بعد أبي… وبعد وطنٍ مكسور(2)- (1)، رواية: منتظر سعيد

وُلدتُ في أواخر عام 1987، قبل انتهاء الحرب الإيرانية–العراقية بعامٍ تقريبًا، لكنني جئتُ إلى الحياة بعد أبي. قبل ولادتي بنحو سبعة أشهر استُشهد والدي، ولم أره قط، وبقيت أمي زمنًا تأمل عودته وتُصرّ على أنه مفقود، إلى أن تبيّن لاحقًا أنه ارتقى شهيدًا في منطقة العظيم، خلال معركة أمّ النعاج، إحدى أعنف معارك أواخر الحرب وأكثرها حساسية، حيث كان سقوط أي موقع يعني تهديدًا مباشرًا للقوات العراقية.

بحسب ما رواه الأقارب ورفاق السلاح، كانت القوات الأحوازية في مقدمة خطوط المواجهة. رُفض اقتراح أن تبقى خلف القوات العراقية بثلاثة أو أربعة كيلومترات، لأنهم رأوا في الأرض أرضهم، وفي الدفاع عنها واجبًا، وفي التقدّم شرفًا لا يقبل المساومة. لم يكن استشهاد أبي نتيجة ضعف أو تراجع، بل حصيلة أخطاء جسيمة في التنسيق العسكري: إحداثيات خاطئة، وغطاء جوي ضلّ طريقه، وانقطاع في المعرفة الميدانية.

بدأت المأساة بكمين في الهور، منطقة معقّدة يصعب الانسحاب منها. اكتشف المقاتلون وجود العدو تحت نيران كثيفة من مواقع ثابتة ومتحركة، لكن تقارير خاطئة وصلت إلى القيادة تؤكد أن المنطقة ممشّطة. ابن عم أبي، وكان في السابعة عشرة، يروي أن أبي كان متيقنًا من الخطر، غير أن الأوامر صدرت بالتحرّك وفق الإحداثيات المضلِّلة. أخطأت المدفعية، وأخطأت الدبابات، وأخطأ الطيران معًا، فكان الكمين قائمًا ونتيجته كارثية.

استُشهد أبي مع ابن عمه نادر؛ صاروخٌ أصاب نادر مباشرة، وأصاب أبي في الطرّاد الذي انقلب وسقط في القصب داخل الهور. لم يكن هناك ما يُفعل سوى الانسحاب. كانت القوة بحدود كتيبة، نحو ستين مقاتلًا، استُشهد منهم أربعون إلى خمسةٍ وأربعون في يوم واحد، معظمهم من الأحوازيين، إضافة إلى سائقين عراقيين. خسارة فادحة سببها الأوّل والأخير أخطاء الإحداثيات وسوء التنسيق، لا قلّة الشجاعة.

بعد ذلك، وُلدتُ. ولادتي لم تكن عادية؛ جاء الغياب قبل أن أفتح عيني، وكان الحزن حاضرًا في أجواء الميلاد. ومع ذلك، كنّا عائلة كبيرة متماسكة: أمي، أخوالي، عمامي، نتقاسم كل شيء. وُلدت في العمارة، في ظروف بسيطة وربما قاسية، لكن الأهم أننا كنّا معًا. عشت طفولتي الأولى هناك، ولا أذكر صورًا واضحة، غير أن الذاكرة ليست صورًا دائمًا؛ أحيانًا تكون أصواتًا. لدي تسجيلات قديمة، بقايا زمن لا أتذكره لكنه يسكنني.

نحن محسوبون على خط المحمرة، وكان المفترض أن نكون أقرب إلى البصرة، لكن الاغتيالات والظروف الأمنية دفعتنا إلى العمارة. الوجود الأحوازي في البصرة كان عسكريًا أكثر منه مدنيًا، وتوزعت العوائل بين شيخ سعد والعمارة والديوانية، وسلك آخرون طرق التهجير والخوف. قبل دخولي الابتدائية انتقلنا مجددًا؛ فيضان كبير وأنا في الثانية من عمري، ثم أحداث قاسية فرضت الرحيل. ذهب بعض العائلة إلى الكوت، وبقي آخرون، وجاءت سنوات 1989 و1990 قبل أن تغيّر حرب الكويت كل شيء.

بعد الغزو كانت هناك تنقلات متقطعة لا تشبه الاستقرار: بعد انتفاضة شعبان، ثم في 1998 عبر الأمم المتحدة. سنوات من الذهاب والعودة، من محاولة بناء حياة على أرض غير ثابتة. الأحياء الأحوازية بقيت صامدة حتى اللحظة الأخيرة، لكن القصص كانت تُهمس: عوائل أُخذت من الطرق، سيارات أُوقفت، أناس اختفوا ولم يعودوا. أسماء وحكايات وخوف صامت.

