
يأتي هذا التحليل للوضع الإيراني الراهن في سياق رؤية يتبناها الاتحاد الوطني الأحوازي، وهو تيار وطني أحوازي يسعى إلى دعم الاحتجاجات الجارية في إيران، والعمل على إسقاط النظام عبر الحراك الشعبي القائم، إلى جانب دعم مطالب الشارع العربي الأحوازي، ومطالب الشعوب غير الفارسية في إيران عمومًا.
تشهد إيران منذ أسابيع اضطرابات شعبية واسعة، اندلعت شرارتها نتيجة التدهور الحاد في الأوضاع الاقتصادية، والانهيار المتسارع لقيمة العملة المحلية، ما أدى إلى تصاعد الغضب الشعبي وسقوط مئات القتلى، وحدوث صدامات عنيفة بين المتظاهرين وقوات الأمن. ورغم وعود الرئيس الإيراني بالنظر في المطالب المعيشية، إلا أن الخطاب الرسمي اتجه إلى اتهام أطراف خارجية بالتحريض على الفوضى، في حين توعّدت القوات المسلحة بالرد على أي تهديد خارجي محتمل.
على الصعيد الدولي، تدرس الولايات المتحدة خيارات مختلفة، من بينها خيارات عسكرية محتملة، بينما تراقب القوى العالمية المشهد الإيراني بقلق، في ظل مخاوف من اتساع رقعة العنف وانزلاق البلاد نحو سيناريوهات أكثر خطورة. ويعكس هذا الواقع انقسامًا داخل بنية السلطة الإيرانية، وعجزًا واضحًا عن احتواء حركة احتجاجية تُعدّ الأكبر منذ عقود. كما ساهمت القيود الصارمة المفروضة على الإنترنت في تعميق عزلة السكان، في وقت تتصاعد فيه الأصوات الحقوقية والدولية المطالبة بدعم إرادة الشعب الإيراني وضمان انتقال سلمي للسلطة.
دخلت الاحتجاجات في إيران أسبوعها الثالث، وشهدت الأيام الماضية مظاهرات واسعة في مدن الأحواز والمحمرة وعبادان، رافقها سقوط قتلى، ما يؤكد أن الأحواز انضمت رسميًا وبقوة إلى هذا الحراك الشعبي. ومن المرجّح أن تحمل الأيام المقبلة مفاجآت من حيث حجم المشاركة واتساع رقعة الاحتجاجات، التي شملت حتى الآن أكثر من 25 محافظة ونحو 60 مدينة.
هذا الواقع يثبت، مرة أخرى، أن الصوت الأحوازي لا يمكن إخماده، وأن المطالب القومية التي رفعها الشعب الأحوازي منذ أكثر من مئة عام، سواء في عهد النظام الملكي البهلوي بمرحلتيه، أو في عهد النظام الجمهوري الإسلامي في مرحلتي الخميني وخامنئي، لا يمكن التراجع عنها أو تجاوزها.
وعند العودة إلى خارطة الاحتجاجات في إيران، يتضح أن القاسم المشترك بين مختلف الحراكات هو السعي للتخلص من نظام ديكتاتوري قمعي. ومن هنا، فإن أي محاولة لاستبدال ديكتاتور بآخر لا يمكن أن تمثل حلًا حقيقيًا. إلا أن هناك محاولات خارجية وإعلامية واضحة لفرض بديل ديكتاتوري جديد على هذه الجموع، يتمثل في الترويج لعودة نجل الشاه.
إن هذا الإصرار الإعلامي، إلى جانب التلميحات السياسية الصادرة عن بعض الدول، قد يؤدي إلى إرباك الشارع الإيراني، أو حتى إلى تراجعه عن الاستمرار في الاحتجاجات، فضلًا عن احتمال تفجير خلافات حادة في مرحلة ما بعد انهيار السلطة. فحتى الآن، لا يوجد إجماع شعبي داخل إيران حول هذا الشخص، خاصة أنه لا يتمتع بمستوى تعليمي أو سياسي يؤهله لقيادة مرحلة انتقالية، كما أنه غير مقبول لدى غالبية الشعوب غير الفارسية، وكذلك لدى التيارات الفارسية الشمولية، بما فيها اليسار الإيراني بمختلف أطيافه، وتنظيم مجاهدي خلق.
