
لندن- مركز دراسات عربستان الأحواز- كتب الأستاذ سمير ياسين الأسبوع الماضي على صفحته في منصة فيسبوك ما نصّه: «يسعدني أن أشارك المهتمين بالشأن الثقافي والوطني خبر صدور روايتي الأولى «الولادة في ظل كارون» عن دار نشر الدجلة.
يأتي هذا العمل بوصفه باكورة ثلاثة أعمال روائية أكتبها ضمن إطار أدب المقاومة والنضال الأحوازي، ويوثّق السيرة الحقيقية للشهيد الأحوازي خزعل حويزي البالدي – أبو العيط. الرواية ليست عملاً متخيّلًا، بل شهادة كتبها شاهد عيان ورفيق درب، توثّق مسيرة إنسان عاش المطاردة والسجن والمنفى، واختار طريق الكرامة حتى لحظة الاستشهاد.
نكتب لنحفظ الذاكرة من الطمس، ونوثّق لأن الكلمة فعل مقاومة، وليظل كارون شاهدًا على أن الأحواز حيّة بقصص أبنائها ونضالهم».
يقدّم هذا الكتاب شهادة ذاتية–وطنية توثّق تجربة مناضل أحوازي عاش تحوّلات قاسية فرضها القمع، والسجن، والمنفى، وكتب سيرته بوصفها جزءًا لا ينفصل عن ذاكرة شعب حُرم طويلًا من حقه في رواية قصته بنفسه.
النص لا يندرج ضمن الرواية بالمعنى التقليدي، ولا يلتزم بقالب السيرة الذاتية الكلاسيكية، بل يقع في منطقة وسطى تجمع بين السرد الأدبي والتوثيق التاريخي، حيث تتحوّل التجربة الفردية إلى مرآة للمصير الجمعي.
يروي الكتاب مسار الحياة منذ الطفولة في بيئة أحوازية بسيطة على ضفاف الأنهار، مشبعة بالكرامة والانتماء، قبل أن تصطدم مبكرًا بواقع التمييز والإقصاء. ومن خلال تفاصيل الحياة اليومية، يرسم الكاتب ملامح عالم لا تُصنع فيه البطولات فجأة، بل تتشكّل ببطء عبر الخوف، والوعي المبكر بالظلم، وتراكم الخسارات الصغيرة التي تقود في النهاية إلى خيار المواجهة.
يتتبّع النص تحوّل الإنسان العادي إلى مناضل، لا بدافع أيديولوجي جاف، بل نتيجة اصطدام الكرامة الفردية بآلة القمع. ويتوقف عند محطات مفصلية في تاريخ الأحواز الحديث، مثل مجزرة المحمرة، وسنوات الاعتقال والملاحقة، وتجربة المنفى في أكثر من بلد، مقدّمًا هذه الأحداث لا كعناوين سياسية، بل كجراح شخصية تركت أثرها العميق في النفس والهوية.
قيمة هذا الكتاب تكمن في صدقه وجرأته. فالكاتب لا يقدّم نفسه بطلاً أسطوريًا، ولا يسعى إلى تلميع التجربة، بل يعترف بالهشاشة والخوف ولحظات الانكسار. هذا الصدق يمنح النص قوة إنسانية وأخلاقية نادرة، ويجعل القارئ شريكًا في الألم والأسئلة، لا مجرد متلقٍ للحكاية.
أسلوبيًا، يعتمد الكتاب لغة مباشرة، حيّة، مشحونة بالعاطفة، قريبة من الشهادة الشفوية، لكنها واعية بوظيفتها التوثيقية. إنه نص يقاوم النسيان، ويصرّ على تثبيت الرواية الأحوازية من الداخل في مواجهة محاولات الطمس والتغييب.
يتوجّه هذا الكتاب إلى القارئ الأحوازي، ولا سيما الجيل الشاب، كما يخاطب كل قارئ عربي يرغب في فهم القضية الأحوازية من منظور إنساني وتجريبي، بعيدًا عن الخطاب السياسي الجاف. إنه دعوة لقراءة التاريخ بعيون من عاشوه، وتذكير بأن القضايا العادلة لا تموت ما دامت تُروى.
أما الشهيد خزعل بن حويزي البالدي، فقد وُلد في عائلة أحوازية فقيرة تعيش على تربية الجاموس، وهي مهنة ارتبطت ببيئة على ضفاف الأنهار. كان والده إنسانًا بسيطًا، وكانت الأسرة تعيش على هامش الحياة، لكن خزعل تميّز منذ شبابه بالشجاعة والنشاط بين أقرانه، وسعى إلى التعليم رغم إصرار والده على عمله في رعي الماشية باعتباره مصدر الرزق الوحيد.
خلال فترة الثورة الإيرانية عام 1979 وما تلاها، ومع تصاعد مطالب الشعب العربي الأحوازي بالحكم الذاتي، كان خزعل من بين الشباب الناشطين المطالبين بهذه الحقوق، إلى جانب شخصيات وطنية أخرى في منطقته. وبعد مجزرة المحمرة واندلاع الحرب الإيرانية–العراقية عام 1980، توجّه إلى العراق، حيث التحق بالحركة الجماهيرية لتحرير عربستان، التي تحولت لاحقًا إلى الجبهة العربية لتحرير الأحواز عام 1983.
لكن جرأته وانتقاداته اللاذعة للأوضاع داخل مخيمات اللاجئين جعلته عرضة للملاحقة، فعاد إلى إيران، حيث تعرّض للاعتقال والاضطهاد. وبسبب شجاعته وفراسته، لم يسلم من بطش السلطتين، العراقية والإيرانية على حد سواء.
تُروى شهادات مؤلمة عن لحظة إعدامه، إذ دُفن سرًا في الليل دون إبلاغ عائلته أو تسليم جثمانه، في انتهاك صارخ لكل القوانين، وحتى لأبسط الحقوق التي ينص عليها الدستور الإيراني نفسه. تعرّض الشهيد للإهانة حتى بعد موته، في مشهد يلخص قسوة النظام ووحشيته.
رحم الله الشهيد خزعل بن حويزي البالدي، هذا الاسم الذي سيبقى حاضرًا في الذاكرة الأحوازية وذاكرة النضال.
وكل الشكر والتقدير للأستاذ سمير ياسين على هذا الجهد التوثيقي النبيل، وعلى إحياء سيرة شهيد من شهداء الأحواز، في وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى تسجيل الذاكرة، وكتابة السير، وتخليد أسماء المناضلين، لتزيّن أعمالهم المكتبة الوطنية الأحوازية، وتبقى شاهدة للأجيال القادمة.

تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.