
كم بدت حكايات الأحوازيين عن رحلة اللجوء مضحكة في ظاهرها، مبكية في جوهرها، ومؤلمة حين تُروى كاملة. كانت تُحكى غالبًا بضحكةٍ ناقصة، ضحكة من نجا ليحكي، لا من نجا لينسى. ففي كل روايةٍ عن اللجوء، كان هناك وطن يُترك خلف الظهر، وذاكرة تُسحب كظلٍّ ثقيل، وخطوة أولى تُشبه القفز في بئرٍ لا يُعرف عمقها.
روى لي أحدهم ذات مساء، وكأنّه يستعيد حلمًا قديمًا لم يكتمل، قصة سفرهم إلى باكستان، تلك البلاد التي ظنّوها معبرًا، فإذا بها امتحانًا طويلًا للجوع والخوف وسوء الحظ. حدّثني عن المآسي التي لاقوها هناك، وعن المصائب التي كانت تنتظرهم كما تنتظر الفخاخ أقدام العابرين، وعن صديقٍ لهم اسمه مايود، كان مختلفًا عنهم جميعًا، لا في شكله ولا في لغته، بل في قلبه الذي كان أبيض أكثر مما ينبغي لعالمٍ كهذا.
قال إن الحكاية بدأت بعد أن حصلوا على شهادات الدبلوم من الثانوية العامة في إيران. كانوا شبابًا عربًا، مفعمين بالطموح، يظنون أن العلم جواز عبور، فإذا به ورقة بلا قيمة في بلدٍ لا يرى فيهم سوى لهجتهم وأسمائهم. حُرموا من الجامعات، لا لعجزٍ في عقولهم، بل لأن السلطات كانت ترى في عروبتهم نقصًا، وفي أحلامهم تجاوزًا غير مسموح به.
عندها قرروا الرحيل. لم يكن القرار سهلًا، لكنه بدا أقل قسوة من البقاء. سلكوا طريق باكستان، لأن الجميع كان يقول إن أوروبا تبدأ من هناك. تحمّلوا مشقّات الطريق، ذاقوا الضرب والإهانات على أيدي المهرّبين، وتعلّموا منذ الأيام الأولى أن الرحلة لا ترحم من يتأخر عن الشك. وحين وصلوا أخيرًا إلى كراتشي، العاصمة التي استقبلتهم بضجيجها وغبارها وبحرها الثقيل، ظنّوا أن الأسوأ قد انتهى.
لكن بعد ثلاثة أيام فقط، اكتشفوا أنهم خسروا كل ما يملكون. سُرقت نقودهم، وتبخّرت وعود المهرّبين، ووجدوا أنفسهم غرباء بلا مال، بلا طريق، وبلا قدرة حتى على العودة. وكان السبب، كما قال الراوي وهو يهزّ رأسه بأسى، طيبة قلب مايود.
كان مايود يصدّق الناس كما يُصدّق الأطفال الحكايات. دفع للمهربين كل ما لديهم مقدّمًا، وحين حاولوا منعه، ابتسم بثقة وقال له:
«أنت قلبك أسود… تسيء الظن بالناس دائمًا.»
لم يكن يعلم، ولم نكن نعلم، أن تلك الجملة سترافقهم طويلًا، كأنها نبوءة صغيرة قيلت على عجل، ثم بدأت تتحقق خطوةً خطوة، في مدنٍ لا تعرف الرحمة، وعلى طرقٍ لا تعترف بالنيّات الطيبة.
ما إن استلم المهربون الثلاثة النقود، حتى اقتادونا إلى بيتٍ صغيرٍ وهرِم في أطراف كراتشي، كأنه خرج من زمنٍ منسيّ ولم يعد إليه أحد. فتح الباب رجلٌ عجوز، نحيل كظلّ المساء، وكانت تقف خلفه عجوزته، تراقبنا بعينين مطفأتين كأنهما رأتا كثيرًا من العابرين مثلنا، وكثيرًا من الخيبات.
كان البيت آيلًا للسقوط، شبه متروك، يتكوّن من ثلاث غرف طينية متشققة، ومطبخٍ ضيق، وحمّام بلا باب، كأن حتى الخصوصية قد هجرت المكان. أشار لنا العجوز إلى إحدى الغرف، فدخلناها بخطى مترددة. كانت مفروشة بقطعتين من موكيتٍ عتيق، تفوح منهما رائحة الرطوبة والسنين، وفي الزاوية تراكمت خمس بطانيات بالية وثلاث وسائد نوم، تشهد على ليالٍ طويلة نام فيها غرباء مثلنا وهم يعدّون أنفاسهم.
