قراءة في الهوية والتاريخ الأحوازي في رواية ‘ختم خزعل’، للدكتورة هدى النعيمي

مركز دراسات عربستان الأحواز- تقدم رواية “ختم خزعل” للكاتبة هدى النعيمي، الصادرة عام 2025 عن دار العين للنشر، سردًا روائيًا يتجاوز حدود التوثيق التاريخي التقليدي ليؤسس لذاكرة أدبية مضادة، تمزج بين الوقائع التاريخية والخيال، وتعيد مساءلة تاريخ الأحواز العربية خلال القرن العشرين من منظور إنساني وسيميولوجي. تنطلق الرواية من لحظة مفصلية تمثلت في سقوط مملكة الأحواز، أو عربستان، وضمها قسرًا إلى إيران، وما رافق ذلك من نفي حاكمها الشيخ خزعل بن جابر آل مرداو، لتنسج من هذه الحادثة خيطًا سرديًا يمتد عبر عقود، كاشفًا التحولات السياسية العميقة التي شهدتها المنطقة، من الثورة الدستورية الإيرانية إلى الحربين العالميتين، مرورًا بتدخل القوى الكبرى وبروز شركة النفط الأنجلو-فارسية، وما نتج عن ذلك من تغييرات قسرية مست الهوية العربية، تمثلت في تغيير أسماء المدن والأنهار وفرض اللغة الفارسية، وصولًا إلى استبدال اسم عربستان رسميًا بخوزستان.

وسط هذه التحولات، لا تكتفي الرواية بتسجيل الوقائع، بل تنفذ إلى مصائر الشخصيات التي عاشت تلك المرحلة، فتستعيد حياة الشيخ خزعل وعائلته، وخاصة ابنه كاسب وابنته خيرية، وما واجهوه من نفي وقهر وضياع بعد سقوط المملكة، كما تقدم شخصيات أخرى، بعضها تاريخي وبعضها متخيل، مثل عائلة عزيز، لتجسد البعد الإنساني للأحداث الكبرى. ويبرز عزيز الأحوازي، المعروف برجل الدستور، بوصفه رمزًا للعقل السياسي المغدور، إذ يحمل أمانة سرية في مهمة دبلوماسية شاقة إلى السلطان العثماني، ثم يغيب لسنوات طويلة، في غياب يوازي غياب العدالة وضياع الوطن نفسه، بينما تبقى أوراقه وذكراه محفوظتين داخل الأرشيف العائلي، تنتقلان عبر الأجيال.

في قلب هذا الأرشيف يقف ختم الشيخ خزعل، الذي يتحول من مجرد أداة مادية إلى رمز مركزي كثيف الدلالة، يمثل الهوية والسيادة والذاكرة التي لم تستطع السلطة محوها. يصبح الختم، إلى جانب الوثائق والأوراق والذاكرة الشفوية، شاهدًا على تاريخ مهدد بالطمس، وأداة مقاومة رمزية ضد النسيان. ومن خلال شخصية الراوي نور الدين، أحد أحفاد العائلة، تتكشف هذه الوثائق وتُقرأ، لا بوصفها بقايا ماضٍ منتهٍ، بل كأرشيف حي يعيد إنتاج المعنى، ويمنح السرد طابعًا تراكميًا تتداخل فيه الأزمنة، حيث تتجاور الذاكرة مع الحاضر، ويصبح فعل التذكر ذاته شكلًا من أشكال المقاومة.

وتتجلى في الرواية شخصيات نسائية مثل رقية عبد الرحيم آل كعب، التي تمثل ذاكرة الأرض واستمراريتها، وتحمل عبء الحفاظ على المعنى في مواجهة المحو، فيما تجسد شخصيات مثل صديق ونور الدين الأجيال اللاحقة التي ورثت هذا الأرشيف، ووجدت نفسها أمام مسؤولية الحفاظ عليه رغم التهجير والتكيف القسري. أما الشخصيات الثانوية، مثل حنطية، فتؤدي دور الشاهد الصامت الذي يحفظ تفاصيل الضياع، ويؤكد أن الذاكرة لا تعيش في الوثائق وحدها، بل في البشر الذين يحملونها.

بهذا البناء، تتحول الرواية إلى نص سيميولوجي تتجاوز فيه الأشياء وظيفتها المباشرة لتصبح علامات، حيث يغدو الختم دالًا على السيادة، والوثيقة دالًا على الحقيقة المغيبة، والغياب دالًا على الفقد الجماعي. وتقدم الرواية بذلك نسخًا متعددة للتاريخ، لا من منظور السلطة، بل من منظور المهمشين والمنفيين، فتستعيد الهوية العربية للأحواز، وتعيد كتابة الأحداث من الهامش، وتحوّل الذاكرة من مجرد استرجاع إلى ممارسة حية لإنتاج المعنى.

وفي هذا السياق، تنتمي “ختم خزعل” إلى تقليد سردي عربي يستخدم العائلة بوصفها استعارة للوطن، حيث تتقاطع المصائر الفردية مع المصير الجماعي، وتصبح اللغة نفسها وسيلة للحفاظ على الوجود. ومع أن الرواية تستعيد مأساة الفقد وغياب العدالة، فإنها في الوقت ذاته تؤكد قدرة الذاكرة على الصمود، فالأرشيف الذي بقي، والختم الذي لم يضِع، والسرد الذي يُروى، كلها تشهد على أن ما تم محوه رسميًا لا يزال حيًا في الوعي.

وهكذا، لا تبدو “ختم خزعل” مجرد رواية عن الماضي، بل مشروعًا سرديًا يحفظ صوتًا مهددًا بالاختفاء، ويعيد تشكيل التاريخ من داخله، ليصبح الختم رمزًا مزدوجًا، ختمًا لذاكرة لم تمت، ومفتاحًا لفهم حاضر الأحواز، ودليلًا على أن الانتماء، مهما تعرض للقمع، يظل محفوظًا في الذاكرة والموروث، ينتظر من يقرأه ويعيد روايته.

تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.

موقع ويب تم إنشاؤه بواسطة ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