
مركز دراسات عربستان الأحواز- تناقلت وسائل الإعلام العالمية، صباح اليوم السبت 3/1/2026م، خبر اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ونقله، برفقة زوجته، إلى الولايات المتحدة الأمريكية. ويأتي هذا الحدث متزامنًا مع الذكرى السنوية لاغتيال قاسم سليماني عام 2020، في دلالة سياسية لافتة. وإذا ما تأكد الخبر رسميًا، فإنه يشكّل سابقة نادرة في التاريخ الحديث، إذ لم يسبق لدولة عظمى أن أقدمت على اعتقال رئيس دولة قائم ونقله مباشرة إلى أراضيها.
كان مادورو، كغيره من الحكّام الديكتاتوريين، يعتقد أن تحصين القصور وبناء السواتر والاعتماد على السلاح كفيل بحمايته. غير أن الحروب الخاطفة، والتفوق التقني والتكنولوجي، أثبتت قدرتها على حسم المعارك وإسقاط الأنظمة خلال ساعات. لقد أكّد الزمن أن من يمتلك التكنولوجيا والمعلومة هو الطرف المتفوق.
تقليديًا، كان مصير الحكّام المجرمين أو الديكتاتوريين ينتهي بثورة شعبية أو انقلاب عسكري داخلي، يعقبه اعتقال القيادة ومحاكمتها أمام محاكم استثنائية، ثم الإعدام أو التصفية داخل القصور، كما حدث في العراق وليبيا وغيرهما.
أما اعتقال القادة ونقلهم إلى خارج بلدانهم، سواء لمحاكمتهم وفق قوانين الدولة التي اعتقلتهم أو تسليمهم لمحكمة العدل الدولية في لاهاي، فهو مسار أقل شيوعًا، لكنه قائم ومعترف به في القانون الدولي.
وقد شهد العالم نماذج مشابهة، أبرزها قادة صرب البوسنة، مثل رادوفان كاراديتش، الرئيس السابق لجمهورية صرب البوسنة، الذي حُكم عليه بالسجن المؤبد بتهم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب، وكذلك القائد العسكري راتكو ملاديتش، الذي نال الحكم ذاته لارتكابه جرائم مماثلة خلال حرب البوسنة.
كما سبق للولايات المتحدة أن أقدمت على خطوة مماثلة حين قامت، في عهد الرئيس جورج بوش الأب، بخطف الرئيس البنمي مانويل نورييغا عام 1989، ونقله إلى الأراضي الأمريكية، حيث سُجن بتهمة الاتجار بالمخدرات، وقضى قرابة عشرين عامًا خلف القضبان.
ورغم أن التاريخ الحديث عرف إسقاط أنظمة ومحاكمة قادتها في العراق وليبيا ويوغوسلافيا السابقة، فإن اعتقال رئيس دولة ونقله حيًّا إلى الولايات المتحدة يبقى حدثًا استثنائيًا وغير مسبوق.
في هذا السياق، يبرز عمق الارتباط الأيديولوجي والسياسي بين نيكولاس مادورو والنظام الإيراني. فالرئيس الفنزويلي لا يكتفي بعلاقات دبلوماسية تقليدية مع طهران، بل يصرّح علنًا بتأثره المباشر بعلي خامنئي، رأس النظام الإيراني، ويقدّمه كنموذج قيادي يُحتذى به، ما يعكس تقاربًا فكريًا في أسلوب الحكم ومواجهة الغرب.
كما يكشف هذا الارتباط عن تعاون استراتيجي يتجاوز الاقتصاد إلى مجالات حساسة كالبنية التحتية والطاقة، في إطار تحالف بين نظامين يصفان نفسيهما بـ«المقاومين» في مواجهة الولايات المتحدة.
الأخطر من ذلك هو تمجيد مادورو لقاسم سليماني، القائد الإقليمي العسكري للنظام الإيراني، والمصنَّف دوليًا كمسؤول عن إدارة شبكات إرهابية وميليشيات مسلحة في عدة دول. إن إشادة مادورو به واعتباره «بطلاً»، واعترافه بتدخله المباشر في الشأن الفنزويلي، يكشفان عن تداخل أمني خطير بين كاراكاس وطهران، ويؤكدان أن العلاقة لا تقتصر على السياسة، بل تشمل تبادل الخبرات القمعية والأمنية.
