هل تدرك طهران أن أمنها القومي بات مرهونًا بعدالةٍ حقيقية في عربستان الأحواز؟

تشير القراءة التحليلية الصادرة عن مركز دراسات عربستان الأحواز بتاريخ 11 فبراير 2026، في تقرير «أزمة الطاقة في إيران وجيوسياسية الأحواز»، إلى أن إيران تقف اليوم أمام لحظة مفصلية تتقاطع فيها أزمة الطاقة الخانقة مع معضلة الأمن القومي، وتتداخل فيها الجغرافيا السياسية مع سؤال الهوية والعدالة الاجتماعية في منطقة الأحواز (عربستان)، التي تمثل القلب النابض للبنية النفطية والغازية للدولة.

في ظل العقوبات الدولية الممتدة وتراجع القدرة على جذب الاستثمارات والتكنولوجيا، يعاني قطاع الطاقة الإيراني من استنزاف مزمن. وتُقدَّر الفجوة الاستثمارية المطلوبة لتحديث البنية التحتية المتقادمة وتطوير الحقول الناضجة بنحو 150 إلى 200 مليار دولار خلال العقد المقبل. ويزداد المشهد تعقيدًا مع انخفاض معدلات الاستخراج في الحقول القديمة نتيجة غياب تقنيات الاستخلاص المعزز وصعوبة الحصول على المعدات المتقدمة، ما يفرض ضغوطًا هائلة على اقتصاد يعتمد بصورة شبه كلية على هذه الموارد.

تكمن خطورة الوضع في أن الغالبية الساحقة من احتياطيات النفط والغاز الإيرانية تتركز في الأحواز، جنوب وجنوب غرب البلاد. ففيها يقع حقل الأحواز باحتياطيات تُقدَّر بنحو 65 مليار برميل، وحقل مارون بأكثر من 46 مليار برميل، إلى جانب حقل بارس الجنوبي، أحد أكبر حقول الغاز في العالم، باحتياطيات تقارب 14 تريليون متر مكعب، فضلًا عن حقول شانول ويادافاران وآزادكان ذات الإمكانات الضخمة. هذا التركز يجعل استقرار الأحواز مسألة وجودية؛ فأي اضطراب أمني أو اجتماعي في هذه المنطقة قد يفضي إلى شلل اقتصادي شامل.

أهم الحقول النفطية في المنطقة تشمل:

  • حقل الأحواز: باحتياطيات تقارب 65 مليار برميل، يُعد الأكبر في البلاد ومن أضخم الحقول البرية عالميًا.
  • حقل مارون: يتجاوز 46 مليار برميل، ويمثل أحد أعمدة الإنتاج المستدام.
  • حقل آزادكان (الحويزة): نحو 33 مليار برميل.
  • حقل يادافاران (الجفير): قرابة 30 مليار برميل.

وإذا كان النفط هو المصدر التقليدي للقوة المالية، فإن الغاز أصبح في العقود الأخيرة ركيزة الأمن الطاقوي الداخلي.

  • حقل بارس الجنوبي: أحد أكبر حقول الغاز في العالم، باحتياطيات تُقدَّر بنحو 14 تريليون متر مكعب، أي ما يقارب 19% من الاحتياطيات العالمية المؤكدة، ويضم كميات ضخمة من المكثفات الغازية عالية القيمة.
  • حقل شانول: باحتياطيات تقارب 10 تريليونات متر مكعب، مع خطط طموحة لرفع الإنتاج إلى أكثر من ثلاثة أضعاف مستواه الحالي.

ولا تقتصر ثروات الأحواز على النفط والغاز الخام، بل تمتد إلى:

  • مصافي تكرير عملاقة.
  • مجمعات بتروكيماوية تحول الغاز إلى منتجات ذات قيمة مضافة مرتفعة.
  • شبكات أنابيب تمتد مئات الكيلومترات نحو موانئ التصدير على الخليج العربي.
  • موانئ استراتيجية تشكل بوابة رئيسية للتجارة النفطية.

إلى جانب الثروة الكامنة تحت الأرض، تمتلك الأحواز قيمة استراتيجية فوقها. فهي تُشرف على ممرات بحرية حيوية في الخليج العربي، أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، مما يمنحها بُعدًا جيوسياسيًا مضاعفًا؛ فهي ليست مجرد خزّان للطاقة، بل بوابة تصديرها وحلقة الوصل بين الحقول والأسواق. وفي أي صراع إقليمي أو دولي، تتحول مناطق الطاقة الساحلية إلى أهداف شديدة الحساسية، سواء لحمايتها أو للضغط من خلالها.

غير أن المعادلة لا تقف عند حدود الاقتصاد. فالأحواز منطقة حدودية تطل على ممرات بحرية استراتيجية، ما يجعلها ساحة محتملة لتنافس القوى الكبرى في حال تصاعد التوترات الدولية. وقد برز في بعض التحليلات هاجس سيناريو «السيطرة على الجنوب»، حيث قد تُستَخدم ذرائع حماية تدفقات الطاقة أو تأمين الممرات البحرية لتبرير تدخلات مباشرة أو غير مباشرة في مناطق الثروة.

