رحلة غوص معرفي في كتاب: إيران وتاريخ عرب الأهواز ونقد كتاب كسروي تاريخ خمسمائة سنة من خوزستان للمؤلف عبد النبي القيم.

مركز دراسات عربستان الأحواز- يعد كتاب “عرب إيران: إيران وتاريخ عرب الأهواز ونقد كتاب كسروي تاريخ خمسمائة سنة من خوزستان” للمؤرخ والباحث الدكتور عبد النبي القيم، بترجمة كاظم الجابري، من الأعمال التاريخية النقدية المهمة التي تتناول تاريخ عرب الأحواز في إيران، حيث يجمع بين التوثيق التاريخي والتحليل النقدي، ويهدف إلى إعادة إبراز الدور العربي في منطقة كانت تعرف تاريخياً باسم “عربستان”، مع تقديم مراجعة نقدية لكتابات المؤرخ أحمد كسروي حول تاريخ خوزستان. ينطلق المؤلف من فكرة أساسية مفادها أن الوجود العربي في الأحواز لم يكن وجوداً هامشياً أو طارئاً، بل كان وجوداً أصيلاً ومؤثراً، تجسد في قيام كيانات سياسية عربية قوية، مثل دولة المشعشعيين وقبائل بني كعب وآل بوكاسب، التي نجحت في فرض سيطرتها السياسية والإدارية على الإقليم لقرون، وأدارت شؤون مدنه الكبرى مثل الأحواز ودزفول وشوشتر ورامهرمز، وهو ما أدى إلى ترسيخ اسم “عربستان” باعتباره الاسم الرسمي والتاريخي للمنطقة، وهو اسم لم يكن مجرد تعبير جغرافي، بل كان يعكس هوية سياسية وثقافية واضحة اعترفت بها السلطات المركزية نفسها في فترات مختلفة.

ويركز الكتاب على التحول الحاسم الذي حدث في عهد رضا شاه، حين تبنت الدولة الإيرانية مشروعاً سياسياً مركزياً يهدف إلى توحيد الدولة تحت سلطة قوية وهوية قومية واحدة، وكان من أبرز مظاهر هذا المشروع إلغاء اسم “عربستان” واستبداله باسم “خوزستان”، في خطوة يرى المؤلف أنها لم تكن مجرد تغيير إداري أو تصحيح تاريخي، بل كانت جزءاً من سياسة أوسع تهدف إلى إنهاء الخصوصية السياسية والثقافية العربية في المنطقة، ودمجها ضمن إطار قومي فارسي حديث. ويبين المؤلف أن هذا التغيير ارتبط بإجراءات أخرى، مثل تأسيس نظام قضائي مركزي وفرض اللغة الفارسية في المؤسسات الرسمية، وهو ما اعتبره محاولة لإعادة تشكيل هوية المنطقة وسكانها.

ومن أهم محاور الكتاب تحليله النقدي لأعمال أحمد كسروي، حيث يرى عبد النبي القيم أن كسروي لم يكن مجرد مؤرخ محايد، بل كان جزءاً من المشروع السياسي للدولة المركزية، إذ كُلف بمهمة رسمية لإقامة جهاز قضائي في المنطقة وتثبيت نفوذ الحكومة، ومع ذلك قدم وجوده في كتاباته على أنه مجرد رحلة شخصية، وهو ما اعتبره المؤلف إخلالاً بالأمانة العلمية. كما ينتقد القيم التناقض في كتابات كسروي، إذ أشار إلى أن كتابه الذي يحمل عنوان “تاريخ خمسمائة عام من خوزستان” ركز بشكل رئيسي على تاريخ القبائل العربية التي كانت تمنح المنطقة هويتها العربية، مما يعكس مفارقة بين العنوان والمحتوى. كذلك يشير المؤلف إلى أن كسروي استخدم أحياناً لغة تحمل أحكاماً سلبية تجاه العرب، وهو ما يراه دليلاً على تأثره بالأفكار القومية السائدة في تلك الفترة، والتي كانت تسعى إلى تعزيز الهوية الفارسية على حساب الهويات الأخرى.

ولا يقتصر الكتاب على النقد، بل يقدم أيضاً توثيقاً واسعاً للتاريخ السياسي والاجتماعي والثقافي لعرب الأحواز، موضحاً دورهم في تشكيل تاريخ المنطقة، ومؤكداً أن اللغة العربية كانت ولا تزال جزءاً أساسياً من نسيجها الثقافي، رغم التحديات التي واجهتها نتيجة سياسات التوحيد اللغوي. كما يبرز المؤلف أهمية الكيانات العربية المحلية في الحفاظ على استقرار المنطقة وإدارة شؤونها، ويشير إلى أن هذه الكيانات كانت تتمتع بدرجة من الاستقلال الذاتي قبل أن يتم تقليص نفوذها في إطار مشروع الدولة المركزية الحديثة.

ويتميز الكتاب بأسلوب يجمع بين السرد التاريخي والتحليل النقدي، حيث لا يكتفي المؤلف بعرض الأحداث، بل يحاول تفسيرها في سياقها السياسي والفكري، موضحاً كيف يمكن للسلطة والسياسة أن تؤثرا في كتابة التاريخ وتوجيهه. كما يكتسب العمل أهمية خاصة من كونه محاولة للحفاظ على الذاكرة التاريخية والثقافية لعرب الأحواز، وإعادة تقديم رواية تاريخية من منظور يركز على دور السكان العرب أنفسهم، بدلاً من الاقتصار على الروايات الرسمية. وبذلك، يمثل الكتاب مساهمة مهمة في دراسة تاريخ إيران الحديث، وفي فهم العلاقة المعقدة بين الهوية، والسياسة، وكتابة التاريخ، كما يفتح المجال أمام القارئ للتفكير النقدي في كيفية تشكل الروايات التاريخية، ومن يملك سلطة كتابتها، وكيف يمكن أن تؤثر هذه الروايات في فهم الماضي والحاضر.

تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.

موقع ويب تم إنشاؤه بواسطة ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