
في الحلقات الماضية، تحدثنا عن مدينة البسيتين، تلك التي وُلدت من ضفاف الأهوار وتفرعات الكرخة، مدينة تمشي دائمًا بين زمنين: زمنٍ يضحك في الأعراس، وزمنٍ يتأمل في الحزن. كانت حفلات الزواج تحوّل الأزقة إلى مسارح مفتوحة للغناء والصخب، قبل أن يخفت كل شيء مع المساء، كأن الفرح نفسه يتعب ويأوي إلى فراشه.
عندها، تنشد النساء ترنيماتهن للأطفال، أصواتًا تشبه احتكاك الريح بأعواد القصب، وتجلس الجدات في العتبات يفتحن دفاتر الحكايات بعبارتهن الأثيرة: «كان يا ما كان»، ثم يمضين في السرد: «من ذاك هو السلطان، عنده سبع نسوان»، حتى يختمْنَها بضحكة خفيفة وعبارة مألوفة: «خليتهم واجيت». وهكذا تستعد المدينة للنوم، محتفظةً في صمتها بحكايات اليوم، وبما تخبئه لها الأيام القادمة.
أما اليوم، فإن حديثنا يأخذنا إلى زاوية أخرى من البسيتين، زاوية لا يظهر فيها الفرح، بل النزاعات التي كانت تنشب بين الأحياء وبين العوائل، كما لو أن كل حبة تراب وكل قطرة ماء في الأرض كانت سببًا في الخصام. البسيتين، هذه المدينة الحدودية الواقعة غرب الأحواز بحوالي ثمانين كيلومترًا، قريبة من الحدود العراقية بخمسة كيلومترات، كانت مركزًا تجاريًا لقرى متناثرة، بعضها يختبئ خلف الأهوار، وبعضها على ضفاف نهر الكرخة العظيم. في هذه المدينة، كانت الحياة مزيجًا من الريح والماء والزرع والحيوان، وكل مورد طبيعي يتحول إلى سبب للنزاع أو التفاهم، حسب المزاج واليوم والحظ.
المنطقة غنية بثرواتها الحيوانية والزراعية على حد سواء؛ كانت الحقول المحاذية للأهوار تزرع الشلب (الرز)، بينما كانت الحنطة والشعير تملأ الأراضي الأخرى. هذه المحاصيل لم تكن مجرد غذاء، بل كانت عملة تفاوض وسلاح نزاع، خصوصًا في منطقة ام الدبس، التي تقع خلف مرتفعات مشداخ، حيث يُعرف القمح بجودته العالية، ويصبح موضوع تفاوض بين العوائل التي تقطن سهل ميسان وعلى وجه التحديد مدينة البسيتين.
كانت النزاعات في محيط البسيتين وخارجها تدور غالبًا حول الموارد: الأرض، والماء، والمحاصيل، والمال، وأحيانًا حول الشرف والمكانة الاجتماعية. غير أنّ النزاعات داخل المدينة، وخصوصًا في منطقة السوق، كانت تتسم في الغالب بالعقلانية وتجنّب العنف، ربما خوفًا من انفلات الأمور وحدوث فوضى تجرّ على الجميع الخسارة ونهب المحال التجارية.
في محيط البسيتين، كانت كل عائلة تعرف حدودها، ولكل مزرعة صاحبها المعروف، لكن في بعض الأيام كانت الرياح تتحرك على غير عادتها، أو تنحرف المياه عن مجراها، فتشتعل الخصومات، وتتسع دائرة النزاع لتشمل الأحياء كلها، وكأن المدينة نفسها تخوض صراعًا دائمًا بين الزمن والبشر، بين الطبيعة والمجتمع، وبين الماضي والحاضر.
في البسيتين، كما في أي مكان آخر، كان لكل حدث صغير أثر كبير؛ كان لكل خصومة صغيرة قصة تُحكى للأجيال القادمة، لكل نزاع أثر يمتد في الذاكرة الجماعية، وكل قرية أو حي له أساطيره التي يرويها الأطفال، ويستمع إليها الكبار بجدية وحذر، كأنهم يقرأون كتب القدر قبل أن يولدوا.
