بين الرفض الغربي ونهاية الرهان على نجل الشاه والتيارات الشمولية: ماذا تعني التحولات الإيرانية للشعوب غير الفارسية؟

مركز دراسات عربستان الاحواز- حامد الكناني- بعد أيام من الرفض القاطع لطلب نجل الشاه، رضا بهلوي، من قبل مندوبي دول الاتحاد الأوروبي ، تداولت وسائل التواصل الاجتماعي يوم أمس مقطعًا من مقابلة تلفزيونية أجرتها الصحفية الأمريكية من أصول إيرانية كريستيان أمانبور مع السناتور الأمريكي عن الحزب الجمهوري ليندسي غراهام، وذلك على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن. وخلال المقابلة، وجهت أمانبور سؤالًا مباشرًا إلى غراهام، أشارت فيه إلى وجود رضا بهلوي، نجل شاه إيران السابق، في المؤتمر، وسألته بوضوح: هل تؤيد الولايات المتحدة رضا بهلوي ليكون قائدًا لإيران في المرحلة المقبلة؟

جاء رد السناتور الأمريكي واضحًا وصريحًا، إذ قال: “لا، هذا ليس من اختصاصي، والشعب الإيراني هو من يقرر من يقوده”. وقد اعتُبر هذا الرد بمثابة إشارة سياسية مهمة، ورسالة رفض ضمنية لمنح أي دعم أمريكي رسمي لمشروع إعادة إحياء النظام الملكي في إيران.

يمثل هذا الموقف ضربة جديدة للتيار الملكي الإيراني، الذي سعى خلال الفترة الأخيرة إلى استثمار الحضور الإعلامي والسياسي في المحافل الدولية للحصول على اعتراف سياسي، ولو رمزي، بشخصية رضا بهلوي. إلا أن هذه المحاولات اصطدمت بواقع سياسي معقد، سواء على المستوى الدولي أو داخل المجتمع الإيراني نفسه.

وقد تعرض التيار الملكي خلال الأشهر الماضية لانتقادات واسعة، خصوصًا بعد سلوكيات مثيرة للجدل صدرت عن بعض أنصاره في عدد من العواصم الغربية، حيث وقعت اعتداءات لفظية وجسدية ضد معارضين لهم، الأمر الذي أثار تساؤلات حول طبيعة هذا التيار ومدى التزامه بقيم التعددية السياسية.

كما يواجه رضا بهلوي تحديات أخرى تتعلق بقدرته على مخاطبة الداخل الإيراني، إذ يرى منتقدوه أنه نشأ وتكوّن سياسيًا خارج إيران، ضمن بيئة سياسية وثقافية مختلفة، وأن خطابه لا يعكس بالضرورة التنوع القومي والثقافي المعقد داخل البلاد. ويشير هؤلاء إلى أن إيران اليوم ليست إيران ما قبل عام 1979، بل مجتمع متعدد الهويات والتيارات الفكرية والسياسية.

من الناحية الواقعية، ينقسم المشهد السياسي الإيراني إلى عدة تيارات رئيسية. فهناك التيار المرتبط بالنظام الحالي، بما في ذلك المحافظون والإصلاحيون، وهناك تيارات يسارية وقومية مختلفة، إضافة إلى قوى سياسية تمثل القوميات غير الفارسية، مثل العرب والأكراد والبلوش واللور وغيرهم. وهذه المكونات لديها تجارب تاريخية معقدة مع الدولة المركزية، سواء في العهد الملكي أو في ظل النظام الحالي، وهو ما يجعل مسألة إعادة النظام الملكي محل جدل واسع.

كما أن التحولات التكنولوجية وثورة المعلومات خلال العقود الأخيرة أسهمت في رفع مستوى الوعي السياسي لدى مختلف مكونات المجتمع الإيراني، وأتاحت المجال لظهور رؤى متعددة بشأن مستقبل البلاد، بدلًا من الانحصار في نموذج سياسي واحد.

في ضوء هذه المعطيات، يبدو أن مستقبل إيران السياسي لن يُحسم عبر شخصيات رمزية أو مشاريع سياسية مدعومة إعلاميًا فقط، بل عبر تفاعلات داخلية معقدة تتعلق بميزان القوى، والواقع الاجتماعي، والتوافق بين مكونات المجتمع المختلفة.

ويؤكد رد السناتور ليندسي غراهام حقيقة أساسية في السياسة الدولية، وهي أن الشرعية السياسية لا تُمنح من الخارج، بل تُبنى من الداخل، وأن مستقبل أي دولة يقرره شعبها في المقام الأول.