وبصورة عامة، فإن هذه المعطيات تقدّم دليلاً واضحًا على أن مادورو لا يتحالف فقط مع النظام الإيراني، بل يتبنى رموزه ونهجه، ويستمد شرعية سياسية وأمنية من قياداته، وفي مقدمتهم خامنئي وسليماني، لمواجهة خصومه الداخليين والخارجيين.
ومن زاوية أخرى، يمكن القول إن الولايات المتحدة – من حيث لا تقصد – قد أنصفت مادورو بنقله حيًّا إلى أراضيها. فمحاكمته، إن تمت، ستجري ضمن منظومة قانونية تختلف جذريًا عن الفوضى الدموية والانتقامات التي غالبًا ما ترافق سقوط الأنظمة داخل بلدانها. ففي مثل هذه اللحظات، كثيرًا ما تتعرض عائلات الحكّام للتصفية أو الاغتيال، بينما قد يحميهم النقل إلى الخارج من هذا المصير، ما لم تثبت بحقهم جرائم إبادة جماعية.
وفي ظل تصاعد الاحتجاجات في إيران ودخول الشارع الإيراني في حالة غليان غير مسبوقة، قد يحسد حكّام طهران مستقبلًا مصير مادورو، ويتمنون لو جرى اعتقالهم ونقلهم إلى الخارج بدل مواجهة مصير دموي داخل البلاد. فالتكنولوجيا الحديثة قلبت موازين القوة، ولم يعد القمع وحده كافيًا للبقاء.
ويُعتقد أن سيناريو مشابهًا كان مطروحًا في الحالة السورية، لولا التدخل الروسي في اللحظات الأخيرة ونقل بشار الأسد سرًا إلى الأراضي الروسية. أما في حالة مادورو، فيبدو أن العملية – إن تأكدت – قد نُفذت بسرية تامة.
صحيح أن الولايات المتحدة ليست نموذجًا للعدالة المطلقة، ولديها سجلها الخاص من الجرائم والمصالح، وليست محكمة دولية مخوّلة أخلاقيًا بمعاقبة الآخرين، لكن في المقابل، فإن الشعوب التي عانت من الديكتاتوريات الدموية تعرّضت لظلم مضاعف: قمع، فقر، تهميش، ومجازر، وكلما طالبت بحقوقها كان الرد دائمًا الإفراط في استخدام القوة.
وفي إيران، تجلّى هذا الواقع بوضوح، من القمع المستمر إلى المجازر، وأبرزها مجزرة معشور (ماهشهر)، حين خرج شباب عرب يطالبون بالمساواة والعدالة في فرص العمل داخل شركات البتروكيماويات، فواجههم الحرس الثوري بالأسلحة الثقيلة وحتى مضادات الطيران، ما أسفر عن مقتل أكثر من 240 شابًا داخل هور الجراحي. ورغم فداحة الجريمة، أفلت النظام الإيراني من العقاب حتى اليوم.
غير أن هذه الجرائم لن تُنسى. ومع سقوط النظام – وهو بات أقرب من أي وقت مضى – ستُفتح كل الملفات، ليس فقط تلك المتعلقة بالشعب العربي الأحوازي، بل أيضًا بحقوق جميع الشعوب القاطنة في إيران، بمن فيهم الفرس أنفسهم. وحينها، قد يكون مصير حكّام إيران أشد قسوة من المصير الذي آل إليه نيكولاس مادورو.
وكما قال لي اليوم الكاتب الأحوازي غازي حيدري: من الآن فصاعدًا، إذا نصح ترامب – أو أي زعيم غربي – حاكمًا ديكتاتوريًا بأن «يأخذ عائلته ويغادر البلاد»، فربما يكون من الحكمة أن يأخذ النصيحة على محمل الجد.
وكما قال السيد محمد علي الحسيني:
«اعهد عهدك، واجمع شملك، واكتب وصيتك»… فزمن الحصون والسلاح قد ولّى، وزمن الحساب يقترب.
تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.