لكن البعد الأكثر حساسية يظل اجتماعيًا وهوياتيًا. فحقول الطاقة العملاقة تقع في أرض يقطنها الشعب العربي الأحوازي، الذي يرى منتقدو السياسات الرسمية أنه عانى على مدى قرن من التهميش الاقتصادي والثقافي. والمفارقة أن هذا الشعب يعيش فوق ثروات تُعد من الأكبر عالميًا، فيما يواجه أوضاعًا اجتماعية واقتصادية صعبة، تتجلى في ارتفاع معدلات الفقر والبطالة وتراجع مستوى الخدمات الأساسية.

إن الهزيمة التي لحقت بالتيار الملكي في إيران، وهو تيار قومي فارسي متطرف يحمل أفكارًا شوفينية ونزعة نازية، ليس ضد العرب فحسب، بل ضد جميع الشعوب القاطنة في الخارطة الإيرانية، وأيضًا الشعوب المجاورة لإيران. فقد أظهرت تجارب الانتفاضات والاحتجاجات الأخيرة فشل هذا التيار الشمولي العنصري، وأثبتت الخسائر الكبيرة التي مني بها الشارع الإيراني أن دور هذا التيار انتهى عمليًا وأصبح في مزبلة التاريخ.

ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: هل تعي طهران خطورة هذه اللحظة؟ وهل تمتلك الإرادة السياسية لمراجعة سياساتها الاستعمارية الداخلية والعنصرية تجاه مكوناتها غير الفارسية بجدية ومصداقية، بما يعيد صياغة العلاقة مع الأقاليم غير الفارسية على أساس الشراكة والعدالة؟ وهل يمكن أن تتجه نحو منح صلاحيات أوسع وإدارة محلية عادلة للموارد للعرب في الأحواز، حتى وإن ظل ذلك ضمن إطار الدولة الإيرانية، لتجنيب المنطقة سيناريوهات الانفصال أو استثمار القوى الخارجية في هشاشة الداخل؟

لقد بدأت تبرز مؤشرات تحول شكلية في الخطاب الرسمي، تجلّت في إعادة تقديم بعض الرموز التاريخية الوطنية في الأحواز، التي تجسّد مرحلة السيادة والحكم العربي قبل احتلال عربستان عام 1925 – مثل أمير الأحواز الشيخ خزعل بن جابر آل مرداو – ضمن سردية وطنية إيرانية جامعة، بعد عقود من التعاطي الأمني الصرف مع هذه الرموز. قد يكون هذا التحول تكتيكيًا، ولا يجوز اعتباره محاولة حقيقية لاحتواء الهوية العربية أو امتصاص مشاعر الاغتراب. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في الرمزية الخطابية، بل في تشريعها وترجمتها إلى سياسات تنموية عادلة وإصلاحات بنيوية ملموسة تُحدث أثرًا فعليًا على الأرض.

المعادلة اليوم تختلف عما كانت عليه قبل عقود. فالثورة المعلوماتية والانفتاح الرقمي أزالا الحواجز التقليدية، وأصبح المواطن الأحوازي يقارن واقعه بما يشاهده في الضفة الأخرى من الخليج العربي، حيث يعيش أبناء عمومته في ظروف اقتصادية أكثر استقرارًا ورفاهًا. هذا الوعي المقارن يصعّب تمرير الشعارات أو الاكتفاء بإجراءات تكتيكية مؤقتة، ويضع أي محاولة احتواء رمزي تحت مجهر المساءلة والشك.

إن استمرار الفجوة بين الثروة الكامنة والواقع المعيشي يعمّق الإحساس بالظلم، ويزيد احتمالات توظيفه في صراعات إقليمية ودولية. وفي المقابل، فإن إصلاحًا عميقًا يعيد توزيع عوائد التنمية ويعزز المشاركة السياسية والاقتصادية يمكن أن يحوّل الأحواز من «ثغرة جيوسياسية» إلى ركيزة استقرار.

الخلاصة أن الأزمة لم تعد مجرد مسألة إنتاج نفطي أو استثمارات متعثرة، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لقدرة الدولة الإيرانية على المواءمة بين السيطرة والسيادة من جهة، والعدالة والمشاركة من جهة أخرى. وفي زمن تتصاعد فيه رهانات الطاقة والصراع الدولي، يبدو أن مستقبل الاستقرار في الجنوب – بل وربما استقرار الدولة نفسها – مرهون بالإجابة العملية عن سؤال واحد: هل ستُترجم التحولات الخطابية إلى عدالة حقيقية على الأرض؟

تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.

موقع ويب تم إنشاؤه بواسطة ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