لماذا تفشل الثورات الشمولية في إيران؟

السؤال المتكرر في السياق الإيراني كان دائمًا: لماذا فشلت الثورات أو الانتفاضات الشمولية في إحداث تغيير جذري داخل إيران؟

منذ أن استولى رجال الدين بقيادة الخميني فعليًا على زمام أحداث الثورة الإيرانية عام 1979، ومن خلال الانتفاضات المتكررة على مدار أكثر من 45 عامًا، واجهت جميع هذه الحركات قمعًا شديدًا أطفأ زخمها بسرعة، تاركًا وراءه إحباطًا شعبيًا واسعًا وعداءً متجدّدًا.

تهدف هذه الدراسة إلى تحليل الأسباب البنيوية والسياسية والاجتماعية التي تجعل من الصعب على أي ثورة شمولية أن تنجح في إيران، مع التركيز على التناقضات الوطنية، والقمع الأمني، وهيمنة المركز الفارسي على الأطراف.

بنية القمع في الدولة الإيرانية

يُعد القمع المنهجي الذي تمارسه الدولة الإيرانية أحد أبرز وأهم الأسباب وراء فشل الثورات الشعبية والانتفاضات المتكررة في البلاد. فعندما تندلع أي حركة احتجاجية أو انتفاضة في مدينة أو منطقة ما، تتعامل السلطات الإيرانية بسرعة وحزم من خلال شن حملات اعتقال واسعة تستهدف النشطاء السياسيين والصحفيين والمتظاهرين العاديين، وكذلك شخصيات المعارضة، في محاولة واضحة لخنق أي حركة ناشئة قبل أن يتوسع تأثيرها.

بالإضافة إلى ذلك، تفرض الدولة رقابة صارمة على جميع وسائل الإعلام، سواء التقليدية—مثل الصحف والتلفزيون—أو الرقمية، بما في ذلك منصات التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية، مما يجعل من الصعب وصول المعلومات والأخبار عن الاحتجاجات إلى الجمهور المحلي أو إلى العالم الخارجي. هذا العزل الإعلامي يضعف الحركات الاحتجاجية داخليًا ويمنعها من تشكيل قاعدة دعم شعبي واسعة أو تضامن دولي.

يُعد التحكم المطلق في تدفق المعلومات أداة رئيسية للنظام؛ إذ تملك السلطات القدرة على قطع الإنترنت جزئيًا أو كليًا، وحظر التطبيقات والخدمات التي قد تساعد المحتجين على التواصل، والتشويش المستمر على وسائل الاتصال.

من الناحية الأمنية، تمتلك قوات مثل الحرس الثوري الإسلامي (IRGC) وميليشيا الباسيج نفوذًا واسعًا داخل البلاد. وقد تم تدريبهم وتسليحهم بشكل مكثف ليكونوا على استعداد لاحتواء أي احتجاجات في مراحلها المبكرة باستخدام العنف والترهيب، ومنع التجمعات، وتنفيذ المداهمات والاعتقالات الجماعية. ويجعل هذا الجهاز الأمني الفعال من الصعب على الحركات الشعبية أن تتطور إلى انتفاضات واسعة النطاق ومستدامة.

الانقسامات القومية والإثنية

يُعدّ التعدد القومي والإثني في إيران عاملاً معقدًا. فإيران ليست متجانسة عرقيًا؛ إذ تضم عدة شعوب مثل:

الأذريين، الأكراد، العرب (الأحوازيين)، البلوش، التركمان، اللور، القشقائيين، إلى جانب الفرس الذين يهيمنون على مركز السلطة.

بعد أن وصل رضا خان إلى السلطة، وجدت المجموعات القومية الفارسية فرصًا أكبر للظهور. وإلى جانب رضا خان، الذي ارتقى إلى الحكم بدعم بريطاني وسرعان ما دفعه شغفه القومي إلى إقامة علاقة سرية مع هتلر، ظهرت أيضًا بعض الجماعات القومية والفاشية الفارسية المتأثرة بهتلر والحزب النازي. سعى رضا شاه إلى ترسيخ الأيديولوجية الفارسية، والحفاظ على ما تبقى من حدود البلاد، وإنشاء دولة فارسية موحدة تحت مسمى “إيران”. وسار ابنه، محمد رضا شاه، على خطى والده، مواصلاً قمع الشعوب غير الفارسية وفرض الأيديولوجية الفارسية وحدودها.

