بعد أبي… وبعد وطنٍ مكسور(4)، رواية: منتظر سعيد

منذ البداية، كانت الدولة العراقية تنظر إلى الأحوازيين بوصفهم أبناء الماء والقصب، أبناء الشطوط الذين يعرفون لغة الأنهار أكثر مما يعرفون لغة المدن. لذلك لم تتركهم يتوزعون كما يشاؤون، بل عملت على توطينهم في أماكن محددة، كمن يزرع شتلاتٍ يخشى عليها من الضياع. هكذا استقر بعض أبناء سهل ميسان في شيخ سعد والعمارة، وهناك، بين التراب الجديد وذكريات الضفاف القديمة، بدأوا يتعلمون كيف يصنعون حياة أخرى.

في البداية، لم يكن مسموحًا لهم أن يسكنوا حيث يريدون، كانت المدن تُفتح لهم بحذر، والأبواب تُوارب ولا تُفتح بالكامل. لكن الزمن، كعادته، يلين أكثر الأشياء صلابة. مع السنوات، نسج الأحوازيون علاقات داخل مؤسسات الدولة، وصارت لهم أسماء معروفة، ووجوه مألوفة، حتى أصبح وجودهم جزءًا من المشهد، لا ظلًا عابرًا فيه.

ومن بين أولئك الذين حملوا أحلامهم أبعد من الحقول، كان حمزة عباس الخليفاوي، ابن منطقة معمر الكاظمي قرب نهر كارون. شابٌ خرج من الطين ليصل إلى العلم، حتى أصبح عالمًا نوويًا بعد دراسته في العراق. وحين عاد إلى إيران، عمل في شركات النفط، كأنه عاد إلى قدرٍ كُتب له منذ ولادته قرب الماء والنار معًا. ثم جاءت الدعوة إلى روسيا، فسافر، وعاد بعدها رجلًا يثير الشكوك. لم يمهلوه طويلًا. اعتقلوه، وفي اليوم التالي أعلنوا موته، كأن حياته كانت جملةً حُذفت من كتاب دون تفسير.

أما في العراق، فقد وجد الأحوازيون لأنفسهم طريقًا آخر، طريقًا يمر عبر المعسكرات. تشكلت لهم وحدات مرتبطة بالقيادة العسكرية والمخابرات، وكانت في بدايتها تحت إشراف برزان التكريتي، قبل أن ترتبط مباشرة بديوان الرئاسة. كانت لهم معسكراتهم، رواتبهم، ومدرعاتهم التي تشق الأرض بقسوة، كأنها تحاول أن تثبت وجودهم في وطنٍ لم يولدوا فيه.

أتذكر أحد أقاربي، كان يقود دبابة. كان يقول إن صوت القصف لا يُسمع فقط، بل يدخل الجسد ويستقر فيه. ومع الأيام، أخذت الحرب سمعه، وتركته يعيش في صمتٍ ثقيل، صمتٍ يشبه نهاية معركة لا تنتهي.

وهكذا، بين العلم والسلاح، بين الحلم والموت الغامض، عاش الأحوازيون تلك المرحلة، كأنهم يمشون على حافة نهرين: نهرٍ يحملهم إلى مستقبلٍ لم يختاروه، ونهرٍ آخر يعيدهم دائمًا إلى الضفة الأولى التي جاؤوا منها.

بعد أن وضعت الحرب الإيرانية العراقية أوزارها، لم تنقطع الصلة بين الدولة العراقية والأحوازيين، بل بدا كأن تلك الصلة قد خرجت من نار المعارك أكثر صلابة. فالأبواب التي كانت تُفتح بحذر، صارت تُفتح بثقةٍ أكبر، والوجوه التي كانت تُرى عند أطراف المشهد، تقدّمت إلى قلبه.

صار بعض الأحوازيين رجال دولة، لا ضيوفًا عليها. ومن بينهم ذلك الرجل، الذي كان يومًا مدرسًا بسيطًا للغة الإنجليزية، يحمل الطباشير أكثر مما يحمل الطموح، قبل أن يجد نفسه عضوًا في القيادة القطرية لـحزب البعث العربي الاشتراكي، كأن القدر أخذه من صفٍ دراسي ضيق إلى قاعةٍ أوسع تُصاغ فيها مصائر الناس. وكان هناك أيضًا الرجل المخلص، الذي صار اسمًا يتردد في أروقة الجبهة العربية، دورةً بعد أخرى، دون أن ينطفئ حضوره.