البسيتين مدينة أدمنت النزاعات؛ كانت صراعات تتعلق بالموارد، بكل قطرة ماء، وبكل سنتمتر من الأرض الخصبة. ففي البسيتين، حيث يمتد عرض نهر الكرخة في حركاته المتعرجة، كانت هناك عدة مكائن للري وكان المزارعون يتناوبون على الأراضي وفقًا لترتيب الأراضي.
لم تكن المكائنُ مجردَ آلات صامتة؛ بل كانت قلبَ المدينة النابض، رمزًا للسلطة، أداةً للصراع، وأحيانًا سببًا للغضب. فبعضها خُصِّص لطحن الحبوب كالحنطة والشعير والشلب، فيما خُصِّصت أخرى لضخ المياه من نهر الكرخة إلى الأنهر التي حفرها البشر، والتي تُعرف غالبًا بـ«النهر» أو بـ«الخِر» إذا كانت كبيرة، و«الشاخة» إذا كانت أصغر. شبكة تمتدّ كالعروق تحت أقدام المزارعين، تسقي الحقول المحيطة بالمدينة وتمنحها الحياة.
كانت كل قطعة أرض، وكل حقل صغير، معروفة باسم صاحبها، ولكل نهر و«خِر» اسمٌ يميّزه، مثل نهر «أبو صفصافة»، ونهر «أبو حلانة»، ونهر «أبو علگاية»، وخِرّ «اصحين»، وشاخة «اعبيد» وغيرها. وكان سكان البسيتين يعرفون من أين تأتي كل حبة قمح، ومن يملك الشلب المزروع على ضفاف الأهوار.
كانت الزراعة هي الحياة لمعظم العائلات؛ فالشلب والحنطة والشعير كانا كل شيء: مصدر رزق، وسبب نزاع، وأحيانًا موضوع تفاهم. كانت الحقول تتنفس مع مياه المكائن، تتأرجح مع الرياح، وتنتظر اليد التي تحرثها، والمرأة التي تزرعها، والمزارع الذي يراقبها بعين لا تغفل. وفي كل موسم، كان لأصحاب المكائن كلمة الفصل، ومن يعرف طريقة إدارة الري كان يمتلك القوة المطلقة على الحياة والموت في هذه الأرض.
أما حقول القمح في منطقة «أم الدبس»، فكانت تُزرع على طريقة «الديم»، أي بالاعتماد على مياه الأمطار بعيدًا عن الأنهار. وفي المناطق المحيطة بالأهوار، حيث يكثر زراعة الشلب، كان المزارعون يشيدون سدودًا على الأنهار، وعندما ترتفع المياه خلف السد، يُهدَّر الماء إلى حقول الأرز. وكانت هذه السدود تُبنى من القصب والبواري، ويُطلَق عليها اسم «الحمل».
هكذا كانت النزاعات في البسيتين: ليست مجرد جدال أو خلاف، بل كانت شبكة متشابكة من القوة والسلطة والموارد، وكل نزاع صغير كان يحمل في طياته قصة أكبر عن العائلة، عن الحقل، عن المياه، وعن المدينة كلها، التي تتنفس مع كل قطرة ماء، وتحتفظ في ذاكرة أنهرها بأسماء كل من عاش وصارع فيها.
في البسيتين، لم تكن النزاعات تنحصر في الأرض والمياه، بل امتدت لتشمل القلوب والعائلات، فالزواج كان أحيانًا سببًا للفرح وأحيانًا سببًا للنزاع، والخلافات العائلية كانت تولد مع كل تحرش أو خلاف صغير، لتتحول بسرعة إلى حوادث دامية تصل أحيانًا إلى القتل. لم يكن المال والحصص أو المحاصيل وحدها سببًا للنزاع، بل تجاوزات الشرف، وتراكم الضغائن القديمة، والخلافات التي يتركها الزمن بين الأجيال.
