
كانت مدينة البسيتين، مسقط رأسي، أكثر من مجرد نقطة على الخريطة؛ كانت عقدةً صغيرة تشدّ إليها عشرات القرى المبعثرة حولها، ولا سيّما تلك التي تتكئ على أكتاف الأهوار الجنوبية. مدينة حدودية لا تبعد سوى خمسة كيلومترات عن الحدود العراقية–الإيرانية، وقريبة من الأحواز، لكنها في الذاكرة كانت مركز عالمٍ كامل، عالمٍ له إيقاعه الخاص وحكمته الصامتة، حيث لا تُقاس الأشياء بحجمها، بل بما تتركه في الروح.
هناك، حيث تمتد الأهوار الواسعة التي وُصفت قديمًا بجنّة عدن، وحيث قامت أولى الحضارات السومرية، كانت الحياة الريفية تزدهر في أبسط صورها وأكثرها امتلاءً. الماء حاضر في كل شيء؛ في البيوت، في الطرقات، وحتى في نظرات الناس. الأسماك والطيور لا تُعد، والجاموس هو العمود الفقري للمعيشة، رفيق الإنسان وكنزه الأسود الذي يمنحه الحليب والدفء والمعنى. لم تكن البيوت تُبنى لتقاوم الزمن، بل لتنسجم معه؛ من القصب، ومن الطين، ومن كل ما تمنحه الأرض بلا تكلّف أو ادّعاء.
كانت بيوت القصب عالمًا قائمًا بذاته. الصريفة، غرفة النوم البسيطة التي تحتضن العائلة كما يحتضن الرحم جنينه؛ والمضيف، الأعلى سقفًا والأوسع صدرًا، مملكة الضيافة ومجلس الرجال، حيث تُعقد الصلح وتُروى الحكايات؛ ثم الكَبَر، القائم على جدار من طين وسقف من قصب، يشبه في هيئته البيوت الأوروبية القديمة ذات السقفين المائلين اللذين يلتقيان في قمة مثلثة. وكان سكان القرى البعيدة عن الأهوار يستخدمون الكَبَر حظيرة لمواشيهم في الشتاء، إذ تمنع جدرانه الطينية الحيوانات من الخروج وتقيها البرد.
وإلى جانب هذه البيوت كانت الحُجَر الطينية، سقوفها من القصب المغطى بخشب الشندل أو القوق، تعلوها طبقة من الطين المخلوط بالتبن، لتتماسك وتقاوم المطر. سقوفها مائلة بهدوء، تسمح للماء أن ينسحب دون صخب. كانت هذه الغرف باردة في قيظ الصيف، وتكثر كلما ابتعدنا عن الأهوار، حيث يقل القصب وتغلب بيوت الطين، ويشتد ارتباط الإنسان بالأرض اليابسة.
في أطراف البسيتين، وخصوصًا في جهتها الجنوبية، قامت الكُوَر، أفران الطابوق التي يُحرق فيها الطين ليصير حجرًا صالحًا للبناء. كانت هناك كورة تعود للمرحوم يبار بن اكريّم، وأخرى للمرحوم سعيد بن رحيم الدرچال. هذا الطابوق كان يُستخدم غالبًا داخل المدينة، ونادرًا ما تجده في القرى، إلى أن اجتاح الأسواق نوع جديد: الطابوق المضغوط القادم من الأحواز، من مصانع شبه أوتوماتيكية مثل مصنع كريشان. ومع نهاية الستينيات وبداية السبعينيات، بدأت ملامح نهضة عمرانية واضحة؛ نهضة لم تكن بفعل السلطات وحدها، بل لأن المال بدأ يعود من الكويت، ثم من الإمارات لاحقًا، حيث عمل معظم أبناء البسيتين وقراها. عادوا بأحلام جديدة، فهدموا بيوت الطين وبنوا بيوت الطابوق، كأنهم يعلنون قطيعة صامتة مع ماضيهم.
ومع هذا التحول، بدأت مهنٌ قديمة بالانحسار. كان من أعظم بنّائي الطين في منطقتنا المرحومان جراد ودروبي، أسطوات تقليديون يعرفون أسرار اللبن والطين، ويبنون الحُجَر بمهارةٍ تُورث ولا تُدرَّس. في بيتنا كانت عدة حُجَر نميّزها بالألوان: الحُجرة الحمراء، والزرقاء، والخضراء، كما هي عادة أهل البسيتين الذين يغلبون الجيم فيقولون «حيرة» بدل «حجرة»، و«دياية» بدل «دجاجة». لكن مع قدوم الطابوق الجديد، تدهورت هذه المهنة، واضطر أولئك الأسطوات إلى البحث عن أرزاق أخرى، كأن المدينة لفظت جزءًا من ذاكرتها.
بعضهم تأقلم مع الزمن. مهدي بن جراد، ابن جراد نفسه، أصبح أسطة في البناء الحديث، وكذلك صالح بن جبر، وهلول بن خنفوس. تعلموا لغة الطابوق كما يتعلم الإنسان لغة ثانية ليبقى حيًا. غير أن مهدي لم يُمهله القدر طويلًا؛ ففي ليلةٍ كان عائدًا بدراجته النارية من الخفاجية، تعرّض لحادث أودى بحياته. لم يكن مهدي مجرد بنّاء، بل رجلًا طيبًا محترمًا، وحين رحل، عمّ الحزن البسيتين كلها، وتحولت فاجعته إلى حديث المجالس وجرحٍ مفتوح في ذاكرة المدينة.