لم تكن الجبهة مجرد اسمٍ أو شعار، بل كانت عالمًا قائمًا بذاته. فيها مطابع تدور ليلًا، ومدارس تفتح أبوابها مع الفجر، واتحادات تجمع الطلبة والشباب والنساء، كأنهم يحاولون أن يبنوا وطنًا موازيًا داخل وطنٍ آخر. وبرزت نساء، يحملن أسم الأحواز إلى مؤتمرات بعيدة، ويعدن به محمّلاتٍ بشيءٍ من الاعتراف وكثيرٍ من الحنين.

وفي مدينة الكوت، كانت لهم مقراتهم التي تشبه بيوتًا كبيرة للعائلة الواحدة، وسياراتهم التي تحمل لوحات مختلفة (ج ع ح)، وهوياتهم التي كُتب عليها أنهم أحوازيون، كأنها وثائق انتماء أكثر منها أوراق تعريف. كانت تلك الهوية تُبرزهم وتخفيهم في الوقت نفسه، تمنحهم وجودًا وتعترف بغربتهم.

كل تلك السنوات تركت وراءها أرشيفًا صامتًا: صورًا باهتة، بطاقاتٍ قديمة، ووجوهًا تنظر من الورق كما لو كانت تنتظر من يتذكرها. أرشيفًا لا يوثق ما حدث فقط، بل يوثق ما شعر به الناس وهم يعيشونه.

وحين جاء عام 1990، واندفع الجيش العراقي نحو الكويت، بقي الجيش الأحوازي خارج تلك المغامرة. لم يكن جزءًا من الجيش العراقي، بل ظل تشكيلًا قائمًا بذاته، مرتبطًا بالقيادة، لكنه يحتفظ بمسافةٍ صامتة. كأنهم، للمرة الأولى، لم يكونوا جنود حربٍ لا تخصهم، بل شهودًا على زمنٍ آخر يتغير، فيما هم يحاولون أن يحافظوا على ما تبقى لهم من اسمٍ وذاكرة.

خلال سنوات الحرب الطويلة بين العراق وإيران، ظهر الجيش الأحوازي كقوة خفية تعمل في الظل أكثر مما تعمل في العلن. لم تكن مهمته القتال في الخنادق بقدر ما كانت مهمته الغوص في الكلمات، في الهمسات اللاسلكية، وفي الشفرات التي كانت تعبر الأثير محملة بأسرار الجبهات. وبفضل معرفتهم العميقة باللغة الفارسية ولهجاتها، استطاع بعض أفراده أن يحولوا تلك الأصوات المتقطعة إلى معانٍ واضحة، وأن يستخرجوا منها ما يشبه الخريطة السرية لتحركات الجيش الإيراني. حتى أن بعض الضباط العراقيين كانوا يقولون، بنبرة امتزج فيها الإعجاب والدهشة، إن إيران أصبحت أمامهم ككتاب مفتوح.

وبعد أن وضعت الحرب أوزارها، لم ينتهِ حضور هؤلاء الرجال فجأة، بل ظلوا موجودين في معسكرات ومراكز متفرقة قرب الكوت والدجيل، يعيشون حالة انتظار غامضة، كأنهم جنود انتهت معركتهم لكن لم تنتهِ حكايتهم بعد. ومع تغير الظروف السياسية، بدأت مساراتهم تتشعب، واتخذ نشاطهم أشكالًا أخرى.

في تلك الفترة، نشطت الجبهة العربية عبر مؤسساتها وتنظيماتها المختلفة. كانت هناك اتحادات للطلبة، وللشباب، وحتى للنساء، تقودها شخصيات مثل خديجة عبود وسعاد زویدات وغيرهن. لم يكن نشاطهم عسكريًا فقط، بل كان سياسيًا وثقافيًا أيضًا: طباعة منشورات، تنظيم اجتماعات، وإرسال وفود إلى مؤتمرات خارجية، حتى في تونس والكويت.

كان للأحوازيين عالمهم الخاص داخل هذا الواقع؛ سيارات تحمل أرقامًا تميزهم، وهويات تشير إلى انتمائهم، وشعور داخلي بأن لهم كيانًا مستقلًا، حتى وإن لم يكن معترفًا به رسميًا. كانوا يعيشون بين دولتين، لكنهم يحتفظون باسم ثالث في قلوبهم: الأحواز، الوطن الذي حملوه معهم أينما ذهبوا، ليس كأرض فقط، بل كهوية لا يمكن فك شفرتها.

تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.

موقع ويب تم إنشاؤه بواسطة ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