رحلة غوص معرفي في كتاب الباحث الأحوازي والأركيولوجي، حسين فرج الله كعب، عرب الأحواز وامتداد الحضارة العيلامية

مركز دراسات عربستان الأحواز- يعرض النص رؤية تاريخية-حضارية تسعى إلى إثبات وجود استمرارية عميقة بين الحضارة العيلامية القديمة وسكان الأحواز العرب المعاصرين، معتبراً أن هذه المنطقة تمثل فضاءً حضارياً متصلاً لم ينقطع منذ الألف الثالث قبل الميلاد وحتى اليوم، وأن التحولات السياسية التي شهدتها لم تؤدِ إلى انقطاع جذورها الثقافية واللغوية والاجتماعية. ويبدأ النص بالإشارة إلى أهمية عيلام بوصفها إحدى أقدم الحضارات في جنوب غرب إيران الحالية، حيث تفاعلت مع الإمبراطورية الأكدية ونظام الحكم المعروف باسم “سوكال مخ”، وشهدت صراعات وثورات ضد الإمبراطوريات اللاحقة مثل الأخمينيين، وهو ما يدل على حيوية المنطقة السياسية ودورها في التاريخ القديم. وفي هذا السياق، يرى النص أن الشعوب التي سكنت هذه الأرض حافظت على عناصر هويتها الأساسية رغم تغير الدول والسلطات.

ويركز النص بشكل خاص على الروابط اللغوية باعتبارها أحد أهم الأدلة على هذا الامتداد التاريخي، إذ يؤكد أن اللغة الأكدية، وهي لغة سامية، كانت لغة رسمية ومؤثرة في عيلام، وأن كثيراً من مفرداتها لا تزال مستخدمة في لهجة عرب الأحواز المعاصرين، مثل كلمة “حنطة” للدلالة على القمح، وكلمة “بيت”، وكلمة “ملك”، وكلمة “من” كوحدة قياس، إضافة إلى مصطلحات مرتبطة بالزراعة والري. ويرى الباحثون الذين يستند إليهم النص أن هذا التشابه لا يمثل مجرد تأثير لغوي عابر، بل يعكس استمرارية سكانية وثقافية، ويعتبرون الأكدية امتداداً مبكراً للغات السامية التي تنتمي إليها العربية. كما يشير النص إلى استمرار الأسماء العيلامية في أسماء القبائل والقرى والأشخاص، مثل قبيلة ديلم وأسماء مناطق مثل بيت سعد وبيت حاجات، وهو ما يُفسَّر باعتباره دليلاً على بقاء التراث العيلامي في البنية الاجتماعية الحالية.

إلى جانب اللغة، يبرز النص الروابط الثقافية من خلال تحليل الزي التقليدي، حيث يؤكد أن عناصر اللباس العربي مثل الدشداشة والعقال والكوفية تظهر بوضوح في التماثيل والنقوش العيلامية القديمة، ومنها تمثال “الرجل المتعبد” في السوس، إضافة إلى صور الملوك والكهنة والجنود الذين ارتدوا ملابس طويلة وعصائب رأس مشابهة للعقال الحالي. ويرى النص أن هذه الاستمرارية في شكل اللباس تعكس انتقالاً متواصلاً للتقاليد وليس مجرد تشابه شكلي، بل إن الكوفية نفسها، وخاصة ما يعرف باسم “السوسي”، يُعتقد أنها تحمل اسم مدينة سوس العيلامية، وأن نقوشها الهندسية تعود إلى الزخارف المستخدمة في الفخار والزجاج والمنسوجات العيلامية القديمة.

كما يولي النص أهمية كبيرة للوشوم التقليدية المعروفة باسم “الدق” أو “الخالکوبي”، ويعتبرها بمثابة لغة بصرية قديمة استمرت عبر الأجيال، حيث تتطابق أشكالها الهندسية مع النقوش الموجودة على الآثار العيلامية، مثل الكؤوس الفضية والفرامين الملكية. ويرى أن هذه الرموز لم تكن مجرد زخارف، بل كانت تمثل نظاماً لتوثيق ملكية الأرض وتنظيم الزراعة وتقسيم الحصص بين المعبد والحاكم والمزارعين، إضافة إلى رموز دينية وطبيعية مثل الخطوط الموجية التي ترمز للماء، والمعين الذي يرمز للأرض الزراعية، والصليب المكسور الذي يمثل عناصر الطبيعة. ويشير النص إلى أن هذه الوشوم استمرت أيضاً في أداء وظائف علاجية ووقائية في الثقافة الشعبية، مما يعكس استمراراً في المعتقدات التقليدية.

ويمتد هذا الامتداد الحضاري أيضاً إلى الفنون والحرف التقليدية مثل صناعة السجاد، حيث يرى النص أن النقوش المستخدمة في السجاد المحلي هي امتداد مباشر للنقوش العيلامية القديمة، وأنها انتقلت من الفخار والزجاج إلى المنسوجات ثم إلى الأزياء التقليدية، مما جعلها جزءاً من الهوية البصرية للسكان. كما يشير إلى استمرار بعض أنماط الحياة القديمة، مثل الصيد بالمشاحيف والاحتفالات الزراعية المرتبطة بمواسم الحصاد، والتي يرى أنها تعود بجذورها إلى الطقوس الزراعية القديمة في عيلام.

ويضيف النص بعداً آخر لهذه الاستمرارية من خلال المقارنة مع الصابئة المندائيين، حيث يشير إلى وجود تشابه في الرموز الدينية والطقوس واللباس، إضافة إلى الروابط اللغوية والثقافية، وهو ما يُفسَّر باعتباره دليلاً إضافياً على وجود أساس حضاري سامي مشترك في المنطقة. كما يؤكد النص أن تقديس الماء والأنهار، الذي يظهر في طقوس المندائيين وفي الرموز الفنية العربية المحلية، يعكس استمرارية مفاهيم دينية وثقافية قديمة مرتبطة بالبيئة الزراعية لنهر الكارون وسهول السوس.

وفي المحصلة، يسعى النص إلى تقديم صورة شاملة للأحواز بوصفها منطقة تمثل امتداداً حياً لحضارة عيلام القديمة، حيث حافظ السكان، بحسب هذا الطرح، على عناصر لغتهم وثقافتهم وفنونهم وأنماط حياتهم رغم التحولات السياسية والتاريخية الكبرى. ويرى أن هذا الامتداد لا يقتصر على الآثار المادية، بل يشمل أيضاً الذاكرة الثقافية والرمزية التي بقيت محفوظة في اللغة واللباس والوشوم والحرف والعادات الاجتماعية، مما يجعل عرب الأحواز، وفقاً لهذه الرؤية، الورثة المعاصرين لذلك التراث الحضاري القديم، ويجعل المنطقة مثالاً على استمرارية الحضارات عبر الزمن رغم تغير الدول والأنظمة.

تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.

موقع ويب تم إنشاؤه بواسطة ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