على الجدار الأيمن، تعلّقت ثلاث آياتٍ من القرآن، متعبة الأطراف، كأنها تحاول أن تمنح الغرفة شيئًا من الطمأنينة. وفي الجدار المقابل، كانت صورة كبيرة لرجل دين بعمامة ضخمة، عيناه محدّقتان على نحوٍ مقلق، ولحيته كثيفة وغير مرتّبة، وخلف رأسه شمسٌ مشعّة، يتوسّطها رأسه كما لو أنه مركز الضوء كلّه. حاولت أن أقرأ الكلمات المكتوبة أسفل الصورة، لكن اللغة الأوردية بدت لي كطلاسم لا تُفكّ، تزيد المكان غموضًا وثقلاً.
لم تمضِ دقائق حتى عادت العجوز تحمل إبريق شاي، سكبت لنا بصمت، ثم انسحبت كما جاءت. جلسنا جميعًا نحتسي الشاي، نراقب الجدران ونراقب أنفسنا، وكأننا نختبر صدق المكان قبل أن نثق به. وبعد أن غادر المهربون، عاد أحدهم بعد ساعة، يحمل كيسًا ممتلئًا بالخبز والكباب، كأنه يريد أن يسكّن شكّنا بلقمةٍ ساخنة.
كان مايود أكثرنا حماسًا. ما إن بدأنا بالأكل حتى التفت إليّ مبتسمًا، وقال وهو يمضغ بثقة:
«دشوف اشلون ذول أولاد حلال… وانت گلبك أسود عليهم!»
نظرت إليه، إلى عينيه الصافيتين، وقلت له وأنا أحاول أن أخفي قلقي:
«من لحم ثوره واطعمه يا أخي مايود…»
لم يكن يعلم، ولم نكن نعلم، أن تلك الوجبة ستكون أول علامة على فخٍ يُغلق بهدوء، وأن الطيبة، في تلك الليلة، كانت أثقل علينا من الجوع نفسه.
وبعد أن فرغنا من أكل الكباب، قال المهرب بصوتٍ مطمئن، كأنه يوزّع وعدًا لا شكّ فيه:
«عند الفجر ستأتيكم سيارة تنقلكم إلى المطار، ناموا جيدًا.»
صدّقناه، أو تظاهرنا بالتصديق، وتمددنا على البطانيات البالية، نحاول أن ننام فوق قلقٍ لم يجد له مكانًا. لكن الليل لم يمهلنا كثيرًا. بعد منتصفه بقليل، شقّ الصمتَ صراخٌ مفاجئ، تبعه صوت ارتطامٍ عنيف على باب الغرفة الخشبي. كان الرجل العجوز يطرقه بكل ما بقي في ذراعيه من قوة.
فتحنا الباب، فوجدناه واقفًا أمامنا، يرتجف كما لو أن البرد قد تسلّل إلى عظامه، وعيناه تسبقان صوته. كان يشير لنا بعجلة أن نخرج فورًا، وفتح الشباك المطلّ على الزقاق الخلفي للمنزل. وفي الخلف، كانت عجوزته تهمس ثم تصرخ:
«بوليس… بوليس!»
وتشير بيدٍ مرتعشة إلى الباب الرئيسي.
لم نسأل، لم نفكّر. قفزنا من الشباك واحدًا تلو الآخر، كأن الخوف صار أقدامًا تدفعنا. تفرّقنا في أزقة الحيّ الفقير، كلٌّ يهرب في اتجاه، وكلٌّ يحمل ليلته على ظهره. اختفينا بين الجدران المتشققة والظلال الطويلة، نلهث، نراقب أنفاسنا، وننتظر الصباح.
عند الفجر، التقينا من جديد في ساحةٍ قريبة من المنزل. وقفنا نراقب المكان من بعيد، نعدّ خطواتنا قبل أن نقترب. تقدّمت أنا، طرقت الباب، فلم يجبني أحد. طرقت مرةً أخرى، فكان الصمت أثقل من الإجابة. عندها خرج أحد الجيران من بيته، فسألناه عن العجوز وزوجته.
