التأثير موجود و لا ننكر وجودوه لكن نسبته تتفاوت حيث إن التعليم لدى الأهوازيين هو الأعلى، فيما تقابله التقاليد هي الأدنى تأثراً في الثقافة الفارسية،كما يعد أهل القرى والأرياف أدنى مستوى من ناحية التأثر مقابل أهل المدن،وكذلك الجيل الأول والثاني هو الأدنى تأثر بالثقافة الفارسية من الجيل الأخير كأعلى نسبة رغم أن السنوات العشر الأخيرة قد شهدت عملا متواصلا من جانب الدولة الإيرانية لتغيير التركيبة السكانية وذلك بقصد إنشاء و ايجاد خلل في مجالين مهمين الأول:الهجرة والسكن المكثفين في مختلف المناطق العربية والمجال الثاني :ما رافق ذلك من طرح وبناء مشاريع اقتصادية على الأراضي العربية وتعتبر هذه الأخيرة أخر معقل في يد السكان الأصلين أو أصح الأهوازيين ، وهو المعقل أو الحصن الذي يميزهم عن المهاجرين كأقلية و يتم الاستيلاء على الأراضي تحت مسمى مشاريع وطنية ،وحتى هذه الأمور و ما حملت معها من مضاعفات و مشاكل للإنسان الأهوازي لكنها لم تؤدي إلى تغير الثقافة العربية الثابتة.
أما بالنسبة للتاريخ القديم للمنطقة يمكن أن يقسم إلى مرحلتين،القديم وهو ما قبل الميلاد فان الأقوام التي كانت تسكن هذه المنطقة وعددها نحو( 11- قوم ) ليس في الحاضر منهم أثر ثقافي حي بشكل واضح يشكل هوية أو عرق واضحين، حيث إن تلك الأقوام كل ما تبقى منها أثار مادية حتى في ما يخص عيلام ليس هنالك توافق على أصل ولغة هؤلاء القوم أي لا توجد دراسة نستطيع أن نستند فيها في تحديد هذا الأمر. والعرب الأهوازيون اليوم لا يرتبطون مع عيلام على صعيد العرق والثقافة،وكذلك نفس الأمر ما يتعلق بشأن اللغة الخوزية أو قوم خوز؟
أما بالنسبة لتاريخ ما بعد الميلاد والإسلام هناك سكان دسبول وتستروهم من ناحية العرق ليس فرس لكنهم اندمجوا بالثقافة الفارسية،كالبختياريين الألوار وفق النطق العربي، أوالوار وفق النطق الفارسي هم عرقاَ ينتسبون إلى الكرد كما تؤكد معظم المصادر إلى هذا.
وبالتالي نستخلص نتيجة من هذه التصنيفات والتحديدات و هي أنه عندنا ثلاثة عناصر تشكل الهوية الأهوازية كما هي من عرق و لغة و معرفة دينية وهي تدل على الهوية العربية الإسلامية للأهوازيين .
وهذه العناصر حسب الترتيب هي أولاً: القبلية ، ثانياُ: الفكر الديني الشيعي ، ثالثاً :مفهوم حديث هو”الوطنية” ،و هذه الأخيرة لم ينالها البحث بعد بجدية رغم أنها تشكل أساس الحاضر والمستقبل و أنها مصابة بالأزمة كما هي الهوية المدنية على غير حال ما يخص كل من الهوية القبلية و الدينية .
1- الهوية القبلية في الأهواز:
القبيلة في الاهواز لها كيان خاص له مقوماته وتجذره على صعيد الوعي والجغرافية حيث إن الأهوازيين جميعا منقسمين بين قبائل وعشائر وهوية الفرد الأهوازي بالدرجة الأولى قبلية ،حيث إن التعارف بين الأهوازيين يُستمد من ذلك السؤال القبلي المعروف (أنت من أي عمّام- أومن أي عشيرة أو جغرافياَ من أي شط أنت) وهذا موروث على صعيد الوعي منذ أقدم العصور بين العرب ، وحتى عندما جاء الإسلام وتغير الولاء عند العرب باتجاه العقيدة أو الأمة الإسلامية والعقيدة وفق الشهادتين و المسلم يأخذ هويته الفكرية وفقاً لها ،أستمر إلى جانب العقيدة الإسلامية بطابعها الروحي مفعول القبلية خصوصاَ عندما تم انزال القبائل الكبرى العربية العدنانية واليمانية في جغرافية كل من العراق حيث إنها قد هيمنت فيه كل من ربيعة و تميم و بعض قبائل اليمن،وفي الشام هيمنت القبائل اليمنية القيسية ،وحصل ذلك التقسيم أثناء الحروب الإسلامية الأولى وأخذ مفعوله في الحروب الداخلية أو الأهلية بين الأباء و بعد ذلك بين الأبناء من العرب المسلمين،أما على صعيد الانقسام الجغرافي في الأهواز ربما الانقسام الجغرافي القبلي تشكل في وقت متأخر نسبياَ ولا يعود إلى القرون الأولى للإسلام و هذا الانقسام يتكون من أربع مناطق قبلية معروفة هي :
المحيسن في المحمرة و عبادان، كعب في الفلاحية وأطرافها، الباوية في الأهوازية ،و بني طرف كذلك لها موقع جغرافي خاص فيها مع عشائر و بويتات أخرى تعرف فيها جغرافياَ وعندما لا يكون قد تبلور وعي و هوية وطنية تكون القبيلة مع العقيدة الدينية أو الفكر الديني، والاثنان يكونان الهوية القبيلة والفكر الديني .
