طهران على طاولة إسطنبول: مفاوضات جديدة أم تكرار لاستراتيجية قديمة؟/ تحليل: مركز دراسات عربستان الأحواز

في تجاربها السابقة مع المفاوضات النووية، أثبتت إيران أنها لا تتعامل مع هذا الملف بوصفه مسارًا تقنيًا بحتًا، بل كأداة سياسية لإعادة تشكيل موازين القوى، وتفكيك خصومها، وكسب الوقت. ففي مفاوضات 5+1 التي أفضت إلى اتفاق عام 2015، اتبعت طهران سياسة المماطلة والتجزئة، ونجحت تدريجيًا في كسر وحدة القرار بين الدول الست، وتحويلها فعليًا من كتلة متماسكة إلى معسكرين (3+3)، ما أضعف الضغط الدولي عليها. هذا التفكك مهّد الطريق أمام صفقة مباشرة مع الإدارة الأميركية آنذاك، بقيادة الرئيس باراك أوباما ووزير خارجيته جون كيري، انتهت باتفاق نووي رأت فيه إيران انتصارًا دبلوماسيًا، قبل أن يُلغى لاحقًا بقرار من الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

اليوم، ومع الأنباء التي نقلتها وكالة رويترز حول استئناف محادثات نووية بين إيران والولايات المتحدة في إسطنبول، يبرز مشهد تفاوضي مختلف شكليًا، لكنه يثير تساؤلات عميقة جوهريًا. فإلى جانب واشنطن وطهران، جرى الحديث عن دعوة ست دول إسلامية إقليمية هي: باكستان، السعودية، قطر، مصر، عُمان، والإمارات، إضافة إلى الدولة المستضيفة تركيا. وهنا يطرح السؤال نفسه بقوة:

هل تحاول إيران هذه المرة استبدال مجموعة (5+1) بمجموعة إقليمية جديدة، بهدف إعادة إنتاج استراتيجية التفكيك ذاتها ولكن بأدوات مختلفة؟

من الواضح أن طهران تسعى إلى توسيع دائرة التفاوض إقليميًا، ليس بدافع الشفافية، بل لتخفيف الطابع الدولي الصارم للمفاوضات، وتحويلها إلى مسار متعدد الأطراف أقل قدرة على فرض التزامات حاسمة. إشراك دول تختلف فيما بينها في الرؤى والمصالح – بل وفي مستوى علاقاتها مع إيران – قد يؤدي إلى تمييع المواقف، وإضعاف أي جبهة ضغط موحدة، تمامًا كما حدث سابقًا مع الدول الكبرى.

التصريحات الصادرة عن مسؤولين إقليميين، خصوصًا من الإمارات، تعكس قلقًا واضحًا من انزلاق المنطقة إلى مواجهة جديدة. فالدعوة إلى “عدم الحاجة إلى حرب” والتركيز على خفض التصعيد، رغم منطقيتها، قد تتحول – من منظور إيراني – إلى فرصة للمناورة السياسية، وكسب الوقت في ظل تهديدات أميركية متجددة باستخدام القوة العسكرية.

في المقابل، تبدو الولايات المتحدة، وخصوصًا في ظل عودة ترامب إلى المشهد، أكثر ميلًا لاستخدام لغة التهديد والضغط، كما يظهر في حديثه عن إرسال “أرمادا” عسكرية نحو إيران. هذا التناقض بين مقاربة إقليمية تهدئة، ومقاربة أميركية تصعيدية، قد يشكّل البيئة المثالية لإيران للعب على التناقضات، وإعادة إنتاج تكتيكها القديم: تجزئة الخصوم بدل مواجهتهم ككتلة واحدة.

الخلاصة أن ما يجري في إسطنبول قد لا يكون مجرد جولة تفاوض جديدة، بل اختبارًا لاستراتيجية إيرانية متجددة. فإذا كانت طهران قد نجحت سابقًا في تفكيك (5+1)، فإن الرهان اليوم هو ما إذا كانت قادرة على تفكيك الموقف الدولي عبر بوابة إقليمية، مستبدلة الدول الست الكبرى بست دول إسلامية، تختلف أولوياتها، وتجمعها الرغبة في تجنب الحرب أكثر مما تجمعها رؤية موحدة للبرنامج النووي الإيراني. السؤال المفتوح: هل تعلّم المجتمع الدولي من دروس الماضي، أم أن التاريخ يستعد لتكرار نفسه بصيغة جديدة؟

تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.

موقع ويب تم إنشاؤه بواسطة ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