بعد أبي… وبعد وطنٍ مكسور(3)، رواية: منتظر سعيد

عام 1999 بدأت عملية التسجيل. ظهرت المخيمات، والمكاتب، وأماكن الانتظار. أذكر موقع كيلو 41، على بعد 41 كيلومترًا من الكوت. هناك استقروا. كان بينهم أطباء، مثقفون، عوائل كاملة. كثيرون صدّقوا الوعد. ذهبوا… وانقطعت أخبارهم.

وبعد الغزو الأمريكي، حين عاد بعضهم للأحواز، انكشفت الحقيقة بلا رتوش: صودرت أموالهم، ذهبهم، أغراضهم. أُعدم بعضهم، وسُجن آخرون، وأُبعد كثيرون عن الأحواز. والبعض… لم يُعرف مصيره حتى اليوم.

إحنا ما كنا مثل الباقين، وضعنا مختلف. اختلافنا كان يعني أننا عشنا تحت تهديد دائم، محكومين بالإعدام غيابياً، بينما أهلنا كانوا في أماكن أخرى، بعضهم معلمين، وبعضهم شهدوا أحداثًا لم يعرفها كثير من الناس. القضية التي حملتها عائلتنا كانت فوق كل شيء، تصنع من كل خطوة قرارًا مصيريًا. أفراد من عائلتنا أُعدموا في إيران قبل أن نضطر للنزوح إلى العراق.

أتذكر جدي، حامد السهر، الذي كان قياديًا في أحداث الأربعاء الأسود، قاوم هو وابنه علي بكل ما لديهم من قوة، حاولوا حماية الناس والمدينة ، لكن القوات المهاجمة على مدينة المحمرة ألقت القبض عليهم بلا رحمة. في اليوم التالي، أُعدم جدي في مدرسة بازرجان بالمحمرة، وفي اليوم الذي تلاه، أُعدم ابنه علي، الذي هو عمي، وفي اليوم الثالث، قتل ابن اخوه جمعه المولى تحت التعذيب.

رغم كل هذا، لم تخلُ حياتنا من بعض مظاهر الاستقرار أو ما يمكن تسميته بالرفاهية، مقارنة بالآخرين. كنت أتذكر أننا كنا نحتفل بيوم الشهید، شهداء الأحواز والعراق معاً، وأبناء الشهداء كانوا يُكرّمون بشكل خاص، نُقلنا مرات إلى الاحتفالات والتقينا مع طه ياسين رمضان، وكانت لحظات الاعتراف بالشجاعة والبطولة تمنحنا شعورًا بالفخر رغم كل الألم.

والحياة اليومية لم تكن سهلة، لكنها كانت تحمل بعض الطمأنينة. كان والدنا يمتلك نوط شجاعة من البداية، سيارة، راتب، وأرضًا زراعية. لكل رجل أحوازي بالغ، كان يُمنح عادةً 25 دونمًا من الأرض في الدجيل، الأراضي حكومية، ولم تُصادر من الناس. الأحوازي، على الرغم من كل ما حدث، كان يتمتع بالخيرات، وكان المواطن العادي يمشي بسيارته دون خوف من تسلط الضابط العراقي، دون أن يُطلب منه هوية أو إذن، وهو شعور لم يكن متاحًا لكل مكان في تلك الأيام.

هكذا عشنا، بين الألم والموت، وبين بعض الاستقرار والخيرات، بين البطش السياسي وكرامة الأرض، بين الماضي الذي يسحقنا والحاضر الذي نحاول أن نبنيه ببطء، حتى في أحلك الظروف.

استمرّ ذلك الحال حتى عام 2003، وكأن الزمن هناك كان يسير بعنادٍ خاص، لا يتقدّم ولا يتراجع، بل يدور في حلقةٍ واسعة حول نفسه. كانت “المنظمة” قائمةً في قلب الدجيل، مبنى يجمع في جدرانه مركز الحزب، والدائرة السياسية، ومركز الأمن، كأنّه بيتٌ واحدٌ تتقاسم غرفه السلطة والرقابة والخوف. وفوقه كان علم الأحواز مرفوعًا، يرفرف بثباتٍ حالم، فيما كان العلم العراقي مرفوعًا داخل المدارس والساحات الرسمية، كأنّ لكل علمٍ سماءه وحدوده غير المكتوبة.

كانت هناك مدرسة عبادان الابتدائية، ومدرسة الأحواز الابتدائية، وثانوية الشباب العربي، تلك التي كانت تجمع بين المتوسطة والإعدادية، وتضجّ بأصوات الطلبة في الصباحات الباكرة. في الأحياء الأحوازية كان العلم الأحوازي أعلى من كل شيء، يسبق البيوت الطينية وأعمدة الكهرباء، ويمنح الناس شعورًا خفيًا بأنهم ما زالوا هنا، لم يذوبوا بعد.

كان عدد الطلبة كبيرًا، الصفوف مكتظة، والأحلام أكبر من الجدران التي تحيط بهم. لكن حين يصلون إلى عتبة الإعدادية، تبدأ الأعداد بالتناقص. القرى والأرياف التي جاءوا منها كانت فلاحية بطبعها، والزواج المبكر عادة راسخة لا ينازعها أحد. كثيرٌ من الشباب كانوا يتركون مقاعد الدراسة ويتجهون إلى العمل في الأرض أو إلى تأسيس بيتٍ صغيرٍ قبل أن يشتدّ عودهم. الجامعة كانت حلمًا بعيدًا، يصل إليه القليل، ويظلّ في مخيلة الآخرين كحكايةٍ تُروى لا كواقعٍ يُعاش.

أما الذين وُلدوا في العراق، فقد كانت فرصهم أوفر، فدخل بعضهم الجامعات، والتحق بعض الشباب بالجيش، وتفرّقوا في دروبٍ مختلفة. من عائلتنا نفسها خرج من لبس البزّة العسكرية، ومنهم من حمل القلم. أتذكر بنت عمي، جاءت كبيرةً من الأحواز، أكملت دراستها هنا، التحقت بكليةٍ ذات قسم داخلي، ثم خرجت إلى التطبيق معلمةً في مدرسة. لم تكتفِ بذلك؛ واصلت دراستها حتى تخرّجت، وصارت مدرسةً لا تقتصر على المتوسطة، بل ارتقت درجاتٍ أخرى، كأنها كانت تثبت لنفسها قبل غيرها أن الطريق، مهما طال، يمكن أن يُستكمل.

دخلت العراق ثم عادت معنا، بين بلدين وحلمين ووظيفتين، تحمل شهادتها كما يُحمل الدليل على النجاة. وهكذا ظلّ التعليم عندنا ليس مجرد دراسةٍ أو وظيفة، بل معركةً صامتة ضد النسيان، وطريقةً أخرى لنقول إننا، رغم كل شيء، لم نتخلّ عن حقّنا في أن نحلم.

تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.

موقع ويب تم إنشاؤه بواسطة ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