2- الفكر الديني في الأهواز:
والفكر الديني أيضاً له كيان و مقومات خاصة به وإذا حددنا الوعي الديني على سبيل المثال و الشرح في المجتمع الأهوازي فان مصدره المرجعية الشيعية بمفهومها الواسع و تنشر الوعي مؤسسة واسعة و متصلة على صعيد اللغة و المكان ،فعلى صعيد اللغة تتمثل في الملا والخطيب الديني وعلى صعيد المكان في المنبرين المهمين لهما الحسينية والمسجد.
و أما حول ما يتم بثه من وعي فإنه يتمحور حول أصل تعاليم “الإمامة الشيعية”، وهي كما يؤكد الخطاب الشيعي تعاليم سماوية و ليست ثقافة أرضية و انتاج بشري حتى أستطاع الخطاب الشيعي في السياق التاريخي أن يختزل الإسلام في كربلاء على صعيد المكان والجغرافية أي كربلا تحديداً و ليس مكة و المدينة. وأما فهم الإسلام بالمفهوم الواسع يأتي فهمه و تعريفه من جانب واحد بعد ما تم تقسيم الإسلام بين صنفين الأئمة وفهم الشيعية يأتي من جانب هؤلاء الأئمة فقط و غيرهم لا يعد بهم حتى أصحاب الرسول وإما السبب تفضيل الأئمة عليهم و ذلك التفضيل للأئمة عائد إلى تكوينهم الإلهي قبل الوجود حسب المعتقد الشيعي ،وبالتالي وفق هذا يكون وجودهم الهي وأن الحكم لهم بالخلافة و الولاية فيهم دون غيرهم بنص الهي مقابل أعداهم وقد تحدد أو أقول توقف فهم و وعي العوام الثقافة الشعبية من الأهوازيين عن الإسلام و التاريخ و لمدة 70عام على هذا الوعي عندما احتكرت المؤسسة الشيعية المعرفة الدينية على صعيد الكتابة والنشر و الترويج دون التجديد لها .
إن هذه المؤسسة الدينية تحكم وحدها الوعي الديني وأنها الحارس والحامي والمدافع ، و يمثلها في المجتمع الإهوازي ثلاث مراكز يتخرج منها و يتدرب فيها و يتعلم منها الملا و الخطيب و الخطيب الديني و هذا الأخير هو أعلى درجة من الملا،وهي تدعم وتقوي الاتجاه الشيعي مركزين في مدينة المحمرة الأول للعائلة الدينية الخاقانية ،والثاني للعائلة العدنانية الغريفية،وهذا الاخير العدناني هو وكيل وممثل مجتهدي النجف في المحمرة ويمثل الاتجاه الأصولي .أما عائلة الخاقاني والتي هي ضمن التقسيم الشيعي تمثل الاتجاه الأخباري،وفيها مجتهدون أي لديهم رسالة في أحكام التقليد،وحضورها يعود في المحمرة إلي بداية القرن العشرين. أما المركز الثالث في مدينة الأهواز يمثله المجتهد محمد الكرمي قبل وفاته.
وأما بعد الثورة قد أصبحت حوزة قم هي المضخة التي تنتج الخطباء وترسلهم إلى مدن الأهواز،وتحديداَ في الشهرين شهررمضان المبارك و محرم الحرام إضافة إلى المراكز التي تتبع الدولة أي أئمة الجمعة في كل مدينة وعلى رغم أن الحسينيات في المجتمع الأهوازي هي ملك للمواطنين و الملا والخطيب أجرتهم يدفعها المواطنين ،ولكن من ناحية الخطاب والاتجاه الاثنين الحسينية والمسجد يصبين في اتجاه واحد هو نشر تعاليم الإمامة الشيعية.
وأما المصدر الثاني: للوعي الشيعي في المجتمع الأهوازي هو المكتوب،وهو أيضاً لا يخرج من تحت سيطرة المؤسسة الدينية،وبالتالي اتصالنا بالتاريخ والإسلام والوعي يمر من خلال هذين المصدرين،وحتى عملية تصحيح الوعي الخاطئ في الفكر الديني الشيعي حسب وجهة نظري لا بد لحركة التصحيح أن تتجاوز تأويل وتفسير المؤسسة الشيعية حول أحداث تاريخ الإسلام ومكانة الإنسان فيه أي يأتي من ينافسها في بث الوعي الديني وهذا الأمر ليس بالعمل السهل والممكن حيث إن هذه الحركة تواجه في طريقها عراقيل ،ومشروع عام 1992 واجه وشهد تلك العراقيل عندما أتجه هذا المشروع نحو الحفر والتشكيك بالوعي الديني الشيعي السائد في المجتمع الأهوازي و النقد له، والوعي الديني بعد القبلية هو عنصر ثاني من عناصر الهوية الأهوازية بما له من امتداد في السياق التاريخي و الثقافي.
والاثنان القبيلة و الوعي الديني الشيعي الانتماء لهما و الانتظام فيهما متقدم على مُكون الهوية الوطنية الأهوازية فماذا نقصد بالهوية الوطنية ؟
تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.