ومع ذلك، فشلت مشاريع الملكية الفارسية وجهود بناء أمة واحدة. والواقع الحالي هو أن شعوبًا مختلفة محصورة داخل جغرافيا سياسية تُعرف بإيران. علاوة على ذلك، فإن النظام الحاكم في هذه الجغرافيا السياسية هو نظام دولة-أمة استعماري، وليس جمهورية إسلامية كما يزعم. هذه الدولة تحكم شعوبها بعقلية استعمارية — تستغل مواردها الطبيعية، وتستولي على لغاتها، وتصادر حضاراتها، وتقمعها، وترتكب مجازر بحقها في مراحل مختلفة — وقد أحكمت سيطرتها على الدولة الحالية. كانت استراتيجية دولة-الأمة الاستعمارية الفارسية تتمثل في حرمان الشعوب الأخرى من هوياتها وفرض الهوية الفارسية عليها.

يسعى حفيد رضا شاه بهلوي اليوم إلى السير على خطى والده. وحتى الآن، لم ينتقد سياسات جده، رضا شاه، ولم يُدن علنًا سياسات والده، محمد رضا شاه بهلوي. كما يتجنب الاعتراف بحقوق الشعوب غير الفارسية. وفي خطاباته وتصريحاته، لم يُبدِ أي نية لمنح هذه الشعوب حقوقها، حتى ضمن الحدود الحالية لإيران. وبدلاً من ذلك، يتحدث فقط عن “حقوق المواطنة” ويركز على مفهوم وحدة الأراضي الإيرانية — وهو مفهوم يعرقل التغيير ويخدم النظام القائم أكثر مما يخدم المعارضة. علاوة على ذلك، فإن مصطلح “حقوق المواطنة” غامض ومرن، مما يجعله غير موثوق به بالنسبة للشعوب غير الفارسية، إذ إنها عانت مرارًا من مثل هذه الوعود دون أن تحصل على حقوقها.

تقوم هذه الشعوب غالبًا بانتفاضات داخل مناطقها الجغرافية، مطالبةً بحقوق قومية أو إنسانية تختلف عن أهداف القوى والمنظمات الشمولية المعارضة في إيران، التي تسعى إلى إسقاط النظام أو المطالبة بالحريات العامة. وغالبًا ما لا تُبدي القوى الشمولية المعارضة أي تعاطف مع هذه الحركات؛ بل إنها تشترك مع النظام الإيراني في النظرة الأحادية، معتقدةً أن المطالب القومية في مناطق الشعوب غير الفارسية تؤدي إلى تفكك إيران. لهذا السبب، لا تصف قوى المعارضة الإيرانية الأذريين والأكراد والعرب والبلوش وغيرهم بأنهم شعوب غير فارسية لها حقوق وواجبات، بل تعتبرهم مجرد “أقليات”. كما تطالب القوى المعارضة الفارسية دائمًا منظمات وقادة الشعوب غير الفارسية بالاعتراف بوحدة الأراضي الإيرانية قبل الاعتراف بحق هذه الشعوب في تقرير مصيرها، حتى لو كان ذلك ضمن الحدود الإيرانية. وهذه المشكلة تعيق باستمرار أي وحدة أو عمل مشترك يؤدي إلى إسقاط النظام في إيران.

المركز مقابل الأطراف

تاريخيًا، كانت إيران مقسمة إلى منطقتين رئيسيتين: المناطق المركزية، المعروفة باسم “الولايات”، والتي غالبًا ما تنتهي أسماؤها بـ “ان” ولها طابع فارسي بحت، مثل كرمان، أصفهان، كاشان، همدان، وحتى طهران، العاصمة، حيث يتركز النفوذ السياسي والاقتصادي والثقافي حاليًا؛ والمناطق الطرفية، مثل كردستان، بلوشستان، عربستان (الأحواز)، ولورستان، التي يسكنها شعوب غير فارسية، وتُعرف باسم “الإيالات” أو “الممالك”، والتي تنتهي أسماؤها بـ “ستان”، وتمثل تاريخيًا ممالك شبه مستقلة ضمن النظام الإمبراطوري القاجاري قبل ظهور الدولة المركزية التي أسسها رضا شاه بهلوي عام 1925.*

عندما تندلع الانتفاضات والاحتجاجات في المناطق غير الفارسية، يستغل النظام الإيراني بمهارة الانقسام بين المركز والأطراف عبر إذكاء المشاعر القومية الفارسية. حيث تُعزف الأناشيد القومية، وتُطلق حملات إعلامية ودعائية واسعة لتحريض الإيرانيين الفرس ضد الشعوب غير الفارسية، وتُصوَّر مطالبهم بالحقوق الثقافية أو الاقتصادية على أنها تهديد للأمة بأسرها. تؤدي هذه الاستراتيجية إلى تعميق الانقسام النفسي والسياسي بين المركز والأطراف، وتزيد من مشاعر التمييز والتهميش لدى القوميات غير الفارسية.