نظر إلينا باستغراب وقال:
«أي عجوز؟ هذا البيت متروك… لم يسكنه أحد منذ سنوات.»
وقعت الجملة علينا كحجرٍ بارد. بحثنا بعدها عن المهربين الثلاثة، قلبنا الشوارع، وسألنا كل من يمكن أن يدلّنا عليهم، لكنهم كانوا قد تبخّروا، كأنهم لم يكونوا سوى حكاية كاذبة.
وفي النهاية، لم نجد سوى مايود، وطيبة قلبه، لنعلّق عليهما كل خيباتنا، كأن البراءة كانت الجريمة الوحيدة في تلك الليلة.
بقينا في باكستان شهورًا طويلة، كأن الزمن فيها توقف عن السير، أو كأننا نحن من توقفنا عن الحياة. في النهار، كنا نجوب الشوارع بلا هدف سوى البحث عن عمل أو عن مهربٍ يفتح لنا باب أوروبا. وفي الليل، كنا نفترش على الأرض ونلتحف بأوراق الكرتون في الحدائق العامة، نختبئ بين الأشجار وكأننا نحتمي من العالم كله.
كانت العودة بالنسبة إلينا مستحيلة، لا تُقاس فقط بالمسافة، بل بالخطر الذي يلتهم من يحاول الرجوع. فالعودة تعادل الموت، أو السجن، أو الخيانة. لذا بقينا على هذا الحال، ننتظر الفرج، ننتظر أي شيء يخلصنا من هذا الجحيم الصغير الذي أصبح بيتنا.
وفي يوم من الأيام، ظهر رجلٌ إيراني اسمه جمشيد. كان يعيش في إحدى الدول الأوروبية، وقد جاء إلى باكستان لنقل أخيه الذي التحق بنا بعد قدومه من إيران. تعرّفنا عليه، وطلبنا منه المساعدة. وعندما سمع بمأساتنا، عرض علينا صفقة تبدو في البداية كحلمٍ يلوح في الأفق:
«سأنقلكم إلى إحدى الدول الأوروبية، لكن بشرط واحد… أن تحملوا أحزمةً بيضاء لا نعرف ما بداخلها.»
كان واضحًا أن الأمر ليس بريئًا، وأن الحزام الأبيض على الأغلب يحمل مخدرات أو شيئًا أسوأ. لكن وضعنا كان مأساويًا، والجوع والخوف أصبحا رفيقين لا يفارقاننا. لم نرفض العرض. وفي تلك اللحظة، كان مايود أكثرنا حماسًا، حتى أنه تبرع أن يكون أول من يغامر بنفسه، ويضع الحزام الأبيض على خاصرته ليُقله إلى أوروبا. كان يقول لنفسه:
«لو بيها… لو بالجانيها.»
ذهب جمشيد مع مايود، وعاد في اليوم التالي. لكن المفاجأة كانت في مايود نفسه: جاء كاشخًا، يحمل جواز سفر جزائري، وكان في تلك الفترة دخول حاملي الجواز الجزائري إلى أوروبا يتم بدون تأشيرة.
ثم جاء المساء، وذهب مايود مع جمشيد وأخيه، بعد أن اشترط عليه جمشيد شيئًا غريبًا:
«لا تقترب منهم، ولا تكلمهم. راقبهم من بعيد، اتبع خطواتهم، وقلّد كل ما يفعلونه… ولا تجلس بجانبهم ولا تتكلم معهم مهما كانت الظروف.»
كان ذلك الشرط يضعه في موضع الشاهد، لا في موضع الرفيق. كأن حياته أصبحت مجرد أداة تُستخدم، دون أن يعرف ماذا يخبئ له القدر في نهاية الطريق.
انقطعت أخبار مايود عنا بعد ذهابهم، وكأن الهواء نفسه ابتلع اسمه. أما جمشيد، الذي وعدنا بالعودة بعد خمسة أيام، فلم نسمع عنه شيئًا أيضًا، وكأن الوعد كان مجرد وهمٍ يُلقى في وجه الجوع.