هذه ليست ذاكرة مرتّبة؛ إنها شظايا. لا أكتب لأرتّبها، بل لأفهم كيف وُلد إنسان بعد أبي… وبعد وطنٍ مكسور.

بعد أبي… وبعد وطنٍ مكسور (2)

منتظر سعيد

لم أكن يومها كبيرًا في السن، لكن الزمن في تلك السنوات كان يكبر أسرع منّا جميعًا. كانت الأيام تمرّ مثقلة، كأنها تمشي حافية فوق زجاج مكسور. كنت أتعلم أسماء الأشياء من همس الكبار: الحرب، الاحتلال، الحصار، العقوبات… كلمات أثقل من طفولتي، لكنها كانت تُلقى في أذني كما تُلقى الوصايا الأخيرة.

حين دخل الجيش العراقي الكويت، تغيّر وجه البلاد إلى الأبد. تلاحقت العقوبات كالسياط، ثم جاء الحصار، ثم الضربات العسكرية التي لم تكن تفرّق بين جدار وثدي أم، ولا بين ثكنة ونافذة بيت فقير. كان العراق كله يعيش في غرفة مغلقة، يتناقص فيها الهواء كل يوم.

وفي تلك الفوضى، تحرّك فيلق بدر، محمولًا على أكتاف شعارات طائفية مغلّفة بغلاف ثوري، ومسنودًا بما سُمّي آنذاك بالمدّ الإيراني. قاد ما عُرف لاحقًا بالانتفاضة الشعبانية، فسقطت محافظات الجنوب واحدة تلو الأخرى، لا كما تسقط المدن في الحروب، بل كما تسقط الأجساد المنهكة من الحمى.

كانت معسكرات اللاجئين الأحوازيين تقع ضمن دائرة هذا السقوط. وحين تتساقط المدن، لا يُسأل الفقراء عن أسمائهم ولا عن قضاياهم. صارت تلك المعسكرات أهدافًا مفتوحة، لا لأنها تشكّل خطرًا حقيقيًا، بل لأنها كانت العدو الأول لحكام طهران. فبدأت قوات فيلق بدر تستهدف العوائل والمناضلين الأحوازيين أكثر مما استهدفت رجالات السلطة أو رموز الدولة. كان السلاح يُوجَّه نحو الصدور العارية، لا نحو القصور.

سمعت — ولا أزال أسمع — قصصًا عن بيوت أُحرقت، وأموال صودرت، وأجساد عُلّقت بين الخوف والإذلال. كثير من العوائل الأحوازية تعرّضت للتنكيل، وبعضها فقد أبناءه، وبعضها فقد حتى القدرة على البكاء. كانت التجاوزات تأتي بلا أسماء وبلا محاسبة، كأنها قدر أعمى يمشي على قدمين.

ومع ذلك، لم تكن الأحياء الأحوازية ضحية صامتة. كانت تقاوم. سمعت عن رجال ونساء وقفوا بوجوه مكشوفة في وجه عناصر فيلق بدر، عن أحياء قررت أن تبقى حتى اللحظة الأخيرة، لأن السقوط لم يكن خيارًا، بل نهاية وجود. دافع الأحوازيون عن أنفسهم وعن عوائلهم بشراسة من يعرف أنه إن تراجع خطوة واحدة فلن يبقى له شيء.

ومع مرور الوقت، صار واضحًا لنا — حتى نحن الصغار — أن الصراع لم يكن وليد لحظته. كان أقدم من الحرب وأعمق من الانتفاضة. المشكلة الأساسية، منذ البداية، كانت بين فيلق بدر وجيش تحرير الأحواز. الأحوازيون أصحاب حق، يناضلون من أجل استعادة وطنهم وسيادتهم، بينما كان فيلق بدر يقاتل بدوافع سياسية وأيديولوجية عابرة للحدود، لا تعترف بالأرض إلا كمنصة، ولا بالإنسان إلا كوسيلة.

في تلك السنوات، كان الرجوع إلى إيران يشبه العودة إلى بيت تغيّر عنوانه وبدّل أقفاله ولم يعد يعترف بأصحابه. كنا نسمع عن عوائل رجعت، ثم اختفت أخبارها، أو عادت محمّلة بالصمت والخوف. لم يعد أحد من عائلتنا المباشرة، لكننا كنا نعرف الكثيرين. كانت أسماؤهم تمرّ علينا كما تمرّ الأخبار الثقيلة: نعرفها، نخزنها، ولا نجرؤ على السؤال كثيرًا.

بيوت كثيرة… ووجوه كنا نعرفها واحدًا واحدًا. كانوا أكثر مما تحتمل الذاكرة. بعضهم عاد، وبعضهم ذاب في الطريق، وبعضهم بقي اسمه فقط يتردّد في المجالس، كأن الاسم صار بديلاً عن الجسد.

