في عهد رضا خان بهلوي (1925-1941) والذي وصف بالعهد الدموي، بدأت واحدة من أقسى صفحات التاريخ التي عرفتها الأحواز، حيث أصدر الشاه أوامره بتنفيذ عملية تبعيد قسري واسعة استهدفت عوائل رؤوس العشائر العربية، في محاولة لإخضاع المنطقة وكسر إرادة أهلها. وقد بلغ عدد الأسرى في تلك الحملة أكثر من ألف وخمسمائة شخص، من رجال ونساء وأطفال، اقتُلعوا من أرضهم واقتيدوا نحو مصير مجهول.
بدأت رحلة التهجير من مدينة البسيتين، ومنها إلى الخفاجية، ثم إلى السوس، قبل أن يُجبروا على مواصلة المسير نحو خرم آباد، ثم بروجرد، فقطعوا مئات الكيلومترات مشياً على الأقدام تحت الحراسة والقهر. ومن هناك نُقلوا إلى أراك، ثم إلى العاصمة طهران، قبل أن تنتهي بهم الرحلة عند ميناء جرجان الواقع على سواحل بحر قزوين، بعد أن قطعوا ما يقارب 1300 كيلومتر من المعاناة.
لم تكن تلك الرحلة مجرد انتقال جغرافي، بل كانت مسيرة ألم إنساني عميق. فقد سار المبعدون حفاة القلوب قبل الأقدام، يحملون معهم بقايا بيوت تركوها قسراً، وذكريات وطن صار بعيداً كالحلم. كثيرون سقطوا في الطريق من شدة الجوع والتعب والمرض، وتحوّل الطريق نفسه إلى شاهد صامت على انهيار أجساد أنهكها القهر، بينما بقيت أرواحهم معلقة بأرضهم الأولى.
في تلك القافلة، تغيّر معنى الحياة والموت؛ فالموت لم يعد النهاية الأكثر رعباً، بل صار أحياناً الخلاص الوحيد من عذاب مستمر. الأمهات احتضنّ أبناءهن ليس فقط بدافع الحنان، بل بدافع الخوف من فقدانهم، والأطفال الذين كان يفترض أن يعيشوا براءة البدايات، وجدوا أنفسهم فجأة في مواجهة قسوة لا يفهمونها.
ورغم كل ما حدث، لم يكن التهجير قادراً على اقتلاع كل شيء. فقد بقي حب الأرض متجذراً في النفوس، وبقيت الكرامة حية رغم محاولات كسرها. تحولت تلك المسيرة، مع مرور الزمن، إلى ملحمة إنسانية وتاريخية، لا تروي فقط مأساة التهجير، بل تروي أيضاً صمود الإنسان في وجه القهر.
وهكذا، لم تكن قافلة التبعيد مجرد حدث عرضي في زمن مضى، بل أصبحت شاهداً دائماً على مرحلة حاولت فيها السلطة محو هوية شعب، لكنها لم تستطع أن تمحو ذاكرته، ولا أن تُسكت صوته الذي بقي حياً في التاريخ.
تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.