ظلّنا في حالة ترقّب وانتظار، شهورًا طويلة، كأن الزمن في باكستان صار زمنًا معطّلًا. نعيش كل يوم على أملٍ صغير، ننتظر أن يفتح لنا بابٌ ما، أو أن تهتزّ الأرض تحت أقدامنا لتخرج لنا من هذا السواد. حتى جاء الفرج، ليس من البشر، بل من هيئةٍ دولية: المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة. نقلتنا إلى السويد، فصارت حياةٌ جديدة تُكتب لنا على ضفاف الشمال البعيد.
مرت سنوات على ذلك الحدث، ولم أفقد الأمل في العثور على صديقي مايود. كان اسمه يطاردني كحلمٍ لم يكتمل، وكأنه ظلٌ يرافقني في كل شارعٍ جديد. وبعد بحثٍ وتعقيب، حصلت على رقمٍ له، بعد أن وصلتني أخبارٌ تقول إنه يعيش في إسبانيا، ومعروف هناك باسم يحيى.
تحدثتُ معه عبر الهاتف، ثم سافرتُ إلى هناك، ونزلتُ ضيفًا عليه. جلستُ أمامه، ألتقط أنفاس الماضي، وأسأله عن ما جرى في تلك الرحلة، رحلة الحزام الأبيض. فبدأ يروي قصته، وكأنها تتلو على شفتيه فصلًا من زمنٍ آخر…
سافرنا من باكستان إلى أمستردام، ومعي جواز سفر جزائري، وكان اسمي في الجواز يحيى. جلستُ خلف الأخوين جمشيد وخسرو في الطائرة، وكان كل شيءٍ يبدو عاديًا، حتى وصلنا مطار أمستردام. هناك، في زحمة المسافرين، تلاشى الأخوان من نظري كما يختفي الناس في سوقٍ كبير. بقيتُ في صالة الانتظار، أدوّر وجهي يمينًا ويسارًا، وأنتظر ساعاتٍ وساعات، دون أن أرى جمشيد أو خسرو. ثم أخذني النعاس، ونامت عيوني على الكراسي الباردة في صالة الترانزيت، كأنني جسدٌ منهكٌ تخلّى عنه العالم.
في الصباح، جاء عمال التنظيف، وسمعت صوتًا يوقظني من النوم. فتحت عينيّ، فإذا بامرأةٍ سمراء تقف فوق رأسي، تتحدث إليّ باللغة الإنجليزية. حين أدركتُ أنني لا أفهم كلمة واحدة، تحولتْ إلى اللهجة المغربية، لكنني أيضًا لم أتمكن من فهمها. فأخبرتها أنني كنت مع أصدقائي، وضيّعتهم هنا. سألتني عن تذكرتي، فأعطيتها الجواز والتذكرة معًا. وعندما رأت الجواز الجزائري، بدأت تتحدث إليّ بالفرنسية.
وهنا كانت المصيبة الكبرى.
لم أكن أعرف كلمة واحدة من الفرنسية.
وفجأة، عاد بي الزمن إلى طفولتي، إلى أيام المدرسة الابتدائية، وإلى معلمي الفارسي السيد مرادي. تذكرت كيف كان يمنعنا من التحدث بالعربية، وكيف كان يفرض علينا غرامة إذا تكلمنا بها داخل الصف. كانت الغرامة تُوضع في صندوق صغير على طاولة المعلم، وكانت عبارة عن اثنين غران، وكأن اللغة العربية جريمة تُدفع ثمنها. كان السيد مرادي يفاخر بفارسيته، ويقرأ علينا كل صباح شعرًا من قصائد الفردوسي، التي كانت تذم العرب وتحتقرهم.
تذكرت معلمي، وتذكرت تلك السنوات التي جعلتنا نكره لغتنا، ونكره أنفسنا معها. وفجأة أدركت أن ما كان يقال لنا عن الفارسية بأنها لغة عالمية كان كذبًا.
فلم أعد أستطيع إلا أن ألعن ذلك المعلم، والعن كل من جاء باللغة الفارسية إلى موطني.
ساعدتني المرأة، فبدت لي كأنها امرأةٌ جاءت من عالمٍ آخر، لا تعرفه لغتي ولا تعرفه حيرتي. أخذتني إلى مكتب التذاكر، وقامت بتعديل تذكرتي كما يعدل الناس مسارات القدر. قالت لي بهدوءٍ غريب:
«اجلس هنا، وعند الساعة العاشرة صباحًا ستتجه إلى البوابة رقم خمسة، ومن هناك إلى مدريد.»