لم أكن أعرف إيران، ولا أذكر الأحواز بعيني، لكن الأحواز كانت تعيش في كلام الكبار. كنا نسمع عن عمليات، عن تحركات، عن رجال “داخل التنظيم”. لم تكن التفاصيل واضحة، لكن الجوهر كان مفهومًا: هؤلاء ليسوا أناسًا عاديين. إما عسكريون، أو منتمون لتنظيم، أو فدائيون اختاروا طريقًا لا عودة منه. كانوا يتبعون الجبهة العربية لتحرير الأحواز، وكان هذا الاسم وحده كافيًا ليجعل الهمس ينخفض، والنظرات تتبدّل.

كانوا يقولون: فلان اختفى. فلان نفّذ عملية ولم يرجع. كنا نحفظ الأسماء كما تُحفظ الأدعية. مجموعة عبرت ونفّذت عملية ولم تعد. كأن العودة لم تكن واردة أصلًا في الحساب.

رجال من عبادان، مجموعات من المحمرة. قادة فدائيون، طرقهم تشعبت لاحقًا، بعضهم التحق بجهات أخرى، لكن البدايات كانت واحدة. وعمي كان هو الآخر قائد مجموعة. كان الاسم قريبًا منا، لا في الأخبار فقط، بل في الدم. ومعه رجال نعرفهم، أسماء تتكرر كأنها خريطة سرية للأحواز.

لم يكونوا مجموعة واحدة، بل مجموعات فدائية متعددة، لكنهم جميعًا كانوا ينتمون إلى الجبهة العربية لتحرير الأحواز. كانوا يؤمنون أن الطريق إلى الوطن يمرّ عبر النار، وأن الاسم قد ينجو حتى لو فني الجسد.

نحن الذين كنا نسمع ولا نرى، تعلمنا مبكرًا أن بعض الناس يُخلقون ليعيشوا، وبعضهم ليُروى عنهم. وهؤلاء… صاروا حكاية قبل أن يصيروا ذكرى.

أنا كنت — وما زلت — مصرًّا على هذه الحقيقة: جيش تحرير الأحواز لم يكن تابعًا لأي تنظيم، لا حزبي ولا ديني ولا أيديولوجي. كان مؤسسة عسكرية مستقلة بذاتها. حتى القيادة العراقية آنذاك حرصت على أن يبقى كذلك، لا يديره شخص واحد، ولا يخضع لتسلسل حزبي. كان ارتباطه مباشرًا بهرم الدولة، لا بواجهات أو وسطاء.

لكن مع نهاية التسعينيات، قرابة عام 1998–1999، بدأت الدولة العراقية تضعف. لم يكن الضعف عسكريًا فقط، بل فكريًا واتجاهيًا. تصاعد التوجّه الإسلامي، وبدأت ما سُمّيت بـ الحملة الإيمانية. في ظاهرها دينية، وفي جوهرها تحوّل أيديولوجي مربك: قومي–إسلامي، بعثي–إسلامي، شعارات متداخلة لا تعرف أين تقف.

هنا صار الخطر أكبر. لأن الخطاب الإسلامي حين دخل على القضية الأحوازية سحب معها البوصلة الوطنية. التعصب تحوّل من وطني إلى أيديولوجي، ووجد الأحوازي نفسه — دون أن يشعر — أقرب إلى إيران لا إلى الأحواز.

في تلك الأجواء، دخلت الأمم المتحدة على الخط. فتحت مكاتب، وبنت بنايات، وقدّمت نفسها كضامن:
«من يريد الذهاب، يذهب على أمانتنا، ويصل معززًا مكرمًا».

عام 1999 بدأت عملية التسجيل. ظهرت المخيمات، والمكاتب، وأماكن الانتظار. أذكر موقع كيلو 41، على بعد 41 كيلومترًا من الكوت. هناك استقروا. كان بينهم أطباء، مثقفون، عوائل كاملة. كثيرون صدّقوا الوعد.

ذهبوا… وانقطعت أخبارهم.

وبعد الغزو الأمريكي، حين عاد بعضهم، انكشفت الحقيقة بلا رتوش: صودرت أموالهم، ذهبهم، أغراضهم. أُعدم بعضهم، وسُجن آخرون، وأُبعد كثيرون عن الأحواز. والبعض… لم يُعرف مصيره حتى اليوم.

نحن لم نذهب. لا لأننا كنا أذكى، بل لأن تاريخ عائلتنا النضالي كان مختلفًا. كنا نعرف أن الطريق الذي يبدأ بوعدٍ أممي، وينتهي في حضن نظام معادٍ لقضيتك، لا يمكن أن يكون طريق خلاص.

تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.

موقع ويب تم إنشاؤه بواسطة ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