رسالة خطية للشيخ مزعل بن جابر تكشف قصة “جمهورية الحويزة” في قلب سهل ميسان في الأحواز

مركز دراسات عربستان الأحواز- حامد الكناني- تُعد الوثيقة التي بعثها الأمير مزعل بن جابر آل مرداو، حاكم المحمرة، إلى القنصل البريطاني عام 1868، من أبرز الشواهد التاريخية على طبيعة الصراعات السياسية في منطقة سهل ميسان (أو دشت ميشان). هذه الرسالة تكشف أبعاد التنافس بين القوى المحلية والعثمانيين والقاجاريين، ودور بريطانيا في توجيه الأحداث في المنطقة.

إن سهل ميسان – المعروف اليوم باسم دشت ميشان في عهد رضا خان بهلوي، ثم دشت آزاديجان في عهد الجمهورية الإسلامية – هو الامتداد الشرقي لحضارة ميسان التاريخية. وهو ليس مجرد منطقة تاريخية، بل يحتوي على أعظم مخزون نفطي في العالم، إذ يضم حقولاً عملاقة مثل آزادكان، ياوران، مجنون، الفكة وغيرها، التي جعلته محط أطماع القوى الإقليمية والدولية منذ مطلع القرن العشرين وحتى اليوم.

حضارة ميسان التاريخية، التي ورد ذكرها في مصادر عديدة، امتدت شمالاً حتى حدود بني لام، وشرقاً بمحاذاة مدينة الأحواز، وجنوباً حتى المحمرة، وغرباً حتى العمارة في العراق. في المصادر العربية والفارسية واليونانية والسريانية القديمة، ورد ذكر هذه المنطقة بأسماء متعددة مثل: بلاد ميسان، مملكة كرخ ميسان، ودولة ميسان أو دست ميسان. ومن اسمها يتضح أنها كانت أرضاً منبسطة تقع على ضفتي نهر الكرخة. وتشير المصادر إلى أنها ظلت محتفظة باستقلالها حتى نحو عام 225م. ومن المثير أن اسم ميسان ورد لأول مرة في القرن الثاني الميلادي بصيغة يونانية مكتوبة: Mesene، وتعني “الماء الآسن” أو “الماء الراكد”، وهو ما يفسر ارتباط التسمية بالبيئة المائية للأهوار، ويكشف في الوقت ذاته عن أصلها العربي.

أما جغرافياً، فقد امتد سهل ميسان تاريخياً شمالاً حتى مدينة موسيان في إقليم بني لام، بينما كان يشمل شرقاً وغرباً مناطق الأهوار والمستنقعات التي شكّلت جزءاً من خصوصيته الطبيعية والحضارية.

سكنت القبائل العربية هذه الأرض منذ أقدم العصور، وظلت هويتها عربية خالصة. وفي العهد الإسلامي، احتفظت باستقلالها لفترات طويلة قبل أن تدخل ضمن الدولة الإسلامية. ثم أصبحت الحويزة عاصمةً لإمارة المشعشعيين بقيادة الأمير محمد بن فلاح، وارتبط اسم الحويزة بالسهل كله. ومع تراجع سلطة المشعشعيين، برز نفوذ بني كعب في الفلاحية، ثم تحولت الزعامة السياسية إلى المحمرة بقيادة آل مرداو.

الوثيقة التي بعثها الشيخ مزعل بن جابر توضح أن القاجاريين أرسلوا وزير الحرب حشمة الدولة مع قوات عسكرية في يناير 1868 لإخضاع ثورة الحويزة بقيادة الشيخ مهاوي بن سندال، بعد اجبار المولى نصرالله المشعشعي الذي كان خاضعا لأمير المحمرة على الخروج من الحويزة ورفضهم دفع “الخراج الديواني” للتاج القاجاري. وقد تعهّد الشيخ جابر بن مرداو وفقا لمعاهدة أرضروم الثانية (1847) بجمع هذا الخراج وإرساله إلى البلاط القاجاري، في تعاون يعكس التقاء مصالح المحمرة مع القاجاريين بدعم غير مباشر من البريطانيين.

