من الشيخ عبدالله بن خزعل إلى أحمد البالدي الأحوازي: «يفضّل الموت على التسوّل»

لندن- مركز دراسات عربستان الأحواز- في عام 1946، أصدرت السلطات البريطانية قرارًا بنفي الشيخ عبدالله بن خزعل من الكويت إلى مدينة عدن، التي كانت آنذاك مستعمرة بريطانية، وذلك بهدف منعه من قيادة أي تحرك سياسي أو ثورة أحوازية ضد الحكومة الإيرانية. وتُعد الوثيقة البريطانية التي تناولت هذا القرار من أبرز الشواهد على النظرة الاستعمارية المتعالية تجاه قضايا العرب عامةً، والأحوازيين على وجه الخصوص.

تشير الوثيقة الأولى إلى أن بريطانيا حسمت موقفها بضرورة منع الشيخ عبدالله من “إثارة ثورة ضد السلطة الفارسية في الأحواز”، مؤكدةً أنه “لا يمكن السماح له بالتحرك بحرية”. وإذا عجزت الحكومة الإيرانية عن اتخاذ إجراء ضده، فإن بريطانيا نفسها ستتدخل “طالما أنه يعيش في الكويت”. وترى الوثيقة أن الحل الأمثل يتمثل في نفيه إلى عدن، رغم أن بعض المسؤولين البريطانيين اعتبروا هذا الإجراء قاسيًا ومخزيًا في حق “ابن أحد أقدم حلفائنا في الخليج العربي”.

كما تضيف الوثيقة أن من الواجب – حفاظًا على سمعة بريطانيا وتحالفها القديم مع أسرة الشيخ خزعل – منحه معاشًا كريمًا نسبيًا في حال نفيه، مشيرةً إلى أن مسؤولية دفع هذا المعاش تقع على وزارة المستعمرات البريطانية.

أما الوثيقة الثانية، وهي رسالة من المقيم السياسي البريطاني في البحرين إلى السفير البريطاني في بغداد بتاريخ 6 يوليو 1946، فتؤكد أن الشيخ عبدالله قدِم من الكويت قائلاً إنه “يفضّل الموت على التسوّل”، وسأل عمّا إذا كانت بريطانيا ستمنعه من العودة إلى وطنه الأحواز. وجاء الرد بأن لندن لا يمكنها السماح له بالعودة إلى إيران.

وقد أوصى المقيم السياسي حاكم الكويت بمنع الشيخ من مغادرة البلاد بكل الوسائل الممكنة، إلا أنه أبدى شكوكه في إمكانية تحقيق ذلك على المدى الطويل، لأن الأمير أحمد الجابر لن يوافق على سجنه، ولأن عبدالله “معادٍ جدًا، وقد يصبح أكثر يأسًا بمرور الوقت”. ولهذا، أوصى البريطانيون مجددًا بترحيله إلى عدن أو إلى إحدى المستعمرات الأخرى، مع صرف بدل مالي شهري له.

وفي هامش الوثيقة، كتب أحد المسؤولين البريطانيين تعليقًا كاشفًا يقول:

“من المخزي أن يُنفى ابن أحد أقدم حلفائنا في الخليج العربي، لكن يبدو أن ترحيله هو الحل الوحيد الممكن. لا فائدة تُرجى من دعمه سياسيًا في الوقت الراهن.”

تكشف هذه المراسلات عن نبرة استعمارية متعالية تضع المستعمر في موقع “الوصي على المنطقة”، كما يظهر في عبارات مثل “يجب ألا نلعب نفس اللعبة التي لعبناها مع الروس” و*”سنضطر إلى التصرف نحن”*. كما يظهر نفاق أخلاقي واضح في عبارات التعاطف الظاهري مع الشيخ عبدالله، في الوقت الذي تُمارس فيه ضده إجراءات قمعية تخدم مصالح الاستعمار وحلفائه.

لقد مثّل نفي الشيخ عبدالله بن خزعل انعكاسًا لسياسات استعمارية مزدوجة المعايير، حيث عومل لا كوريثٍ لأسرة عربية توارثت الحكم في الأحواز وكانت حليفة للإنجليز، ولا كزعيمٍ قومي لشعبٍ عربي مضطهد، بل كـ”قضية أمنية” تهدد مصالح بريطانيا وإيران.

هذه الذهنية الاستعمارية لم تنتهِ بانتهاء الحقبة الاستعمارية، بل ما زالت آثارها ماثلة حتى اليوم في تعامل الحكومة الإيرانية مع الشعب الأحوازي، الذي يُلاحَق ويُقمع لمجرد مطالبته بحقوقه الإنسانية والمعيشية.

ويجسّد الحدث المؤلم الذي شهدته منطقة زيتون في مدينة الأحواز مثالًا صارخًا على ذلك، حين أقدمت السلطات الفارسية على هدم كشكٍ صغير يعود لعائلة عربية من بني بالد، كان يشكّل مصدر رزقها الوحيد. وقد دفع مشهد القمع والعنصرية الفارسية الشاب العربي – وهو طالب جامعي في ريعان شبابه – إلى إضرام النار في جسده بعد أن شاهد والدته تُهان وتُدافع عن رزق العائلة الوحيد.

يُذكر أن المستوطنين من اللور والبختياريين يمتلكون أكثر من 250 كشكًا في مدينة الأحواز، في حين لا يتجاوز عدد الأكشاك الممنوحة للعرب عدد أصابع اليد الواحدة، رغم أنهم يشكلون الغالبية السكانية. ومع ذلك، يُستبعد العرب من التوظيف والمشاركة في إدارة مدينتهم، لأنهم وُضعوا تحت المجهر الأمني وصُنّفوا وفق سياساتٍ استعمارية وعنصرية فارسية.

ويبقى السؤال المطروح بعد أكثر من قرنٍ من الممارسات العنصرية والاستعمارية الجائرة:

هل يمكن أن تعترف الحكومة الإيرانية يومًا بمظالم الأحواز، وتكفّ عن سياساتها الاستعمارية والعنصرية، وتعتذر لهذا الشعب عن عقودٍ من القمع والإقصاء والتنكيل؟

تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.

موقع ويب تم إنشاؤه بواسطة ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