
فيما يخصّ الكتب التاريخية التي تناولت القضية الأحوازية، وكذلك القضايا العربية عمومًا، ولا سيما تلك التي كُتبت باللغة الفارسية على يد كتّاب فرس، أو باللغة الإنجليزية على يد كتّاب غربيين، فإن هذه المؤلفات لا يمكن قبولها بوصفها وثائق تاريخية موثوقة أو نصوصًا علمية محايدة، وذلك لأسباب منهجية وسياسية متعددة.
أولًا: إن جزءًا كبيرًا من هذه المؤلفات كُتب بتكليف مباشر أو غير مباشر من جهات رسمية، سواء من حكومات بلاد فارس المتعاقبة أو من القوى الاستعمارية التي تواجدت في المنطقة، وعلى رأسها بريطانيا، إضافة إلى البرتغال وغيرها. وهذه الحكومات كانت، بلا شك، تمتلك أجندات سياسية واستعمارية واضحة، انعكست بالضرورة على مضمون ما كُتب. فالمؤرخ أو الموظف الرسمي لا يناهض عادة سياسات دولته، بل يسعى إلى تكييف الأحداث وترتيبها وتأويلها بما يخدم مصالحها ويبرّر وجودها وهيمنتها. وينطبق الأمر ذاته على عدد من الكتّاب الفرس الذين سعوا إلى إيجاد مسوّغات أيديولوجية للسياسات الاستعمارية الفارسية في الأحواز. ولذلك، فإن هذه النصوص وإن استندت إلى وثائق رسمية تحتاج إلى مراجعة دقيقة، وتفكيك نقدي، وتحليل علمي صارم.
ثانيًا: إن عددًا كبيرًا من هذه النصوص اعتمد على الروايات الشفوية أو ما نُقل عن أفواه الناس، وقد جرى تدوينه بعد عقود أو حتى قرون من وقوع الأحداث. ومن المعلوم أن الرواية الشعبية، سواء جاءت في شكل شعر أو حكايات شفوية، لا يمكن الوثوق بها على أنها نُقلت بحياد كامل أو بقيت بمنأى عن التحريف أو التزييف أو التضخيم أو التحجيم. وتجربتنا المعاصرة تؤكد أن الأحداث التي نعيشها اليوم تتعرّض، في روايات العامة، لانحرافات كبيرة عن حقيقتها، فكيف بالأحداث القديمة؟ وعليه، فإن هذا النوع من التوثيق يحتاج هو الآخر إلى مراجعة عقلانية دقيقة ومتأنية.
ثالثًا: إن لكل حدث تاريخي زوايا متعددة، ولا يمكن اعتبار سرد واحد—حتى وإن كُتب من شاهد عيان—حقيقة مطلقة. فالكاتب الفارسي أو البريطاني الذي زار المنطقة ودوّن حدثًا معينًا، قد يكون شاهد الوقائع من زاوية محدودة لا تتيح له الإحاطة بجميع تفاصيل الحدث. ولكل زاوية رؤيتها الخاصة، ومن ثم فإن تعدد الزوايا يفرض إعادة قراءة هذه السرديات وتحليلها وعدم التعامل معها كحقائق نهائية.
أما فيما يخص المصادر الإسلامية، فعندما بدأ المسلمون بتدوين التاريخ الإسلامي، كانوا يتعاملون مع الشعوب ضمن إطار الأمة الإسلامية الجامعة، ولم يكن مشروعهم قائمًا على السرد القطري أو القومي الضيق. لذلك صيغت الأحداث في قالب أممي عام، وهو ما جعل هذه المصادر غير مقبولة لدى بعض القوميين العرب المعاصرين، لكونها لا تركّز على القضايا القومية أو القطرية، بل تتجاوزها.
وعلى النقيض من ذلك، فإن عددًا من المصادر الشيعية تأثر بدرجات متفاوتة بالخطاب القومي الفارسي، وحمل توجّهًا سياسيًا واضحًا. ولا يعني ذلك التعميم، غير أن جزءًا معتبرًا من هذه المصادر جرى توظيفه أو هندسته بما يخدم السردية القومية الفارسية، وهو ما يفسّر اعتماد القوميين الفرس عليها، في حين يتحفّظ القوميون العرب على المصادر الإسلامية ذات الطابع الأممي.
وتوجد شواهد واضحة على الخلل أو التزوير في التوثيق التاريخي، من بينها ما ذكره الخبير البريطاني سير جون مالكوم، الذي كُلّف عام 1800 بكتابة تاريخ بلاد فارس لصالح بريطانيا، إذ أقرّ صراحة بأن مراجعة تاريخ فارس في القرون الأخيرة تكشف عن فجوة زمنية تقارب ثمانين عامًا لا توجد عنها مصادر مكتوبة ذات قيمة، بل مجرد روايات شفوية غير موثوقة. وهو ما يطعن في صحة كثير مما يُروَّج له في التاريخ الفارسي الحديث.