في كل مرة يشتعل النزاع، كان الدرك (الأمنية) يتدخلان، لكن تدخلهم لم يكن من أجل تحقيق العدالة، بل للابتزاز والسلب. كان الطرفان المتنازعان مضطران لدفع الرشاوى: الطرف الأول لتثبيت الحق، والطرف الآخر لتجنب العنف، بينما يجلس الدركي أو الجندرما في الظل، مبتسمًا، يأخذ المال، ويغادر، تاركًا وراءه شعورًا بالمرارة والإهانة. في كل نزاع، كان المستفيد الوحيد هو الجندرما، العنصر المتعطش للمال، الذي يعرف كيف يستثمر النزاع البسيط في جيوبه، بينما الطرفان المتضرران يحملان آثار النزاع على أجسادهم وقلوبهم وأراضيهم.
كان بعض منتسبي الدرك يأتون من أعماق بلاد فارس، من مدن بعيدة خلف الجبال حيث لا يعرف أحد أسماءهم، ويُعيّنون في البسيتين، حاملين معهم أقدارهم الخاصة، وسلوكياتهم التي تجعلهم أحيانًا أكثر قسوة من النزاع نفسه. كانوا يتعمدون الإذلال، ونهب الأموال، وإظهار القوة في عز النهار، حتى غدت المدينة كلها تعرف قصصهم وأفعالهم، فكانت الأمهات الفارسيات في بلاد الفرس عندما تدلّل الأطفال والرضع تقول: “خدا خدا نازش کن، گروهبان اهوازش کن”، أي “يا الله اجعله عريفا في الأحواز”، وكأن المدينة نفسها تعرف أن الذين يأتون في لباس الدرك والجيش يأتون لنهب الناس وإذلالهم، لا لتحقيق العدالة.
كانت الأحواز بالنسبة لهؤلاء الجندرمة ؛ الأرض التي يمكن فيها ممارسة العنف باسم القانون، الأرض التي يُغسل فيها التاريخ العنصري في كل نزاع، وتُعاش فيها ذكريات القهر القديم. وكل هذا، على الرغم من أن أهل البسيتين حاولوا أن يعيشوا حياتهم، يزرعون، يزوجون أبناءهم، ويحتفلون بمناسباتهم، كانت هذه القوة الغريبة تحيط بهم كظل لا ينتهي، وكأن المدينة نفسها تتنفسها وتعيدها مع كل نزاع، ومع كل حكاية جديدة عن الغدر والرشاوى والظلم.
من بين النزاعات التي كانت تتكرر في البسيتين، كان الصراع بين المزارعين أكثرها عنفًا، صراعات لا تنتهي، تشتعل كل موسم جديد كما لو أن الأرض نفسها تغضب. لم يكن الرجال وحدهم من يحملون عصيهم المصنوعة من الخيزران، المعروفة باسم “الجناية”، بل كانت النساء أيضًا يشاركْن في المعارك، يرفعن العصي بكل قوة، يصرخن، يركلن، ويضربن دفاعًا عن أرض العائلة أو شرفها، وكأنهن جزء من الأساطير القديمة التي تسكن المدينة.
ذات مرة، طلب مدرس الأدب الفارسي من الطلاب كتابة إنشاء عن الجوار، عن الجيران والعلاقات بينهم. كنت حينها في ثاني متوسطة بمدرسة “دقيقي”. كتبت عن النزاع بين عشيرتين متجاورتين، حيث تتشابك الأراضي والأنهار، وتتشابك معها القلوب والأنانية. إحدى هذه العشائر كانت تمتلك مكينة ضخ المياه من نهر الكرخة، وبهذا امتلكت القوة على حياة من حولها. وصفت المشهد بدقة كما رأيته: كانت هناك امرأة مسترجلة وكما يقال “أخت ارجال”، تحمل “الجناية”، ملثمة بالكوفية، تضرب بلا هوادة أبناء الطرف الآخر، وتسيطر عليهم بعنف لم يتوقعه أحد. كانت شجاعة، قوية، وتدخل النزاع بحنكة لا يمتلكها سوى القليلون.
