
كتب أحد الكتّاب صباح اليوم السبت 25 يناير 2026 عن العدد الحقيقي لضحايا الأحداث الدموية الأخيرة في المدن والأقاليم الإيرانية، مشيرًا إلى أن مقاطع الفيديو التي ظهرت بعد تخفيف القيود على الإنترنت كشفت عن مستويات واسعة من العنف خلال احتجاجات يناير، ما أثار صدمة عامة وتساؤلات جدّية حول الرواية الرسمية. فقد أعلنت السلطات مقتل 3,117 شخصًا، ووصفت الغالبية منهم بـ«الشهداء»، محمّلة المسؤولية لعناصر مسلحة وتدخلات خارجية دون تقديم أدلة واضحة. في المقابل، تؤكد منظمات حقوق الإنسان أن الأرقام أعلى بكثير، حيث وثّقت منظمة هرانا نحو 4,902 قتلى مؤكّدين، إضافة إلى آلاف الحالات التي لا تزال قيد التحقق، مع تقديرات إجمالية قد تتراوح بين 10 آلاف و18 ألف قتيل. ويكشف هذا التباين الحاد بين الأرقام الرسمية والتقديرات المستقلة عن واحدة من أكثر موجات القمع دموية في تاريخ إيران الحديث.
وفي تطور لافت، ذكرت مجلة تايم اليوم السبت، استنادًا إلى مسؤولين كبار في وزارة الصحة الإيرانية، أن الاحتجاجات خلال يومَي 8 و9 يناير أسفرت عن سقوط ما يصل إلى 30,000 قتيل، وهو رقم يفوق بكثير الأرقام الرسمية التي أعلنتها الحكومة سابقًا. وأشارت المجلة إلى أن العنف كان واسع النطاق، مع استخدام قناصة وشاحنات مزودة بأسلحة ثقيلة، ما أدى إلى نفاد مخزون أكياس الجثث واضطرار الدولة إلى استخدام شاحنات لنقل الضحايا. وأضافت أن الحصيلة الفعلية قد تكون أعلى، نظرًا لعدم شمول أعداد الضحايا في المستشفيات العسكرية وبعض المناطق الأخرى.
إلى جانب ذلك، كشفت تسريبات وشهادات من أسر الضحايا عن ممارسات صادمة، إذ أفاد بعض الأهالي بأنه عند توجههم لاستلام جثامين أبنائهم، عرضت عليهم السلطات خيارين: إما دفع مبالغ مالية كبيرة مقابل الرصاص الذي أُطلق على أبنائهم بوصفه «تكلفة»، أو تسجيل الضحايا في دوائر «الباسيج» وإصدار بطاقات انتساب لهم، ليُعتبروا لاحقًا من عناصر الأمن ويُدرجوا ضمن قتلى الحكومة. وتُعد هذه الممارسات انتهاكًا جسيمًا لحقوق الأسر، فضلاً عن تشويه هوية الضحايا الذين خرجوا إلى الشوارع مطالبين بالتغيير والحرية، لا بوصفهم عناصر أمنية.
مهما يكن الرقم الحقيقي للضحايا، فإن حجمه يظل مفزعًا، إذ إن مقتل آلاف المتظاهرين خلال فترة زمنية وجيزة يمثل جريمة خطيرة بكل المقاييس. وهذه ليست المرة الأولى التي يرتكب فيها النظام الإيراني مثل هذه الانتهاكات واسعة النطاق.
ففي عام 2018، وخلال موجة الاحتجاجات التي عمّت إيران، شهدت منطقة الأحواز، وتحديدًا ميناء معشور (ماهشهر)، احتجاجات واسعة شارك فيها عدد كبير من أبناء المنطقة. وقد اختار المتظاهرون التجمع أمام المصانع البتروكيمياوية الكبرى المنتشرة هناك، وهي منشآت تعتمد في كوادرها وعمالها بشكل شبه كامل على موظفين من قوميات غير عربية، رغم إقامتها على أرض عربية، في حين يعاني السكان العرب في القرى والمدن المحيطة من التهميش والحرمان من أبسط الحقوق.
