البسيتين في ذاكرة المكان والزمان (4)- حامد الكناني

كانت البسيتين مدينةً تولد كل صباح من ضفتيها، كأنها حلمٌ استقرّ على الأرض وقرر أن يبقى. كانت جميلة إلى حدّ أن الناظر إليها يظنّها صدىً لمدينةٍ لم تُولد بعد، أو مدينةً منسية عادت لتُذكّر العالم بوجودها. كان نهر الكرخة يشقّها نصفين، لكنه لم يكن مجرد خطٍ يفصل؛ بل كان كائنًا حيًا، يرسم قلب المدينة بيده المائية، وينبض معها كلما تغيّر مزاج الفصول.

وكان النهر نفسه يحمل في طياته صراع حضارتين عربيتين: على الضفة الجنوبية، حدود الحضارة السومرية، وعلى الضفة الشمالية، شُيّدت الحضارة العيلامية، كأنّهما عالمان متجاوران، كلٌ يرفض الآخر. ولم تهدأ الضفتان، ولم يصطلحا، إلا في عهد الحضارة الميسانية، التي ضمّت الضفتين تحت سقفٍ واحد، كأنّها أمٌّ وسعت أولادها المختلفين في حضنٍ واحد.

وعندما يأتي الربيع، ويعلو منسوب الماء كأن النهر تذكّر فجأة قوته القديمة، كانت الكرخة تفيض عن صبرها، فتغمر الجانب الجنوبي الذي انخفضت أرضه واستسلمت تربته لنداء الماء. عندها كانت الأسر، وقد ورثت هذا الطقس جيلاً بعد جيل، تجمع مواشيها في صمتٍ مهيب، وتدفع بها نحو الشمال، حيث العزيب في المرتفعات الرملية التي تتوّجها جبل مشداخ، كأنه ملجأٌ أعدّته الطبيعة مسبقًا لأيام الغضب.

لهذا السبب، اختارت القوات الفارسية الضفة الشمالية مقرًا للدرك وقواعدها الأمنية والعسكرية، مطمئنةً إلى صلابة الرمل وعلوّ الأرض. غير أنّ الزمن، الذي لا يحفظ ولاءه لأحد، قلب المعادلة. فمع توالي الهجمات التي شنّها المقاومون—أولئك الذين أطلقت عليهم السلطات اسم «الفرّارية»—لم تعد القاعدة الشمالية آمنة، فجرى نقلها، إلى الجنوب الذي طالما خُشيَ من فيضانه.

ومع هذا التحوّل، بدأ الجزء القديم من المدينة يخفت، كشيخٍ تراجع صوته ولم يعد يُسمَع إلا في الذاكرة. تقلّص دوره شيئًا فشيئًا، حتى غدا شبه قرية، تحرسها الذكريات أكثر مما تحرسها الجدران. في المقابل، راحت المدينة الحديثة تنمو في الجنوب، تنمو بعناد الحياة نفسها، حيث شُيّد سوقٌ كبير يضجّ بالخطوات والنداءات والروائح، سوقٌ بمحال واسعة تسدّ حاجات القرى المحيطة، وتختصر في زحامها روح التجارة، ودفء اليومي، ونبض مدينةٍ قررت أن تبدأ عمرها من جديد.

أتذكّر ذلك العام البعيد، قرابة 1979، كما لو أنّ الزمن كان يسير على مهلٍ كي لا يُفلت من الذاكرة. كانت أول انتخابات رئاسية تمرّ على إيران، وكنتُ يومها، برفقة شابٍ لم يكن أقلّ حماسةً من الريح، مسؤولًا عن قرى متناثرة كحبات قمح على ضفتي الانتظار: الخرابة، والدبية، والصاهندي، وغيرها من الأسماء التي كانت تُنطق فتستيقظ معها حكايات الأرض.

وكانت الصاهندي، كما قيل لي، تعريبًا لاسمٍ فارسي اجنبي، «سهند»، مكانًا بدأ ثكنةً للجندرمة، قبل أن يلين مع الزمن ويتحوّل إلى تجمعٍ بشريّ، كأن البشر انتزعوه من قبضة العسكر وعلّموه كيف يصغي لأصوات الأطفال بدل وقع البنادق.

لم يكن بيننا وبين تلك القرى سوى نهر الكرخة، وكان عبوره طقسًا يوميًا يشبه العبور بين عالمين. امتلكنا قاربًا صغيرًا، كنا نسمّيه «ماطور»، لا يتحرّك إلا إذا قادته ماكنة “ياماه” صغيرة، كأنها تفهم سرّ الماء. بذلك القارب كنّا نعبر، نجمع الأصوات، ونجمع معها القصص، ونترك في كل ضفة أثر أقدامنا وكلماتنا.