وفي أحد الأحداث الطريفة والمهزلة في نفس الوقت، ظهر شخص ضعيف وجبان، لا يملك شيئًا سوى خوفه. وعندما اشتعل النزاع، دخل الرجل رأسه في برميل طيني يُدعى “السدانة”، كانت تستخدم لتخزين الطحين والدقيق. وخرج لاحقًا مغطى بالدقيق، أبيض من الرأس، كأن المدينة نفسها قررت أن تحوله إلى مشهد ساخر وسط الفوضى.
وحين حدث شجار بين العمال الذين يقومون بتفريغ حمولة القوارب الخشبية المعروفة بـ “الدانگ” والتي تنقل اكياس الشلب للبسيتين ومن هناك تشحن في السيارات إلى مدن أخرى، جاء رئيس الأمنية وعناصر الدرك يهرولون، ولم يجدوا احدا من المتنازعين حيث اختفى العمال، وكان هناك رجلا عجوزا مدعیا انه یجید اللغة الفارسیة روي لهم القصة، قائلا: “جناب سروان دعوات كردند، جنايه بردند، شاله او دگه بالبلم، خلصت وراحت”.
تحولت هذه الواقعة إلى حديث الجميع، وامتزج فيها الضحك بالخوف، والمأساة بالسخرية، وكأن البسيتين تعرف كيف تحوّل كل نزاع، مهما كان دمويًا أو عنيفًا، إلى حكاية يتداولها السكان لأجيال، قصة تتكرر مع كل عصا خيزران، وكل مكينة مياه، وكل امرأة شجاعة تدخل المعركة، ووسط كل هذا يبقى التاريخ مسجّلًا في أنهر المدينة وأرضها، ينتظر أن يُروى مرة أخرى بصوت الأطفال والجدات والرجال الذين عاشوا فيها.
في مدينة البسيتين، لم تكن النزاعات دائمًا على الأرض أو الماء أو المكائن، بل امتدت لتصل إلى القلوب والأجساد، إلى الشرف والكرامة، حيث تتحوّل الخلافات العائلية إلى مأساة مكتومة لا يجرؤ أحد على نسيانها. كان هناك رجل وسيم، محترم ومحبوب، يسافر أحيانًا إلى الكويت ويعود، يحمل بين أمتعته ذكريات بعيدة وحكايات من المدينة البعيدة، لكنه لم يجرؤ على إدراك أن مصيره سيتشابك مع الخيانة والصراع داخل بيته.
نشب خلاف بينه وبين زوجته بعد أن حاول الزواج عليها. لم تكن الزوجة صامتة؛ بل سعت للتحايل والدفاع عن نفسها وعائلتها، فاستنهضت شقيقها، فاشتعل النزاع، وتحوّل إلى مأساة حقيقية: الشقيق حمل العصا على رأس الرجل، وضربه حتى قتل في المكان، وراح الرجل ضحية النزاع، ضحية ما يكتنفه الغضب والغيرة، ضحية تحالفات العائلة التي تتحرك وفق قوانين قديمة لا يفهمها إلا سكان المدينة نفسها.
لكن الأسى لم يقف عند هذا الحد. ففي أحيان أخرى، كان هناك تجاوز على النساء، قصص لا يُجرؤ أحد على ذكرها بصوت مرتفع، لكنها كانت تُروى في الهواجس والهمسات. هناك كانت فتاة جميلة، يتيمة الأم، صماء (خرسة) لا تستطيع الكلام، عالقة بين حياتها وعالم لا يفهم ضعفها، استغلها أحد أبناء عمومتها، اغتصبها، ثم تخلى عنها عندما حملت، تاركًا وراءه فراغًا أكبر من أي كلمة.
حين سألت الناس عن الجاني، لم يتمكن أحد من كشفه، فقد كان صامتًا كالظل، مختبئًا خلف الخوف، بينما أهلها حاولوا “غسل العار” وفق عاداتهم القديمة، وخنقوا الفتاة لإنهاء ما اعتبروه وصمة شرف. وتتهامس المدينة طويلاً باسم المجرم، وهو الذي لم يجرؤ على مواجهة أفعاله، أو الاعتراف بجريمته، بينما تبقى الضحية مكتومة في صمتها، رمزًا لضعفها في عالم يفرض نفسه على كل من لا يملك صوتًا.