ولا يُنظر إلى العرب الأحوازيين في سياسات الدولة بوصفهم مواطنين من الدرجة الأولى، بل تُعاملهم السلطات بمنظور أمني بحت، في الوقت الذي تُسهِّل فيه توطين وافدين من أقاليم أخرى وتمنحهم فرص العمل، بينما يُحرَم الشباب العرب حتى من الوظائف الدنيا، كالحراسة أو أعمال التنظيف. وأمام هذا الواقع، تحركت أعداد كبيرة من الشباب العاطلين والغاضبين واحتشدوا أمام تلك المصانع تعبيرًا عن احتجاجهم.
لكن الرد جاء عنيفًا؛ إذ واجهتهم القوات الأمنية بأسلحة ثقيلة ورشاشات، وطاردتهم حتى لجأ بعضهم إلى مستنقعات مائية تُعرف محليًا بـ«الهور». ورغم اعتقادهم أن هذه المنطقة الكثيفة الأعشاب قد توفّر لهم ملاذًا مؤقتًا، أقدمت القوات العسكرية الإيرانية على استهداف المستنقعات بوابل من الرصاص، بما في ذلك مضادات الطيران، ما أسفر عن مقتل أكثر من 250 شخصًا في يوم واحد، معظمهم من الشباب العرب الأحوازيين.
ورغم فداحة هذه المجزرة، لم تحظَ بتغطية تُذكر في وسائل الإعلام الإيرانية، ولم تعترف بها الحكومة رسميًا، كما لم تحظَ برد فعل دولي جاد. فقد اكتفى المجتمع الدولي، بما في ذلك المنظمات الحقوقية والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، بإدانات عامة عابرة، وتجاوز الحدث سريعًا، كما لو أنه لم يقع.
وتكرر هذا النمط لاحقًا في موجات احتجاج أخرى داخل إيران، حيث سقط عدد كبير من المتظاهرين، من دون أن يترتب على ذلك أي تحرك دولي فعّال أو مساءلة حقيقية، إذ ظل التعامل الدولي مع هذه الأحداث يتسم بالتجاهل أو الحد الأدنى من الإدانة.
واليوم، تبدو الجريمة الأخيرة أكبر حجمًا وأكثر دموية من سابقاتها، إلى درجة لم تشهدها إيران ولا حتى دول المنطقة في تاريخها الحديث. ففي حالات أخرى أقل فداحة، كما جرى في يوغوسلافيا أو العراق أو ليبيا أو أفغانستان، تحرك المجتمع الدولي، وأحيلت القضايا إلى مجلس الأمن، وشُكّلت تحالفات دولية، وسقطت أنظمة، ووُضع حدّ للجرائم، وحوسب قادة، بعضهم قُتل وبعضهم حوكم أو أُعدم.
أما في الحالة الإيرانية، فيبدو أن ثمة تواطؤًا دوليًا واضحًا مع النظام، تحكمه اعتبارات سياسية واستراتيجية. فالولايات المتحدة وبعض القوى الغربية الكبرى تنظر إلى إيران بوصفها حاجزًا استراتيجيًا في صراعاتها المستقبلية مع قوى صاعدة مثل الصين وروسيا والهند، وهو ما يجعلها تتجنب إسقاط النظام خشية تفكك دولة متعددة القوميات والهويات، ظلت القوى الكبرى، منذ أكثر من قرن، حريصة على الحفاظ على مركزيتها ووحدتها الشكلية.
وفي هذا السياق، يبرز سؤال جوهري: هل قدّم نجل الشاه، رضا بهلوي، من حيث يدري أو لا يدري، فرصة سياسية ثمينة للنظام الإيراني وللميليشيات المرتبطة به، مثل «فاطميون» و«زينبيون» والميليشيات العراقية وحزب الله؟ وهل أسهمت تحركاته وتصريحاته في إعادة تعزيز حضور هذه القوى، وترسيخ ارتباطها بالدولة الإيرانية التي موّلتها وحمتها وأنفقت عليها مليارات من أموال الشعب الإيراني؟
فخلال الفترة التي تعرض فيها النظام الإيراني لهجمات إسرائيلية، اتخذت هذه الميليشيات مواقف متخاذلة، ما عرّضها لانتقادات حادة من داخل أوساط النظام نفسه، بسبب عدم إظهار الدعم أو الرد عبر عمليات خارج إيران، سواء في الإقليم أو على المستوى الدولي. وقد ولّد ذلك شعورًا بالضعف والحرج لدى قيادات تلك المجموعات.
