الأكاذيب الفارسية في الأحواز – حكاية من دفاتر عام 1945

في خريف عام 1945، كانت الأحواز تغلي تحت وطأة القلق والاضطراب. لم يكن الناس فرحين بعودة الحكم البهلوي الدموي، ولا بتتويج محمد رضا خلفًا لوالده رضا خان شاهًا على إيران. فالتغيير لم يتجاوز الكرسي، بينما بقي النهج كما هو. عاد ضباط رضا خان العنصريون في الجيش وقوات الدرك أكثر شراسةً، وقد ازدادت شهيّتهم للقتل والنهب واضطهاد العرب.

كانت السلطة الجديدة تزعم أنها تمثل “النظام”، لكنها في الحقيقة لم تكن سوى آلةٍ ضخمة للقمع، تُخمد الأصوات الحرة، وتُخفي الحقيقة، وتُغطي على الفساد المستشري في أجهزتها.

في السابع من أكتوبر من ذلك العام، ساد التوتر أروقة الإدارة في المحمّرة بعد أن تلقّى القائم مقام اتصالًا عاجلًا من القنصل الفارسي في البصرة. أفاد الأخير بأن مجموعة من العرب المسلحين بقيادة الشيخ عبد الله بن خزعل يخططون لهجومٍ على مركز الدرك في قصر فيلية رقم 2 مع حلول المساء. لم يُعرف مصدر هذه المعلومة، لكن الذعر انتشر بسرعة. أُعلنت حالة الطوارئ، واستُنفرت الحامية العسكرية، وأُرسلت تعزيزات لحماية المركز.

مرّت الساعات بطيئةً ثقيلة، ولم يُسمع صوت طلقة واحدة. لم يظهر أثرٌ للعرب الذين زعم القنصل أنهم على وشك الهجوم. وفي اليوم التالي، عاد القنصل نفسه ليخبر القائم مقام بأن المهاجمين “غيّروا وجهتهم” إلى مكانٍ غير معروف، وأن حاكم البصرة أُبلغ بالأمر. لم تُقدَّم أدلة، ولم يؤكد أحد من الجانب العراقي تلك الرواية، ومع ذلك، تعاملت السلطات معها وكأنها حقيقة ثابتة.

كانت تلك الحادثة نموذجًا صارخًا لطريقة السلطات الفارسية في صناعة الخطر. فكلما أرادت تعزيز وجودها العسكري في الأحواز، اختلقت تهديدًا عربيًا جديدًا. كانت تزرع الخوف لتبرر القمع، وتنسج الأكاذيب لتخفي نواياها الحقيقية.

وبينما لم تزل البلاد ترزح تحت صدمة “التهديد العربي المزعوم”، وقعت جريمة جديدة في الرابع من أكتوبر بمدينة السليج – عبادان، حيث أُطلق النار على رجلٍ عربي أثناء جلوسه مع عائلته في فناء منزله. أُصيب في رأسه وتوفي بعد يومين. لم تعرف السلطات القاتل، أو ربما لم ترغب في أن تعرف. اكتفت بالقول إن التحقيق جارٍ “ضد مجهول”، ثم أغلقت الملف بصمت. لكن الأهالي كانوا يتهامسون بأن الرجل قُتل لأنه كان معروفًا بولائه لعروبته، في زمنٍ كانت فيه السلطة تسعى لطمس كل صوتٍ عربي.

ولم يكد شهر نوفمبر يبدأ حتى تفجّرت حادثة أخرى. ففي مساء الرابع والعشرين، أعلنت السلطات أن وحدة من الدرك (الجندرمة) تعرضت شاحنتها لهجومٍ من لصوصٍ مجهولين قرب طريق البصرة، ما أدى إلى مقتل أحدهم وإصابة اثنين آخرين. بدا الأمر – في البيان الرسمي – كحادثة نهبٍ عادية، لكن خلف تلك السطور القصيرة كانت الحقيقة أكثر ظلمةً.

فقد تبيّن لاحقًا أن الشاحنة لم تتعرض لأي هجوم، بل كانت تقلّ رجال درك متورطين في عملية تهريب غير شرعية، ينقلون زوارًا فارسيين عبر الحدود إلى العراق. وعندما حاولت دورية حدودية إيقافهم، بادروا بإطلاق النار خوفًا من انكشاف أمرهم، فأصابوا بعضهم بعضًا بالخطأ. كانت فضيحة مدوّية، لكن السلطات الفارسية سارعت إلى دفنها، وأصدرت بيانًا جديدًا تزعم فيه أن “اللصوص العرب” هم من نفذوا الهجوم، حفاظًا على سمعة الجهاز، وتغطيةً على الفساد الذي نخره من الداخل.

وهكذا، خلال أسابيع قليلة فقط، قدّمت طهران ثلاث روايات متناقضة لثلاث وقائع مختلفة، لكن خيطها الناظم واحد: إخفاء الحقيقة وتزييف الوعي.
مرة تزعم أن العرب يهددون الأمن لتبرر عسكرة الإقليم، ومرة تتجاهل جريمة قتلٍ لأنها تكشف التمييز، ومرة تغيّر مجرى التحقيق لتغطي على تورط رجالها في الفساد.

لكن الوثائق البريطانية المحفوظة في المحمرة لم تكذب؛ فقد روت الحقيقة كما هي، دون تجميل أو تزييف.

وقال الشيخ عبد الله بن خزعل عام 1946: “كنت أعتقد أن إيران ستصبح ديمقراطية بعد طاغيتها (رضا بهلوي)، ولكن مع الأسف، أصبح الوضع فيها أمَرّ وأتعس.”

تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.

موقع ويب تم إنشاؤه بواسطة ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