لكن الحويزة قاومت تلك المحاولات، وطردت المولى نصر الله (الموالي لأمير المحمرة)، بل وأعلنت نيتها إقامة كيان مستقل “جمهورية”، وهو ما أقلق الشيخ مزعل، إذ خشي أن تنتقل عدوى الاستقلال إلى الفلاحية ومناطق أخرى.

وفي الرسالة الخطية الثانية، المرسلة من قِبل أمير المحمرة الشيخ جابر بن مرداو إلى القنصل البريطاني في الخليج (المعتمد البريطاني)، والمؤرخة في 8 كانون الأول 1867، يخبر الأمير القنصل بأن الشاهزاده حشمة الدولة، مبعوث الدولة القاجارية وقائد الحملة العسكرية ضد الحويزة، لا يزال متخندِقًا في مواجهة الشيخ مهاوي بن سندال شيخ بني طرف. وتذكر الرسالة أن اشتباكات عنيفة وقعت بين الطرفين، حيث جرت مصادمات عسكرية وسقط جرحى من الجانبين، سواء من قوات حشمة الدولة أو من رجال الشيخ مهاوي. وبعد المعركة انسحب كل طرف إلى موقعه، دون حسم نهائي للصراع.

هذه الوثيقة تُظهر بوضوح أن المعركة التي اندلعت آنذاك لم تكن مجرد حادثة عابرة، بل كانت مواجهة مباشرة بين الحويزة (بني طرف) الساعية إلى الاستقلال ورفض الخضوع، وبين القوات القاجارية التي هدفت إلى فرض دفع الخراج والسيطرة على المنطقة. واللافت أن هذه الرسالة مختومة بختم الشيخ جابر بن مرداو، على خلاف الرسالة السابقة التي حملت ختم الشيخ مزعل بن جابر، ما يعكس تسلسل الأحداث واستمرار المواجهات على مدى عقد كامل تقريبًا.

غير أن هذه ثورة الحويزة من أجل “الجمهورية” لم تنجح، وعادت الحويزة لاحقاً لدفع الخراج عبر حاكم المحمرة. واستمر هذا الوضع حتى عهد الشيخ خزعل بن جابر آل مرداو، قبل أن تنتهي السيادة العربية في عربستان عام 1925 .

واليوم رغم أن سهل ميسان يُعد من أغنى الأقاليم في إيران بما يحتويه من حقول نفطية عملاقة مثل آزادكان، ياران، مجنون، والفكة، إضافة إلى أراضٍ زراعية خصبة وأهوار كانت توصف في المصادر التاريخية بـ”جنة عدن”، إلا أن هذه المنطقة اليوم تُصنَّف من أفقر الأقاليم وأكثرها تهميشًا.

فقد تحولت الأهوار والمستنقعات، التي كانت موطناً للتنوع البيئي والثروات المائية، إلى أراضٍ جافة قاحلة نتيجة السياسات الحكومية وسوء إدارة الموارد. ويعاني سكان المنطقة من التلوث البيئي الخطير، وشح مياه الشرب الصالحة، وانعدام المياه الزراعية، مما أدى إلى تدهور بيئي شامل انعكس سلبًا على حياة الناس.

تشارك الدولة المركزية الإيرانية مع شركات نفطية – بعضها صينية – في استخراج النفط من هذه الحقول، دون أي مراعاة للمعايير البيئية أو حقوق السكان المحليين. وقد فاقم ذلك معاناة الأهالي الذين يعيشون فوق واحد من أغنى المخزونات النفطية في العالم، بينما يحرمون من أبسط مقومات العيش الكريم.

كما يشهد الإقليم باستمرار وقفات احتجاجية يقودها شباب الحويزة ومدن سهل ميسان الأخرى، اعتراضًا على ارتفاع معدلات البطالة وحرمانهم من فرص العمل في حقول النفط الواقعة على أرضهم. ورغم أن كثيرًا من أبناء المنطقة يحملون شهادات علمية تؤهلهم لشغل مناصب مهمة، إلا أن السلطات الإيرانية تُفضّل جلب مئات العمال من مناطق أخرى مثل اللور والبختيارية، في سياسة تتسم بالتمييز والإقصاء ضد العرب، وتحرم السكان الأصليين من حقهم الطبيعي في العمل بموطنهم.

تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.

موقع ويب تم إنشاؤه بواسطة ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