وفي السياق ذاته، انتقد الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، حاكم الشارقة، بشدة ظاهرة تزوير التاريخ، مؤكدًا أن التاريخ كثيرًا ما يُكتب «على حسب السلطة»، ويجري تحريفه ليتوافق مع روايات سياسية معيّنة، وأن هذا التزوير يبدأ غالبًا مع لحظات الصراع السياسي. وقد دعا إلى العودة للمصادر الأصلية والأرشيفات الرسمية لكشف الحقيقة وتصحيح السرديات التاريخية، ولا سيما ما يتعلّق بتاريخ المنطقة وعلاقاتها بالقوى الاستعمارية. كما أشار، في عدة مداخلات موثّقة، إلى فبركة الوثائق البرتغالية على يد الكاتب الفارسي أحمد اقتداري، مؤكدًا أن جزءًا كبيرًا من السردية الفارسية حول الخليج العربي يقوم أساسًا على هذه الفبركات.
كما أن تنقّل عواصم بلاد فارس بين شيراز وأصفهان وطهران وغيرها يعكس حالة من عدم الاستقرار السياسي، ويتناقض مع الادعاء بوجود دول مركزية قوية ومتواصلة السيادة على كامل الجغرافيا الإيرانية، كما تصوّره بعض السرديات الرسمية.
أما المصادر الغربية، فقد كُتبت في الغالب على يد ضباط أو رحالة أو كتّاب كانوا يعملون في ظل الحماية الاستعمارية، أو كانوا ضيوفًا لدى القوى المسيطرة في المنطقة. ولذلك فإن ما دوّنوه كان في كثير من الأحيان انعكاسًا لما سمعوه من أطراف ذات توجّه سياسي ومصلحة استعمارية، وهو ما يفرض التشكيك المنهجي في حياد هذه الكتابات.
ومن هنا، فإن التاريخ الأحوازي لا يمكن أن يُكتب إلا بعين أحوازية، وأن تُعاد قراءة الأحداث وتفسيرها وتحليلها وفك رموزها استنادًا إلى الوقائع المادية والشواهد الحيّة على الأرض.
وفي هذا السياق، أذكر نقاشًا دار بيني وبين شخصية من إحدى القوميات غير الفارسية داخل إيران، زعمت أن الحضارة السومرية تعود إلى أجدادها وليست حضارة عربية. وقد بيّنت له، أمام جمع من الزملاء، أن الآثار المتبقية من الحضارة السومرية—من أدوات وألواح طينية ورسومات محفوظة في متاحف عالمية—تُظهر بوضوح ملامح الحياة السومرية: بيت القصب، والمشحوف، والشبك، والفالة لصيد الأسماك، وتربية الجاموس. وهذه العناصر لا تزال حيّة في الأحواز وجنوب العراق حتى اليوم في الموروث الثقافي والمعيشي.
وعندما سُئل إن كانت قوميته القاطنة في جبال زاغروس لا تزال تتحدث اللغة السومرية أو تمارس تلك الأنماط الحياتية، عجز عن الإجابة، في حين أن السكان الأصليين في الأحواز وجنوب العراق لا يزالون يحملون هذا الإرث الحضاري حيًا ومتوارثًا.
وبناءً على ذلك، يتضح أن كثيرًا من التواريخ كُتبت إما بتوجيه سياسي يخدم أغراضًا استعمارية، أو على يد مستوطنين سعوا إلى اختلاق جذور تاريخية لأنفسهم عبر تزوير الماضي، بهدف نزع الشرعية عن السكان الأصليين وقطع صلتهم بحضاراتهم العريقة، كالحضارات السومرية والعيلامية والآشورية. ومن هنا ينكشف الطابع الاستيطاني والعنصري لمثل هذه السرديات.
وممّا يزيد هذا المشهد خطورةً، ظهور بعض وعّاظ السلاطين والكتّاب المنتفعين من أبناء الأحواز أنفسهم، الذين يكتبون تزلفًا للسلطة، أو تقرّبًا منها، أو بحثًا عن الشهرة والمال والمناصب. فهؤلاء لا يكتفون بالصمت، بل يشاركون—عن وعي أو عن تبنٍّ—في التوجّه القومي الفارسي أو في السرديات الأجنبية، ويسهمون في تزوير الحقائق وفبركة تاريخ المنطقة بما يخدم الحكومة الفارسية والمستوطنين.
ويظهر ذلك بوضوح في كتاباتهم عن إمارة المحمّرة، إذ يعمد بعضهم إلى اختيار عناوين مضلِّلة، ويتعاملون مع تاريخ الإمارة وشخصياتها، ولا سيما شيوخها، بمنطق التشويه أو الاختزال المتعمّد، بما يتماهى مع الرواية الرسمية لا مع الحقائق التاريخية. وهؤلاء، في الحقيقة، من الأجدر لهم أن يبتعدوا عن هذا الحقل المعرفي، لأن انخراطهم فيه على هذا النحو لا يخدمهم ولا يخدم شعبهم ولا حتى أسرهم، إذ ستبقى آثار ما يكتبونه شاهدًا على انكسار أخلاقي ورخصٍ ذاتي وإذلالٍ للذاكرة الجماعية.
إن الكتابة في التاريخ ليست مجالًا للانتهازية أو المجاملة السياسية، بل هي ميدان يحتاج إلى صلابة، وحنكة، وشجاعة أخلاقية، وقدرة على مواجهة الضغوط والتحديات. ومن هنا، فإن الواجب الأخلاقي والعلمي يقتضي الكفّ عن المشاركة في صياغة تاريخ مزوّر، وصون تاريخ الشعب الأحوازي وكرامته، وحفظ حق الأجيال القادمة في معرفة تاريخها الحقيقي.
تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.