
لندن- موقع كارون الثقافي- خاص حامد الكناني- لفت انتباهي عنوان جميل لمقابلة صحفية قديمة للشيخ زايد بن سلطان آل نهيان تعود لـ 24 أغسطس عام 1973 اجراها معه الصحفي المصري محمد جلال كشك (1929 – 1993) حيث كان يعمل صحفيا بجريدة الحوادث اللبنانية.
احتفظ الأرشيف الوطني البريطاني بهذه المقابلة كاملة في ثلاث صفحات من جريدة الحوادث اللبنانية وموجودة ضمن ملف يحمل رقم: FCO 8/2139، ص 24-25-26 على موقع الأرشيف الرقمي للخليج العربي.. كما يتضمن هذا الملف وصل استلام وترجمة لمقتطفات من هذه المقابلة بتاريخ 10 سبتمبر 1973 تحت عنوان:
“EXTRACTS FROM AN INTERVIEW WITH SHEIKH ZAID BEN SULTAN OF ABU DHABT”
استهل محمد جلال كشك تقريره الصحفي بالحديث عن مؤتمر حركة عدم الانحياز الذي كان الشيخ زايد آل نهيان ينوي المشاركة في المؤتمر الرابع للحركة حيث عقد في الفترة من 5 – 9 سبتمبر في 1973 في الجزائر، قائلا:
عندما التقى الرئيس عبد الناصر لاول مرة بالرئيس شارل الحلو في مؤتمر القمة بالاسكندرية ، سأله الرئيس عبد الناصر: « ان شاء الله ستحضر معنا مؤتمر عدم الانحياز» فرد الرئيس اللبناني: «أنا شايف لبنان ما بيهمو كتير هيك مؤتمر » ورد عبد الناصر : « بالعكس .. المؤتمرات ديه نوع من العلاقات العامة ، تعارف و اتصالات .. وخلق علاقات .. ضروری تیجی .. حتنبسط خالص ).. وفعلا سافر الرئيس شارل الحلو .. بل وتعود على حضور المؤتمرات وخلق العلاقات ..
تذكرت هذه المحاورة وأنا في طريقي الى قصر «البحر » للقاء الشيخ زايد بن سلطان عشية سفره الى الجزائر ، لحضور مؤتمر دول عدم الانحياز ..
وكان المفروض أن يسافر الشيخ زايد يوم 2 من الشهر القادم ليقضي يوما في قطر ويوما فی البحرين ويصل يوم 4 ، أي عشية اللقاء الكبير، الى الجزائر .. ولكن الشيخ زايد اضطر الى تقديم سفره يوما لان : « خليفة بن حمد » طلب مني زيادة الزيارة يوم .. فوافقت » ..
وهي أول زيارة يقوم بها حاكم الامارات للدوحة منذ تولي الشيخ خليفة الأمارة في ۲۲ شباط (فبراير )۱۹۷۱ .. اما البحرين ، فقال الى الشيخ زايد انها لو تمنت هي الاخرى فستجاب الى طلبها ، ولكن “في العودة ان شاءالله نزيدها يوم”…
وتعتبر هذه الزيارة لقطر بالذات صفحة جديدة في علاقات دول الخليج بعدما سادت فترة من الحساسيات حاول البعض تصعيدها الى خلافات ، ولكن الاخوة تغلبت لانه كما قال الشيخ زايد:
«الخليج وحدة واحدة ، ومصير واحد .. ولو نزل المطر في قطر فسيصيبنا الطوفان .. مصيرنا واحد في السلم والحرب والاقتصاد .. وهذه الزيارة، للقاء والتشاور ، وتبادل الرأي والتنسيق .. سألني الشيخ خليفة ماذا تريد حتى نرتبه .. قلت رتب ما تريده انت ! » ..