غير أن دعوات رضا بهلوي للشارع الإيراني للنزول إلى التظاهر، إلى جانب تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي عززت لدى المتظاهرين وهم وجود دعم أو تدخل أمريكي وشيك، دفعت أعدادًا كبيرة من الناس إلى الشوارع. لكن هؤلاء وجدوا أنفسهم في نهاية المطاف فريسة سهلة لقوى وميليشيات مسلحة تمتلك خبرة طويلة في القمع والتنكيل، اكتسبتها من ممارساتها في سوريا والعراق واليمن، حيث اعتادت على ارتكاب الجرائم بحق المدنيين.
ويُحسب هذا الخطأ السياسي الفادح على رضا بهلوي، الذي أثبت، في نظر كثيرين، فشل مشروعه وإفلاسه السياسي. فقد قاد تيارًا ملكيًا متخلفًا فكريًا، ظهر توحشه بوضوح في العواصم الغربية وشوارعها، حين هاجم ناشطين إيرانيين وأبناء القوميات غير الفارسية، حتى أولئك الذين شاركوا في الاحتجاجات ورفعوا شعارات ضد الديكتاتورية والنظام القائم.
ورغم وحدة الهدف في معارضة النظام، تعرّض هؤلاء لإساءات واعتداءات متكررة من أنصار التيار الملكي، الذي يرى نفسه الممثل الوحيد للمعارضة، ويهدد بإقصاء أو معاقبة كل من لا يتبنى فكره. كما يروّج هذا التيار لشعارات تمجّد «عودة الملك»، في وقت لا يوجد فيه نظام ملكي في إيران، والمقصود بذلك هو إحياء إرث رضا خان ونجله محمد رضا بهلوي عبر نجله، في تجاهل كامل للتحولات التاريخية والسياسية التي شهدتها البلاد.
كما يتحمّل المجتمع الدولي، وعلى رأسه الولايات المتحدة، مسؤولية أخلاقية مباشرة، لا سيما أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دعا المتظاهرين علنًا إلى النزول إلى الشوارع، وأوحى لهم بأنهم سيحظون بالحماية والدعم. لكن حين وقعت الكارثة تراجع ترامب، متحدثًا عن التزام إيران بعدم تنفيذ حكم إعدام بحق 800 سجين معتقل قبل الأحداث، ما أوحى بتراجع في الموقف الأمريكي. وحتى اللحظة، لم نرَ سوى الضجيج الإعلامي وأخبار تحرك الأساطيل الأمريكية ووصولها إلى المنطقة، دون خطوات فعلية ملموسة.
كما يندرج في الإطار ذاته دور رضا بهلوي، الذي كان يعلن عن هجوم عسكري أمريكي محتمل، وعن قدرة «مئة ألف عنصر» من القوات المعارضة على السيطرة على الداخل، وكان يتحدث عن فتح طهران خلال يومين، وكونه الملك المستقبلي وقائد الساحة الداخلية. لكن بعد الكارثة، تراجع عن هذه التصريحات، وتحوّل خطابُه إلى دعوات للمعارضة خارج إيران إلى «الهدوء والسلوك الحضاري»، متخليًا عن أي مسؤولية عن النتائج.
هذه المرة، توضع مصداقية الأمم المتحدة، ومجلس الأمن على وجه الخصوص، على المحك. فهل سيغضّ الطرف مجددًا، كما فعل في السابق، عن مثل هذه التجاوزات والجرائم الإنسانية؟ أم أنه سيتعامل مع النظام الإيراني بالطريقة نفسها التي تعامل بها مع أنظمة يوغوسلافيا وأفغانستان والعراق وليبيا؟
الأيام المقبلة وحدها ستكشف القرار الذي ستتخذه الدول الغربية داخل أروقة الأمم المتحدة، ولا سيما في مجلس الأمن.
تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.