جلستُ، وكنت كمن يجلس على حافة حلمٍ لا يدري إن كان سيصير حقيقةً أم كابوسًا آخر. ثم أتى الصباح، وركبت الطائرة، وخرجتُ من أمستردام إلى مدريد، وفي النهار وصلتُ إلى مدينةٍ لا أعرف عنها سوى اسمها، وكأنها قارة جديدة في خرائط الوجود.
لكن المطار كان بوابةً أخرى لا تقل قسوة عن البوابة الأولى.
عند دخولي، أوقفني ضابط جوازات إسباني، نظر إلى جوازي، ثم تحدث إليّ بالفرنسية. لم أجب، لأنني لم أفهم ما يقول. كان الكلام يخرج من فمه كأنه سحرٌ لا أمتلك له مفتاحًا. عندها، أخذوني وحجزوني في غرفةٍ معزولة، وحيدة، كأنني جريمةٌ صغيرة أو سرٌ لا ينبغي أن يُكشف.
وكنتُ لا أزال أحتفظ بالحزام الأبيض اللعين على خاصرتي، كأنّه جزءٌ مني، أو جزءٌ من قدرٍ أُلبسَه دون أن أطلبه.
بعدها، جاءني مترجم عربي. قال لي بصوتٍ هادئ:
«إنهم يريدون التأكد من أنك جزائري فقط. هل تعرف أحدًا في مدريد؟ هل لديك رقم هاتف أو عنوان شخصٍ ما، حتى نستدعيه لكفالتك؟»
تذكرتُ حينها رقم هاتفٍ أعطاني إياه الإيراني جمشيد، عندما كنا في طريق المطار في باكستان. مددتُ يدي إلى جيبي، أخرجت الرقم، وأعطيته للمترجم. خرج المترجم، وتركني وحدي في الغرفة، مع الحزام الأبيض ومع الخوف.
وبعد يومين من الاحتجاز، دخلتُ غرفة الحجز رجلٌ كبير في السن، أنيقٌ وطويل القامة، يحمل حقيبةً معه. فتح الباب، وأشار لي أن أقوم وأخرج معه. خرجنا معًا، وكنت أظن أنني سأخرج إلى الحرية، أو إلى الموت، أو إلى شيءٍ بينهما.
لكن في خارج المطار كانت هناك سيارة سوداء تنتظرنا.
كانت السيارة تشبه سيارات الاستخبارات الإيرانية، تلك التي تُشبه أحلام الأطفال عندما يروْنها في الحلم، فتستيقظ قلوبهم متسارعة. كانت السيارة سوداء، ثقيلة، كأنها تمشي ببطء على الأرض، وتسمع فيها همسات الخوف قبل أن تسمع أصوات المحركات.
وبدأت الرحلة، وبدأتُ أدرك أنني لم أخرج من المطار إلى مدينةٍ جديدة، بل خرجتُ من غرفةٍ إلى شبكةٍ من الأسلاك، تُسحبني نحو مجهولٍ أكبر.
جلس الرجل الوسيم جنبي في المقعد الخلفي للسيارة، وكأنّه كان يقودني إلى مصيرٍ مكتوب، لا إلى مدينةٍ جديدة. انطلقت السيارة مسرعةً نحو مركز مدريد، وكأنّها تجرّني إلى قلب عالمٍ لا يعرفني. وكلما اقتربنا من المركز، ازدادت العمارات ارتفاعًا وكثافة، حتى بدت كأنها طبقاتٍ من الزمن تُبنى فوق بعضها، وتُحكم على من يسكنها بأن يكون صغيرًا.
الرجل الوسيم كان يكلمني، لكن كلامه كان كأنه نهرٌ بلغته غير مفهومة. لم أستطع أن أقرأ على شفتيه معنىً، ولا أن ألتقط من نبرته سوى شيءٍ من التهديد. وكل ما كان يدور في رأسي في تلك اللحظة، هو الهروب، الهروب من السيارة، ومن الرجلين، ومن القدر الذي ألصقني بهم.
بعد نصف ساعة من السير، توقفت السيارة أمام بنايةٍ حمراء. نزل الرجل الوسيم منها، ووقفت لحظةٍ كأن الزمن توقف. عندها فهمتُ أن هذه فرصتي.