تناولنا العشاء على مائدة الشيخ البدوية، على الأرض وباليد ومع الذين تصادف وجودهم، فدعوهم للعشاء بلا مراسم ولا حتى اسماء.. ثم دخلنا للقاعة ، ودارت القهوة .. وناداني الشيخ فجلست الى جانبه وبدا الحديث قلت : ان شاء الله ستتوقع قطر اتفاقية التعاون مع الكويت ؟…
قال : بكل تأكيد .. الشيخ خليفة لا يرغب الا في الخير لقطر والخليج ..
قلت : هل تعتقد أن الاتفاقية اقل من احتياجات المرحلة ؟
قال : بل أكثر .. والذي لم يعلن منها أهم بكثير من الذي اعلن ..
وعلق راشد عبدالله : ” هذا تصريح عليه الصحفي ..”
قال سمو الشيخ ضاحكا:
اعرف ان هذا هو ما يريده .. وانا اريد ان اعطيه ما يريد..
وهل هناك تنسيق على مستوى الأمن مع السعودية ؟
اذا لم يكن فهذه خسارة كبيرة للجميع فنحن أهل بيت واحد ، ونحن لا نخفي شئ عن السعودية
ما دامت هذه هي مشاعركم .. فما هو الحل الذي تقترحونه للحدود ؟
قال رئيس الامارات المتحدة : الحل الذي يقترحه الملك فيصل ننفذه على الفور.
وماذا عن القطب الخليجي الآخر .. ان العراق بدأ سياسة الانفتاح ، وادان اخطاء الماضي التي تبين ان ناظم اكزار كان يحمل وزرها ؟
نحن بشر نخطىء ونصيب ، ولا نعرف المصلحة حتى نجرب الخسارة .. والعراق دولة شقيقة ، وعريقة ، في الخليج ، وكل ما يعنيها يعنينا والانسان يخطىء في شقيقه ، بل واحيانا يضر نفسه .. الم يحدث ان طرفت عينك بيدك وانت تظن انك تدفع عنها الاذى؟! هل تحقد على يدك أو تفصلها عن جسمك ؟.. الاخطاء طبيعية ، وطول الاجل ، وكثرة التجارب تكشف الخطأ من الصواب .. ونحن نرحب بكل تعاون مع العراق.
حول المرأة
– وهل ستنال المرأة حق الانتخاب ؟ لسنا ضد ذلك .. نحن اعطاء المراة كل حقوقها .. ولكن الحق لا يجوز أن يسبق الرشد .. والظروف التي مرت بها مجتمعاتنا تتطلب منا ان نعمل أولا على تعليم المراة وتوعيتها ، حتى تستطيع ان تمارس حقوقها نحن نشكو في الخليج من قلة السكان ، ولذلك نرحب بضم جهود المراة الى الرجل في البناء والتقدم ، ولكن دون تعجل للأمور قبل نضجها نحن نشجع الان الحركة النسائية ، والنهوض بالمرأة .. يكفي ان تنال المراة في هذه المرحلة حق العلم وحق النضج.
ابواب الحاكم تبقى مفتوحة
فما سمعنا عن حادثة ضابط المخابرات المنتدب ، الذي أراد تلفيق قضية تسيء الى علاقتكم مع بلد عربي هي الضمانة لعدم تكرر مآسي المخابرات العربية في دولة الاتحاد الفتية؟
نحن بلد تنقصه الخبرة ، ولذلك نستعين بالخبراء من الخارج، ونحن نريد من المخابرات ان تكون العين الساهرة على الوطن، والسياج الحامي لامن المواطنين .. فاذا أخطأ الخبراء ، او اراد بعضهم تدبير السوء ، وضع المسؤولون من ابناء الوطن حدا لذلك. واكمل : أما الضمانة الكبرى ضد انحراف المخابرات الباب المفتوح واشار بيده الى الباب المتصل بالصحراء وقال ما دام كل مواطن يستطيع ان يتقدم بشكواه للحاكم ، فلن يقع الحاكم أسير التقارير الكاذبة ولن يظلم الناس.