مرّت شهور، وحملتني الأحداث إلى مدينة الأحواز. هناك كنت أسير في أزقّتها القديمة، حين لمحت رجلًا معمّمًا، يشدّ شالًا أسود حول عنقه، ويحمل بين يديه كتبًا. وما إن اقتربتُ منه حتى تجمّد الدم في عروقي؛ كان هو ذاته الرجل الذي اغتصب تلك الفتاة المسكينة.
بدا وكأن المدينة نفسها قد منحتْه طريقًا للنجاة، وكأن الزمن ألبسه قناع القداسة والدين ليتوارى خلفه. أمّا الضحية، فقد ماتت حبيسة عجزها، صامتةً، محرومةً من الدفاع عن نفسها، ومحرومةً من عدالةٍ لا تأتي إلا في الأساطير.
وتكرّر المشهد بعد سنوات طويلة، بعيدًا عن البسيتين، وكأن القدر أصرّ أن يعيد فتح الجرح في مكان لا يُفترض فيه إلا الطهارة. كان ذلك في مكة المكرمة، عام 1994 على ما أذكر، حين ذهبت لأداء مناسك الحج. كنت أسير قرب الجمرات، محاطًا بحشود لا تنتهي، عرقٌ يتصبب من الوجوه، وأصوات الدعاء تختلط بحرارة الأرض الصاعدة من تحت الأقدام، حين وقعت عيني فجأة على وجهٍ أعرفه جيدًا، وجهٍ ظننته دفنته السنوات والهروب.
كان جارًا لأحد أقربائي. هو… ذلك الهارب من مدينة الأحواز، الرجل الذي قضى عمره في الظلال، يمارس السحر والشعوذة، ويخلّف وراءه خوفًا لا يُرى وألمًا لا يُقال.
للحظةٍ خُيّل إليّ أن بصري يخونني، لكن ملامحه كانت أصدق من الوهم وأقسى من الشكّ: النظرة المراوغة ذاتها، والابتسامة القلقة التي لا تستقرّ على وجهه، كأنها وُلدت من ذنبٍ قديمٍ لم يُمحَ بعد.
تدفقت إلى ذهني قصته كما لو أنها تحدث الآن. يوم العرس، حين عجز العريس عن الدخول على عروسه، محاصرًا بخوفٍ غامض وارتباكٍ لم يفهمه أحد. في تلك الليلة، لجأت الأسرة إلى هذا المشعوذ، كما يلجأ الغريق إلى قشة، غير مدرك أن القشة نفسها مسمومة. دخل الرجل الغرفة بهدوء مريب، خدر العريس، ثم اقترب من العروس، تاركًا وراءه فوضى لا تُرى بالعين، لكنها تعيش في الذاكرة إلى الأبد. وفي اليوم التالي، بدأت الحكاية تتسرب، بيتًا بعد بيت، همسًا بعد همس، حتى عرف الجميع، لكن المشعوذ كان قد سبقهم بخطوة، وهرب إلى الكويت، تاركًا خلفه عارًا بلا اسم، وضحية بلا صوت.
وهنا، عند الجمرات، في أقدس مكان، شعرت وكأن الشيطان نفسه قد نهض من تحت الحصى ووقف أمامي. نظر إليّ، فعرفني فورًا، وقال كلمات مبهمة عن الماضي والخطايا، كلمات لا تُقال كاملة أبدًا، لأنها لا تحتمل النطق. توقّف الزمن للحظة، شعرت أنني واقف بين عالمين: عالم الذنب، وعالم الغفران، ولم أكن أعلم أيهما أقرب إلى الحقيقة.
اقترب مني، وأخذني في حضنه، حضنٌ بارد وسط حرارة البشر، فقلت له مازحًا، وفي المزاح مرارة لا تخفى:
هل أرجم الشيطان… أم أرجمك أنت يا مجرم؟
ابتسم ابتسامة باهتة، وقال بصوت حاول أن يجعله واثقًا:
لقد تبت إلى الله. لقد عوضنا (فصلنا) أهل العروس وأهل العريس، وانتهى الموضوع.
تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.