ومن الأمثلة البارزة على ذلك، الاحتجاجات المتكررة في كردستان وبلوشستان وعربستان (الأحواز)، حيث تواجه السلطات هذه المناطق بعنف مفرط، بينما قد يُسمح للمدن المركزية مثل طهران وأصفهان بهامش محدود من التعبير. هذه المعاملة المزدوجة تزيد من مشاعر الظلم وتُقوض الثقة بين الأطراف والدولة المركزية.

*تستثني هذه التسمية مناطق الأتراك. فعلى مدى القرون الماضية، خلال عهدي الصفوي والقاجاري — وكلاهما كان بقيادة الأتراك الأذريين — تم استبعاد المدن والمناطق الخاضعة لحكمهم من هذه الأسماء ذات الطابع الفارسي، أو تم تحوير أسمائها لتشبه أسماء المناطق الفارسية، نظرًا لكون السلطة السياسية حينها بيد الأتراك في تلك الفترات.

سياسة “صمام الضغط” لدى النظام

عندما تواجه إيران المركزية انتفاضات شعبية واسعة تطالب بالحريات العامة، والحقوق السياسية، والمواطنة، يلجأ النظام إلى ما يمكن تسميته بسياسة “صمام الضغط” أو “الإصلاحات التجميلية المؤقتة” في المناطق غير الفارسية لعزلها عن المركز. تهدف هذه السياسة إلى شراء الوقت وامتصاص الغضب الشعبي دون إجراء تغييرات حقيقية تمس جوهر السلطة أو طبيعة النظام. وتظهر هذه السياسة في إجراءات سطحية مثل:

منح حريات ثقافية محدودة، على سبيل المثال، تخفيف القيود مؤقتًا على لغات الشعوب وفلكلورهم، أو على الرقابة الاجتماعية، أو السماح بعرض أفلام أو مسرحيات تحمل رسائل نقدية معتدلة، ولكن تحت إشراف صارم.

السماح ببعض الأنشطة الثقافية أو الاحتفالات القومية للشعوب غير الفارسية، مثل المهرجانات المحلية أو الفعاليات الرمزية، ولكن تحت رقابة مشددة ودون اعتراف حقيقي بحقوقهم.

تؤدي هذه السياسة إلى إضعاف التضامن الشعبي بين المكونات الاجتماعية المختلفة وتفتيت وحدة قوى المعارضة. فقد تنخدع بعض الجماعات بهذه الإصلاحات التجميلية وتظن أنها مكاسب حقيقية، بينما تظل جذور الأزمة قائمة.

هذا يقوّض إمكانية تشكيل جبهة موحّدة ضد النظام، ويقسم المجتمع إلى فئات راضية مؤقتًا وأخرى تواصل المعاناة من القمع، ويشتت الجهود الشعبية، ويمنح النظام الوقت لإعادة تنظيم أدوات سيطرته.

وحدة الأراضي الإيرانية: شرط مسبق لعرقلة التغيير

إن مفهوم الحفاظ على وحدة الأراضي الإيرانية هو القاسم المشترك بين النظام الإيراني والمعارضة الفارسية في الخارج، وعلى رأسها التيار الملكي ونجل الشاه المخلوع. كما أن هذا المفهوم مدعوم من دول الجوار الإيراني لعدة أسباب. أولاً، تخشى هذه الدول أن يؤدي تفكك إيران المحتمل إلى سابقة قد تؤثر عليها مستقبلاً، نظرًا لتعدد مكوناتها العرقية والطائفية. ثانيًا، لدى هذه الدول مصلحة في إبقاء إيران في حالة جهل وسوء إدارة وجمود، خشية ظهور قوة بديلة قادرة على إدارة البلاد وتطويرها بشكل صحيح، وإخراجها من الوضع الكارثي الذي أوجده النظام الديني.

إن هذا التركيز على وحدة الأراضي الإيرانية أدى إلى موقف متساهل تجاه الملكيين، إذ غالبًا ما يتغاضى النظام عنهم، بخلاف ملاحقته المستمرة لبقية جماعات المعارضة، وخصوصًا تلك التي تمثل الشعوب غير الفارسية. كما يتعمد كل من النظام والمعارضة الفارسية تجاهل التنوع العرقي والقومي في إيران، لأن ذلك يصب في مصلحة الوضع الراهن. والملكيون أنفسهم يدركون تمامًا أن حكمهم قد انتهى ولا يمكن أن يعود، ومع ذلك يبقون على الساحة لاحتكار المساعدات والدعم الغربي. فمنذ 45 عامًا تقريبًا، ذهب معظم الدعم المالي الدولي والاهتمام الإعلامي إلى الملكيين والجماعات الفارسية المركزية، بينما تم حرمان الحركات التي تمثل الأمم غير الفارسية — مثل الأذريين، الأكراد، العرب، البلوش، والتركمان — من دعم مماثل.