وفي لحظات الصفاء، كنت أرفع كاميرا قديمة من نوع «يوبيتل 2»، أوجّه عدستها نحو الوجوه والمناظر الشعبية، كأنني أخشى أن تضيع هذه الملامح إلى الأبد. كنت أشتري بكرة الفيلم، أملأها بالضوء والظلال، ثم أرسلها للتحميض، إمّا في البسيتين عند محل بيت خلف الشناوة، أو في الخفاجية، منتظرًا الصور كما يُنتظر خبرٌ من الماضي.

أما نهر الكرخة، فكان قلب البسيتين الحقيقي، شريانها الذي يقسمها ليجمعها في آنٍ واحد. يمضي من وسطها، ثم يصل إلى منطقة الداير، حيث يتشعّب إلى نهرين: أحدهما يشقّ طريقه نحو الخرابة، والآخر ينساب باتجاه السيدية، أو ما يُعرف بـالكسر. وبعد أكثر من كيلومترين، يظهر نهرٌ صغير، خجول كاعترافٍ متأخر، يُدعى «الرُميم»، يربط الفرعين معًا، كخيطٍ سريّ يخيط جسد الكرخة من جديد.

هناك، بين الماء والذاكرة، كانت الحكاية تُروى بلا كلمات، حكاية نهرٍ لا يشيخ، ومدينةٍ تعيش في وجدان أهلها حتى وإن تغيّر وجهها مع السنين.

في ذلك المثلث المائي، حيث تتلاقى الأنهار كما تتلاقى الأقدار، كانت ترقد جزيرة صغيرة تُدعى «أم اشعيفة»، وادعة في حجمها، عظيمة في عطائها. لم تكن جزيرةً عادية؛ كانت مخزنًا سرّيًا للطبيعة، تحتضن ثرواتٍ لا تُقاس بالذهب، بل بما يبقي البيوت دافئة والليالي محتملة. كانت أشجار الزور والخرنوب تغطيها كعباءةٍ خضراء، يعتمد عليها الناس وقودًا شتويًا، يطرد عنهم برد المواسم القاسية.

ومع انقضاء الصيف، كان الحطّابون يرفعون أبصارهم نحو مرتفعات مشداخ والرمال المحيطة بها، كما لو أنهم يستشيرون الأرض قبل أن يأخذوا منها. يجمعون الحطب، ويحملونه إلى البسيتين ليباع، بينما كانت قوارب خشبية كبيرة، تُعرف باسم «الدانگ»، تشقّ طريقها من جهة الفنيخي. كانت هذه القوارب أضخم من المشاحيف، محمّلة بحزمٍ كثيفة من الخرنوب المجفف، المعدّ للتدفئة ولإشعال تنور الخبز في ليالي الشتاء الطويلة. عند وصولها، كان الأهالي يتقاطرون إلى ضفة النهر، يشترون تلك الباقات كما لو كانوا يشترون دفئًا مؤجلًا، ويخزّنونها انتظارًا للأيام الباردة.

غير أن سكان الأحياء القريبة من أم اشعيفة لم يكونوا ينتظرون القوارب. كانوا يعبرون مباشرة إلى الجزيرة، يقطعون الزور والخرنوب معًا، وينقلونه إلى بيوتهم، كأن بينهم وبين الأشجار عهدًا قديمًا. لكن حيثما وُجد الوقود، وُجد النزاع. كثيرًا ما اشتعلت الخصومات في الجزيرة، بين الجيران وأهل القرى، بسبب هذا الخير الذي لا يكفي الجميع.

ويُروى—والرواية هنا أقرب إلى الأسطورة منها إلى الحكاية—أن رجلًا كان منشغلًا بقطع شجر الزور، غارقًا في عمله، حين اقترب منه جارٌ ليشاركه القطع. وفي لحظةٍ عابرة، خان الجسدُ صاحبه، فأخرج هواءً من بطنه، فسمعه الجار وضحك. لم يكن الضحك في ذاته هو الجريمة، بل وقته ومكانه. فما إن انطلقت القهقهة، حتى اشتعل النزاع، وتحول في طرفة عين إلى خصومةٍ عمياء، تمدّدت من الرجلين إلى عشيرتيهما، كما تتمدد النار في الهشيم. بلغ الخبر شيخ القرية المجاورة، وكان بينه وبين الرجل الأول صلة دمٍ لا تنسى. فأصدر حكمه، مؤيدًا من سُخر منه، ومنع الآخر من النزول إلى جزيرة أم اشعيفة، كأن الأرض نفسها قد أغلقت أبوابها في وجهه. ومنذ ذلك اليوم، صار الناس يرددون مثلًا شعبيًا، كلما اجتمع الوقود والخصام في مكانٍ واحد: «متّن تيسك واحميلك زورة».