ومع الموت، كانت الطقوس تبدأ. مجالس العزاء، أو «الفواتح»، تمتد ثلاثة أيام، وقد تطول إلى خمسة أو سبعة إن كان المتوفى من كبار القوم. في حيّنا، حيث يغلب آل بوچلدة، أخوال والدي، كان هناك نظام تضامن يشبه الصندوق التقليدي؛ تُقسّم أيام العزاء، وكل مجموعة تتكفّل بوليمة يومٍ كامل. تأتي جموع المعزين من قرى بعيدة، وتُسحب الصواني من البيوت إلى مجلس الفاتحة، ليُرفع الحمل عن أهل الميت، فينصرفون لمصابهم ولمواساة ضيوفهم.
القهوة والشاي كانا عماد المجلس وامتحان كرامته. من يتولى أمرهما يجب أن يكون فطنًا، سريع البديهة، لا يفوّت ضيفًا ولا يؤخر فنجانًا، لأن أي تقصير قد يُعد إهانة، وقد يصل إلى «فصل» عشائري. لذلك كان أهل البسيتين يستعينون برجل يُدعى جهيد، طويل القامة، يأتي مشيًا على قدميه، محترف إعداد القهوة والشاي، يأخذ أجره، لكنه يحفظ للمجلس هيبته من أي حرج.
وفي اليوم الثالث يأتي الزيان، أو الإحسان، حيث تتنافس العوائل على شرف تقديمه. قماش فاخر يقدَّم لأهل الميت ثم يُهدى لغيرهم تكريمًا. كان هذا اليوم الأكثر توترًا؛ فيه تشتعل الخلافات، وتظهر المشادات، وكأن الحزن، وقد أنهك الناس، يفسح المجال لما كان مكبوتًا في الصدور.
وكانت الفواتح تمر بثلاث مراحل واضحة:
اليوم الأول حزنٌ خالص، وجوه مسودة وعيون دامعة.
اليوم الثاني تبدأ الأحاديث، ثم النكت، ثم ضحكات خجولة، كأن الناس يعتذرون للموت عن رغبتهم في الحياة.
اليوم الثالث، يوم الزيان، حيث ترتفع الأصوات وتشتعل النزاعات.
ولم تكن مجالس العزاء تخلو من وجوه أخرى، وجوهٍ اعتاشت على الحزن. ملالٍ وبعض من السادة يستغلون هذه الأيام لتحقيق مكاسب شخصية؛ يسألون عن صلاة الميت وصيامه، فإن وُجد تقصير عرضوا خدماتهم: صلاة وصيام نيابة عنه، مقابل أجر، واعدين أهله بملء «دفتر حسناته» في الآخرة. بعضهم كان يذهب أبعد من ذلك، فيدّعي رؤية الميت عاريًا أو جائعًا في المنام، ويقترح «الخلاص» عبر شراء ملابس للفقراء أو إقامة ولائم أسبوعية، متكفّلًا هو نفسه بتوزيع الصدقات، التي لا تصل غالبًا إلا إلى بيته.
أذكر أن صديقًا لي من مدينة الأحواز روى لي حادثة بقيت عالقة في ذاكرتي. قال إنه زار البسيتين في السبعينيات، ودخل بيت أحد أقاربه المتوفين حديثًا، فوجد رجلًا معمّمًا جالسًا بوجه متجهّم، وبجانبه سائق وانيت. كان هذا الرجل قد داوم على زيارة البيت أيامًا عدة، يحصي الغرف، ويعدّ المواشي، ثم خلص إلى نتيجة عجيبة: ثلث أملاك الميت يجب أن يُدفع له، «كي يدخل الميت الجنة». وحين رفضت الأسرة، أراد أن يأخذ بقرة، هي مصدر حليب الأطفال الوحيد. وحين واجهه صديقي وسأله: من فوضك؟ أأنت وكيل الجنة والنار؟ ارتبك الرجل وخرج وهو يتوعد بالعذاب، تاركًا خلفه خوفًا سرعان ما تلاشى حين فهمت الأسرة أنها كانت ضحية دجال لا أكثر.
ومع مرور الزمن، تكشّفت هذه الأكاذيب، وصار الناس يدركون أن مثل هذه الطقوس لا تنفع الميت بقدر ما تُغني الحي الذي يمارس الخديعة باسم الدين.
وكان في البسيتين أيضًا مشعوذون وسحرة، معروفون في الخفاء. أحدهم كان يسكن خارج المدينة، في بيتٍ محصّن، تأتيه الناس من قرى ومدن بعيدة بزعم معالجة المسّ الشيطاني، خصوصًا لدى الفتيات الشابات. كثيرات منهن كنّ يعانين انهيارات نفسية بسبب صدمات الزواج القسري أو الحب الممنوع أو العنف، لكن العائلة كانت تفسّر ذلك بالجن، فتسلّم بناتها لهذا الرجل، الذي انتهى به الأمر متزوجًا عددًا منهن. وآخر كان يمارس السحر سرًا، تقصده النساء بحجج المحبة وفكّ الربط وإقصاء الضرائر، وكل ذلك تحت غطاء الطلاسم والهمسات.
هكذا كانت البسيتين:
مدينة صغيرة، لكن حياتها كانت رواية كاملة؛
تُبنى وتهدم في آنٍ واحد،
تحزن وتضحك في المجلس ذاته،
تغيّر جدرانها، لكن لا تغيّر ذاكرتها،
فالذاكرة وحدها تبقى من طينٍ لا يجف.
تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.