حتى عندما تطالب هذه المجموعات غير الفارسية بحق تقرير المصير داخل الحدود الحالية لإيران — دون الدعوة إلى تفككها — فإنها لا تتلقى أي دعم مباشر أو غير مباشر من الدول أو المؤسسات الغربية. كما تميل المنظمات الدولية إلى منح الجوائز بشكل أساسي للنشطاء الفرس الذين يدافعون عن وحدة الأراضي الإيرانية، على الرغم من أن غالبية الضحايا والسجناء السياسيين ينتمون إلى المجتمعات غير الفارسية.

لم يحصل أي سجين سياسي أو ضحية من الأتراك الأذريين أو الأكراد أو عرب الأحواز أو البلوش أو التركمان في إيران على اعتراف من هذه المؤسسات العالمية أو الإنسانية. وينبع هذا التحيز من هيمنة الكتّاب والصحفيين الفرس داخل الإعلام والمنظمات الدولية، والتي يبدو أنها تعمل تحت تأثيرهم. ونتيجة لذلك، نرى اهتمامًا ودعمًا طاغيًا يُمنح للنشطاء الفرس، بينما يتم تهميش نضالات وتضحيات وقوة الحركات الشعبية للأمم غير الفارسية، التي تملك القدرة على إحداث التغيير الحقيقي داخل إيران.

مستقبل إيران: ما بعد الجمهورية الإسلامية

تتباين النقاشات حول مستقبل إيران بشكل واسع، وهو ما يعكس التنوع السياسي والاجتماعي العميق داخل البلاد. ومن بين الرؤى المطروحة:

اعتماد نظام فيدرالي أو كونفدرالي يضمن تقاسم السلطة بين المكونات المختلفة،

استمرار النظام الحالي لكن بمسمى جمهوري ديمقراطي،

تفكك الدولة الإيرانية وظهور دول جديدة.

يرى بعض المفكرين والمحللين أن الفيدرالية قد تكون حلاً عمليًا لتلبية المطالب العادلة لشعوب إيران المتنوعة، إذ توفر إطارًا يحافظ على الوحدة الوطنية مع احترام التنوع العرقي والثقافي. لكن هذه الفكرة تواجه تحديات حقيقية، خاصة بالنظر إلى الطبيعة المركزية الشديدة للنظام الإيراني المهيمن عليه بالقومية الفارسية، مما يجعل تحقيق فيدرالية ديمقراطية حقيقية أمرًا صعبًا في ظل الدولة القومية الحالية.

أسباب فشل الثورات الشمولية في إيران

يعود الفشل إلى مزيج معقد من العوامل البنيوية والسياسية التي تعيق التغيير الجذري، بما في ذلك:

نظام قمعي متماسك وقوي يحافظ على السلطة من خلال أدوات متعددة، انقسامات قومية عميقة بين مكونات المجتمع تعاني من غياب الوحدة والتضامن، غياب التعاون الحقيقي والتضامن بين المركز (المعارضة الشمولية بكل أشكالها) والأطراف (الشعوب غير الفارسية التي تعيش في الأطراف)، الهيمنة الأيديولوجية للدولة الفارسية على جميع مفاصل السلطة وصنع القرار السياسي.

وبناءً على ذلك، لا يمكن أن يمر طريق التغيير الحقيقي في إيران دون توحيد نضالات جميع الشعوب والمكونات الوطنية على أساس الاعتراف المتبادل بالحقوق الوطنية والثقافية والسياسية لكل منها. ويجب أن يتجاوز هذا الاعتراف الشعارات الفضفاضة حول “حقوق المواطنة”، التي للأسف لا تعكس الواقع المعيشي لهذه الشعوب ولا تلبي تطلعاتها المشروعة.

لذلك، لا يمكن تحقيق تغيير شامل ومستدام إلا عندما تتحرر القوى السياسية الفارسية من نزعتها الأحادية التي ترفض الاعتراف بالتعددية والهويات المتنوعة في إيران. إن قبول هذا التعدد هو الخطوة الأولى والأساسية نحو بناء دولة ديمقراطية حديثة تستوعب جميع مكوناتها وتحقق العدالة السياسية والاجتماعية لكل المواطنين.

تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.

موقع ويب تم إنشاؤه بواسطة ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