مؤتمر للنفط
وانتقلنا للنفط ، مبرر الخليج ، وسر قوته – و مبعث متاعبه .. قلت :
– الا ترى اننا نفتقد الى خطة موحدة في النفط . . بعض العرب قبل المشاركة، والبعض رفضها ، والبعض اختلف على النسبة ، والبعض يفضل تصفية الشركات الغربية ، والبعض يريد استخدامها للضغط على الحكومة الاميركية ؟ . .
لن نصل الى اكتشاف الصواب، الا بالتجربة.. وأنا اقترح عقد مؤتمر قمةعربي ، لشؤون النفط نتفق فيه على سياسة شاملة، لا يجوز الخروج عنها .. نحن نملك اقوى سلاح ، وهو النفط ، ولكنه تحول الى مصدر للمتاعب والتهديد .. لماذا ؟ . . لاننا مختلفون غير متحدين .. لنجرب توحيد موقفنا .. نتخذ قرارا موحدا ، ونجربه ، فاذا حقق المصلحة ، نستمر فيه ، واذا ثبت فشله نتراجع عنه. لا يجوز ان تعمل دولة عربية منفردة ، او ان تضر بالدول الأخرى .. ان هذا التفرق ، وهذا التضارب ، هو الذي مكن للسرطان من البقاء داخل أحشاء الامة العربية .
واذا سألتني عن رأيي .. فأنا اعتقد بفائدة وجود الشركات الغربية في صناعة النفط العربية ، لان من يريد السيطرة على الحصان لا يجوز ان يخسر العصا واللجام ..
صورة العربي في الغرب
– تحاول الدعاية الصهيونية ، ان تصور العربي كبدوي متخلف ، يبدد ثروة العالم على ملذاته ، ويهدد المدنية باعلان نيته في قطع النفط ؟
اما عن تبديد الثروة ، فنحن البدو ، حققنا تقدما أكبر مما تحقق في اي عصر ، واي بلد آخر ، ونحن على الأقل ، لا نبدد أموالنا في قتل الشعوب ، وصناعة السلاح .. أما عن تهديد العالم ، فقد سألني الاميركيون ، عن موقفنا من أزمة الطاقة ، وهل سنقطع النفط فقلت لهم : نحن عرب مسلمون ، وديننا وحضارتنا يحضان على التعاون بين سائر البشر ، ومقابلة الاحسان بالاحسان .. ان العالم اليوم انقسم الى فريق يملك الروح وهم العرب ، وفريق يملك الجسد ، وهو الغرب عندنا الطاقة ، وعندكم الصناعة ، ولا حياة الا بالتقاء الروح والجسد ، وكل من يفرق بينهما لن يحقق الا الموت .. نحن نريد ان نعطي الغرب ، ونريد ان نأخذ منه ، فلا اخذ بلا عطاء … ونحن العرب لا نتدخل في شؤون أميركا ولا نطالبكم بتأييدنا ، ولكن نطالبكم بالوقوف على الحياد .. وقلت للاميركيين ايضا – تابع الشيخ
“اقطع أبوه”
زايد – : في الماضي كنتم اذا اعطيتم العرب دولارا او مدفعا ، أعطيتم اسرائيل عشرة .. الآن لا تعطون العرب شيئا ، وتعطون اسرائيل بغير حساب .. فاما ان توقفوا دعمكم لاسرائيل ..
وهنا تدخل سيف الغباشي وكيل الخارجية وقال : اخشى يا طويل العمر ، أن يفهم من ذلك اننا نهدد بقطع النفط عن أميركا ؟. ولاول مرة رايت الشيخ زايد منفعلا ، فقد اسكته بيده وقال بصوت مرتفع اذا قرر العرب قطع النفط عن أميركا … اقطع أبوه .. ولا نتعذر .. حيثما قطع العرب نقطع ، وحيثما وصلوا نصل .. المهم أن نتفق على موقف واحد.
تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.