إن التيار الملكي، الذي يدعم هذا الطرح، لا يمكن اعتباره البديل المنتظر، ولا الرهان الحقيقي للشعوب الواقعة ضمن الخارطة الإيرانية. فقد أثبت هذا التيار طابعه الفاشي والديكتاتوري خلال مرحلتي حكم رضا خان ومحمد رضا بهلوي، وهو ما يجعل إعادة إنتاجه خطرًا على مستقبل إيران وشعوبها.
وعند تحليل الخارطة السياسية الإيرانية، يمكن تمييز أربعة مسارات رئيسية:
الأول، التيارات الشمولية الفارسية، ويضم ثلاثة أجنحة رئيسية: التيار اليساري، وتنظيم مجاهدي خلق، والتيار الملكي.
أما المسار الرابع، فهو التيار الذي يطالب بالحقوق الإقليمية والقومية للأقاليم غير الفارسية، وهي أقاليم تقع في هامش الدولة الإيرانية ولها امتدادات قومية خارج حدودها السياسية، مثل الأتراك الأذريين، والأكراد، والعرب الأحوازيين، والبلوش، والتركمان.
تشكل هذه الشعوب مجتمعة ما يقارب ثلثي سكان إيران، وقد تعرضت لسياسات ممنهجة من التهميش السياسي، والثقافي، والاقتصادي، سواء في العهد البهلوي أو في عهد الجمهورية الإسلامية. ولذلك، تطمح هذه الشعوب إلى إدارة شؤونها بنفسها، إما من خلال تفكك الدولة المركزية وبناء كيانات مستقلة، أو عبر نظام لا مركزي، يمنح الأقاليم حكمًا ذاتيًا أو فدرالية داخل دولة إيرانية مستقبلية.
ورغم أن خيار الفدرالية أو الحكم الذاتي قد يكون الأكثر واقعية للحفاظ على وحدة الجغرافيا الإيرانية، إلا أن السؤال الجوهري يبقى: هل التيار الملكي، الذي أثبت نزعة عنصرية وعداءً واضحًا تجاه العرب، لا سيما الأحوازيين، يمكن أن يقبل بمنح هذه الحقوق؟
الجواب، وفق المعطيات التاريخية والسلوكية، هو النفي. فهذا التيار يحمل ضغينة عنصرية عميقة تجاه العرب، ولن يسمح بمنحهم حقوقًا مماثلة لتلك التي قد تُمنح للأكراد أو الأذريين مستقبلًا.
من هنا، تبرز خطورة المرحلة، وتتعاظم مسؤولية القوى والتيارات الأحوازية، التي تعاني اليوم من التشرذم والضعف. فهذه القوى مطالبة بإدراك حجم التحدي، والعمل على توحيد صفوفها، وتكثيف حراكها السياسي في هذه المرحلة الحساسة، من خلال مقترح الاتحاد الوطني الأحوازي وهو تشكيل لجنة تواصل دولي فاعلة، تتواصل مع الدول المؤثرة، وعلى رأسها الولايات المتحدة وبريطانيا، إضافة إلى الدول العربية الإقليمية الفاعلة، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية.
تتولى هذه اللجنة التواصل مع السفارات ووزارات الخارجية، وطرح ملف الشعب الأحوازي بوضوح، والمطالبة بضمان حقوقه القومية والسياسية في أي صيغة مستقبلية لإيران. وفي هذه المرحلة، من الحكمة عدم حسم أو فرض الخيار النهائي، سواء كان الاستقلال أو النظام اللامركزي، وترك هذا القرار للظروف المستقبلية وتوازنات المرحلة.
اليوم، الأولوية هي ضمان عدم إعادة إنتاج الديكتاتورية في إيران، ووقف سياسات التهميش بحق الشعب الأحوازي وبقية الشعوب غير الفارسية، وضمان مشاركتها الفعلية في رسم مستقبل البلاد، حتى وإن كان ذلك ضمن نظام لا مركزي. أما إذا دخلت إيران مرحلة الانهيار الكامل، وبدأت ملامح التفكك بالظهور، فإن من حق هذه الشعوب إعادة صياغة خطابها، والذهاب مباشرة نحو خيار الاستقلال.
في المرحلة الراهنة، الخيار الأول هو مواكبة الحراك الشعبي الإيراني، وطرح خطاب سياسي منسجم مع الخطاب العام للاحتجاجات، ولا يتعارض مع التوجهات الإقليمية والدولية، تفاديًا لتهميش القضية الأحوازية مرة أخرى، أو إعادة إنتاج الاستبداد والاستعمار بصيغ جديدة.
الاتحاد الوطني الأحوازي
11 يناير 2026
تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.