
مركز دراسات عربستان الأحواز- عند متابعة خط الأحداث منذ نهاية ديسمبر وحتى اليوم، يتضح أن التطورات كانت كثيرة ومعقدة. فالشارع الإيراني في الفترة الممتدة من نهاية ديسمبر وحتى 29 يناير 2026 شهد اضطرابات واسعة نتيجة العقوبات الاقتصادية وتدهور الوضع المعيشي، وسط توقعات بسقوط سريع للنظام الإيراني، وهو ما لم يحدث نتيجة التلويح بتدخل خارجي ومحاولة يائسة للتيار الملكي العنصري لركوب الموجة.
تدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الخط، مؤكّدًا للمتظاهرين الإيرانيين أنه لن يسمح للنظام بقمعهم، وأن القوات الأمريكية في الطريق لدعمهم وتخليصهم من الاستبداد. وأضاف إلى ذلك التهويل الإعلامي المدعوم من قنوات تيار الملكي المرتبط بنجل رضا خان، مما دفع المتظاهرين إلى النزول إلى الشوارع، لكنهم واجهوا آليات القمع الإيرانية المدعومة بالقوات الميليشياوية المدربة سابقًا في العراق وسوريا، مثل ميليشيات زينبيون وفاطميون والميليشيات العراقية، ما أسفر عن مجازر كبيرة بلغ عدد الضحايا فيها أكثر من 30,000 قتيل.
في الوقت نفسه، بدأت السياسة الأمريكية تتحول تدريجيًا من خطاب دعم مباشر للمتظاهرين إلى التركيز على قضايا فنية وسياسية أبرزها المشروع النووي الإيراني والمشروع الصاروخي، إضافة إلى وقف دعم إيران للميليشيات الإرهابية في المنطقة. هذا التحول في اللهجة والأهداف يعكس تراجعًا فعليًا للولايات المتحدة عن الدعم المباشر للمتظاهرين.
على صعيد العراق، أعاد قائد فيلق القدس، إسماعيل قاآني، نوري المالكي إلى منصب رئاسة الوزراء العراقية للمرة الثالثة، في خطوة تشير إلى عودة البلاد إلى مرحلة شهدت موجات عنف دموية في عهدي رئاسته، الممتدة من 2006 حتى 2014، والتي اتسمت بمستويات عالية من العنف والفساد والاقتتال الطائفي.
دبلوماسيًا، يقوم مسؤولون كبار من دول إقليمية بزيارة واشنطن، بالتزامن مع دراسة الرئيس الأمريكي شن ضربات إذا رفضت طهران الالتزام باتفاق نووي. وفي المقابل، دعا الكرملين، عبر المتحدث دميتري بيسكوف، إلى الحوار وحذر من استخدام القوة ضد إيران، مشيرًا إلى أن إمكانية المفاوضات لم تُستنفد بعد.
تركيا من جانبها أعلنت استعدادها للوساطة لحل التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، وأكد وزير خارجيتها حاكان فيدان على تقديم المساعدة في هذا الشأن، كما شرعت السلطات التركية في إجراءات احترازية لتعزيز أمن حدودها. وفي هذا الإطار، أعلنت هيئة الإذاعة والتلفزيون التركية أن السلطات ألقت القبض على ستة أشخاص للاشتباه في قيامهم بالتجسس لصالح إيران، بينهم مواطن إيراني، بعد مداهمات في خمس محافظات، وذكرت TRT أن المشتبه بهم جمعوا معلومات عن قواعد عسكرية ومواقع حساسة في تركيا وخارجها، بالتنسيق المزعوم مع عناصر من جهاز المخابرات التابع للحرس الثوري الإيراني، في إطار تحقيق مشترك بين النيابة العامة في إسطنبول وشرطة مكافحة الإرهاب وجهاز المخابرات التركي.
على الصعيد الداخلي الإيراني، كان هناك توقع واسع بسقوط النظام بسرعة، لكن الواقع أثبت أن ذلك لا يمكن أن يحدث دون دعم دولي شامل وقرار من مجلس الأمن. كما أن وجود ملف إيران تحت البند السابع يتيح للدول المتحالفة خيار التدخل العسكري. السياسة الأمريكية الحالية بقيادة ترامب تميل أكثر نحو الحلول الفنية والصفقات السياسية بدل المواجهة المباشرة، ما أدى إلى بوادر انفراج في الأزمة بين البلدين، مع استمرار دور الدبلوماسية الإقليمية والوساطات التركية والخليجية لتجنب أي تصعيد في المنطقة.
وفي هذا السياق، يبرز تساؤل مهم: في حال التوصل إلى اتفاق بين طهران وواشنطن أو دخول هدنة غير معلنة، هل سيبقى نوري المالكي في منصب رئاسة الوزراء؟ خاصة وأنه شخصية غير مرحب بها من قبل الرئيس الأمريكي وغير مرغوب فيها لدى الدول الإقليمية. أم أن إعادة فرضه على رأس الحكومة العراقية للمرة الثالثة كانت مجرد ورقة ضغط سياسية رفعتها طهران في وجه واشنطن والدول المجاورة للعراق؟
تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.