فتحت الباب وركضت بكل قوتي، كأنني أركض من نفسي. دخلت في شارعٍ ضيّق بجانب العمارة، يلتفّ حوله الجداران كأنهما يختبئان من الضوء. كانت السيارة قد حاولت الدخول، لكنها لم تستطع، فبدأ الرجلان يركضان خلفي.
كنت أركض وأنا أقول لنفسي:
“المن تريد الحيل يابو اسكينة”
وكأنني أستنجد بماضٍ قديم، أو بأحدٍ من أولئك الذين عرفوا كيف يهربون من المصير.
زاد سرعتي، وزادت همّتي، حتى اختفى الصوت خلفي، واختفى الظل. وفي النهاية، تمكنتُ من الهروب، من الإفلات، من هذه اليد التي كانت تسحبني نحو مجهول.
ظللت أدوّر في الشوارع، كمن يبحث عن وطنٍ ضائع. وفي أحد الشوارع، رأيت ثلاثة رجال ملتحين يدخلون عبر بابٍ كبير. دخلت خلفهم، كأنني أدخل إلى ملاذٍ لا أعرفه، ووجدت نفسي في ساحة مسجد، والناس تؤدي الصلاة كأنها طقوسٌ لا تتغير مع الزمان.
خلعت حذائي، وحملته معي، وذهبت إلى صف المصلين، والحزام الأبيض اللعين لا يزال على خاصرتي، كأنه جزءٌ مني لا يفارقني. وقفت خلفهم، وبدأت أصلي.
لكنني لم أكن أعرف أن هؤلاء الناس يكتفون الأيدي حين يصلون. فشاهدني أحدهم وأنا لم أكتفِ الأيدي، فاقترب مني بعد الصلاة وقال:
«السلام عليكم، أخي المسلم.»
قلت له: «سلام».
ابتسم ابتسامةٍ خفيفة، ثم قال:
«من أي بلد أنت؟»
أجبته بكل بساطة:
«أنا من الجزائر.»
ضحك الرجل، ضحكًا لم يكن فيه سخرية، بل كان ضحكًا من شيءٍ يعرفه جيدًا، ثم قال:
«أنا من الجزائر يا أخي! لكن الجزائريين لا يردون التحية بكلمة سلام فقط كما يفعل الأعاجم. الجزائريون يكتفون الأيدي حين يصلون، ولا يحملون أحذيتهم معهم داخل المسجد، بل يتركونها عند الباب.»
ضحكني الرجل، وقلت له وأنا أبتسم:
«آسف… أنا عربي من إيران.»
توقف لحظة، ثم قال بدهشةٍ خفيفة:
«كيف دخلتم إلى إيران إذ أنتم عرب؟»
فأجبته بجملةٍ خرجت من عمق تاريخٍ مؤلم:
«نحن لم ندخل إيران أصلًا، وإنما إيران هي من دخلت فينا!»
ضحك الرجل، وضحكته كانت مثل فتح بابٍ صغير في غرفةٍ مغلقة، ثم سألني:
«هل تقيم أو تعمل في هذه المنطقة؟»
قلت له:
«كلا… أنا جديد الوصول هنا ولا أعرف أحدًا.»
فأخذني الرجل معه إلى منزله، وكأنه يفتح لي بابًا لا يُغلق. بقيت يومين هناك، ثم وجد لي عملًا في مطعم جزائري قريب من المسجد. كان الرجل طيبًا وكريمًا جدًا، لكنّه كان يزعجني أحيانًا حين يصطحبني إلى المسجد أربع مرات في اليوم، وفي صباحٍ باكرٍ وأنا ناعس، والحزام الأبيض اللعين على خاصرتي، أشعر أنني أحمل عبئًا لا يرحم.
مكثت في المطعم أكثر من شهرين، وتعلّمت العربية بشكلٍ جيد. صرت أتحدث مع الزبائن وزملائي دون أن أستخدم مفرداتٍ فارسية، وصار الناس يضحكون عندما أحييهم بكلمة «سلام»، ثم يعيدونني إلى الطريق الصحيح، ويعلّمونني أن التحية الصحيحة هي:
«السلام عليكم»
ويجب أن يكون الرد:
«وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته»
أو على الأقل: «عليكم السلام».
وفي مساءٍ من الأيام، دخل إلى المطعم رجلٌ إيراني برفقة شابٍ جزائري. سألته عن صديقنا الإيراني جمشيد وأخيه خسرو، ووصفتهما له، وقلت له:
«لهم أمانة عندي، وأبحث عنهم لأعطيهم الأمانة.»