وما زالت الجزيرة، إلى اليوم، تحفظ تلك الحكاية في جذوع أشجارها، وتهمس بها للنهر كلما مرّ صامتًا بجوارها. ولا يكتمل الحديث عن جزيرة أم اشعيفة من دون الالتفات إلى سرّها الأعمق، ذلك الذي لا يظهر للعين إلا لمن يصغي إلى الأرض جيدًا. فقد شهدتُ بنفسي، في بعض بقاعها، تدفّق النفط من باطن التراب، كأن الجزيرة كانت تنزف ذهبًا أسود بصمت، محتفظة بثروتها بعيدًا عن ضجيج العالم. كانت الأرض هناك غنيّة إلى حدّ الفضيحة، غير أن هذه الوفرة ظلّت حبيسة الأعماق؛ إذ سارعت السلطات الإيرانية لاحقًا إلى إغلاق تلك الحقول الصغيرة، ومنعت استثمارها، فبقيت الموارد مدفونة، كما تبقى الأحلام الكبيرة في صدور الفقراء، معروفة الوجود، محرّمة المنال.

وحول نفط أم اشعيفة، تناقلت الألسن حكاية لا تُنسى، رواها أحد المُعيبرجية—وهو رجل اشتهر بالمبالغة، حتى بات الناس يصغون إليه لا طلبًا للحقيقة، بل شغفًا بالدهشة. والمُعيبر، كما هو معروف، رجل النهر، من كانت مهمته نقل الناس بين ضفتي الكرخة بالمشاحيف، في زمنٍ سابق على جسر البسيتين الوحيد، حين كان العبور امتحانًا يوميًا للشجاعة والصبر.

قال ذلك المعيبر، وقد وسّع عينيه كمن يستحضر مشهدًا سماويًا: إن طائرةً سمتية هبطت ذات يوم في جزيرة أم اشعيفة، وعلى متنها عباس هويدا، رئيس وزراء إيران، جاء بنفسه ليرى النفط وهو يخرج من الأرض، كمعجزة لا تحتاج إلى شرح. غير أن السماء، وكأنها لم تُعجب بالزيارة، قلبت مزاجها فجأة؛ هبّت رياحٌ عاتية، وانهمر المطر بغزارة، فعجزت الطائرة عن الإقلاع، وبقي هويدا عالقًا في الجزيرة، بين الوحل والنفط والماء.

عندها—يواصل المعيبر حكايته—جاء الجندرمة إلى منزله في ساعةٍ لا تُطرق فيها الأبواب عادة، وطلبوا منه إنقاذ رئيس الوزراء. لكن النهر كان هائجًا، مائجًا كغضبٍ قديم، وأمواجه أعلى من أن يواجهها قاربٌ خشبي. وقف المعيبر لحظة، فكّر كما يفكّر من لم يعد لديه ما يخسره، ثم دخل بيته وخرج بـطشتٍ بلاستيكي. عبر النهر سباحة، متحديًا الماء والريح، ووضع هويدا في الطشت، ورفعه فوق رأسه، ومضى يشقّ طريقه عائدًا، كأن النهر نفسه قد هدأ احترامًا للمشهد. وبطريقةٍ لا يفسّرها عقل، وصل إلى الضفة الأخرى سالمًا، حاملاً معه رئيس الوزراء، والطشت، وحكايةً ستعيش أطول من النفط نفسه.

ومنذ ذلك اليوم، لم يعد الناس في البسيتين يفرّقون كثيرًا بين الحقيقة والخيال؛ فكلتاهما، في تلك الأرض، كانتا تخرجان من باطنها بالسهولة ذاتها. ولم تكن تلك الحكاية أغرب ما أنجبته ضفاف الكرخة؛ فثمّة قصة أخرى، لا تقل عنها طرافة، تتعلّق بإحدى قريبات ذلك المُعيبر نفسه. كانت امرأة اعتادت أن تعرّف عن نفسها بثقةٍ لا تخلو من زهو، قائلة: «نحن الحكومة». وحين يستوقفها الناس، مدفوعين بالفضول أو بالسخرية، ويسألونها عن سرّ هذه الصلة المزعومة، كانت تبتسم ابتسامةً وادعة وتجيب: «ابن خالتي يعمل معيبرًا عند الجندرمة!». عندها، كانت الضحكات تتطاير كما تتطاير أسراب الطيور فوق الأهوار، وتتحوّل العبارة إلى نكتة شعبية، ثم إلى حكاية، ثم إلى أسطورة صغيرة، تتناقلها الألسن في الأسواق والمضايف، ويرددها الصغار قبل الكبار، حتى غدت جزءًا من ذاكرة المكان، لا يقل ثباتها عن ثبات النهر نفسه.

تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.

موقع ويب تم إنشاؤه بواسطة ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