وعدني الرجل الإيراني بأنه سيبحث عن جمشيد وأخيه. وفي اليوم التالي، توقفت السيارة السوداء عند باب المطعم. عرفت السائق الذي هربت منه بعد خروجي من المطار، فكان أول شيءٍ خطر في بالي هو الهروب مرةً أخرى.
اتجهت نحو الباب الخلفي للمطعم، وركضت كما لو أنني أهرب من شبحٍ لا يترك أثرًا، هربت لأنني لم أكن أعرف ما الذي ينتظرني، ولم أكن أريد أن أعود إلى ذلك المكان الذي لا يُنقذ منه أحد.
استأجرت غرفةً في فندقٍ قريب من المطعم لثلاث ليالٍ، كأنني أشتري وقتًا لأتنفس. كانت الغرفة صغيرة، لا شيء فيها سوى سريرٍ وكرسيٍّ رثّ، لكنني شعرت فيها بطمأنينةٍ غريبة، كأن الجدران لا تعرف ما معنى “القبض” أو “التهديد”. في تلك الليالي كنت أراقب المطعم من بعيد، كمن يراقب نافذةً في بيتٍ مهجور، أبحث عن السيارة السوداء التي كانت تلاحقني كظلٍ لا يُفارق صاحبه.
بعد ثلاثة أيام، لم أرَ السيارة، ولم أسمع صوتها، فتأكدتُ أنني نجوت من تلك اليد التي كانت تريد أن تعيدني إلى قفصٍ لا يُرى. دخلتُ المطعم مرةً أخرى، وكأنني أعود إلى مكانٍ قد تُرِك فيه جزءٌ من روحي.
فجاء زميلي الجزائري، عزام، إلى جانبي، ووجهه يحمل دهشةً لم تُخفِها الكلمات، فقال لي بصوتٍ مزيجٌ من الاستغراب والقلق:
«أين كنت يا رجل؟! العالم كلها تبحث عنك… لماذا هربت؟»
قلت له ببساطة:
«خفت من الشرطة!»
ابتسم عزام، ثم قال لي بنبرةٍ تكاد تُغلق الباب على الخوف:
«أي شرطة يا رجل؟ أنت من طلبت صاحب السيارة السوداء، وهو إيراني اسمه جمشيد، وله أمانة عندك، وترك رقم هاتفه هنا.»
فأخرجت هاتفي واتصلتُ بجمشيد، وقلت له مازحًا:
«لا تأتيني بالسيارة السوداء مرةً أخرى!»
وبعد فترةٍ قصيرة، جاء جمشيد، ومعه جاء الفرج في هيئة إنسانٍ. عندها تخلصتُ من الحزام الأبيض اللعين الذي لم أعرف حتى اليوم ما كان يحتويه. كانت تلك اللحظة كأنني خلعت قيدًا من جسدي، وكنت أتنفس لأول مرة منذ أيامٍ طويلة دون خوف.
فهمتُ بعد ذلك أن الرجل الكبير في السن، الأنيق، الذي جاء إلى المطار، كان محاميًا أرسله جمشيد لكفالتي وإخراجي من المطار. وأن السيارة السوداء كانت سيارة جمشيد نفسه، وأن كل ما حدث كان جزءًا من خطةٍ لا أعلم تفاصيلها.
ثم حاول جمشيد أن يكافئني بمبلغ من المال، لكنني رفضت المكافأة. قلت له:
«ساعد أصدقائي الذين بقوا في باكستان، وانقلهم إلى أوروبا فقط.»
وعدني بذلك، لكنه لم يفعل.
فقلت له، وكأنني أُسدل الستار على فصلٍ من حياتي:
«لا بأس يا صديقي… بعد ما ذهبت أنت مع المهرب، جاء الفرج لنا، وسافرنا ودخلنا السويد، بدون أن نحمل الحزام الأبيض اللعين معنا!»
وبكى مايود، وهو يتذكر ما حدث، وقال بصوتٍ ثقيل:
«آه لو كنت أعلم أنكم لستم بحاجة إلى جمشيد وحزامه اللعين، لتخلصت منهم في مطار أمستردام وطلبت اللجوء هناك!»
تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.