رحلة غوص معرفي في كتاب الأحواز بعيون أحوازية، للكاتب غازي مزهر

مركز دراسات عربستان الأحواز- يعد كتاب الأحواز بعيون أحوازية للكاتب الأحوازي غازي مزهر دراسة تاريخية وجغرافية شاملة تسعى إلى تقديم صورة متكاملة عن إقليم الأحواز من منظور يركز على جذوره الحضارية وهويته السكانية وتطوره السياسي عبر العصور، حيث يجمع المؤلف بين السرد التاريخي والتحليل الجغرافي والتوثيق الثقافي، ليؤكد أن الأحواز تمثل كياناً تاريخياً متجذراً تعاقبت عليه حضارات وإمارات عربية تركت بصماتها الواضحة في بنيته الاجتماعية والسياسية. يبدأ الكتاب بتتبع أقدم الجذور الحضارية للمنطقة من خلال الحديث عن الحضارة العيالمية التي ظهرت في منتصف الألفية الخامسة قبل الميلاد واستمرت حتى القرن السابع قبل الميلاد، والتي اتخذت من مدينة السوس مركزاً سياسياً وحضارياً، وكانت على صلة وثيقة بحضارات بلاد ما بين النهرين مثل السومرية والبابلية والآشورية، حيث شهدت هذه العلاقة تبادلاً ثقافياً وصراعات عسكرية متكررة، مما يدل على أهمية الأحواز كمركز حضاري مبكر.

كما يبرز المؤلف المعالم الأثرية التي تعود إلى تلك الحضارة، مثل مدينة دور أونتاش المعروفة حالياً باسم چغارزنبيل، والتي تعكس مستوى التقدم العمراني والتنظيم السياسي الذي وصلت إليه المنطقة في العصور القديمة.

وينتقل الكتاب بعد ذلك إلى دراسة المراحل التاريخية اللاحقة، حيث يوضح كيف خضعت الأحواز لسيطرة قوى مختلفة مثل الميديين والكلدانيين ثم الأخمينيين، مع تأكيد المؤلف أن سكان المنطقة حافظوا على قدر من الاستقلال الذاتي ونظمهم المحلية، واستمر وجودهم السكاني والثقافي رغم تغير السلطات السياسية. كما يتناول مرحلة الغزو المقدوني بقيادة الإسكندر، والتي أدت إلى ظهور كيانات حضارية جديدة مثل حضارة ميسان وحضارة اليمائيس، اللتين تميزتا بازدهار التجارة البحرية وقيام موانئ مهمة لعبت دوراً محورياً في ربط المنطقة بالعالم القديم، حيث كانت مدينة خاركاس، التي تعرف بالمحمرة حالياً، مركزاً تجارياً مهماً يعكس التفاعل بين العرب واليونانيين.

ويولي المؤلف اهتماماً خاصاً بالتنوع الديني والثقافي في الأحواز، حيث يسلط الضوء على دور الصابئة المندائيين وغيرهم من المكونات الدينية مثل السريان في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، مبيناً مساهمتهم في تطوير الصناعات الحرفية مثل صياغة الذهب وصناعة السفن والزراعة، مما ساعد على ازدهار المنطقة اقتصادياً. كما يبرز الكتاب الدور البحري لسكان الأحواز، حيث يشير إلى أن العرب كانوا يتمتعون بخبرة واسعة في الملاحة، وأسهموا في إدارة النشاط البحري والتجاري في الخليج عبر قرون طويلة.

ويتناول الكتاب أيضاً تاريخ الإمارات العربية التي نشأت في الأحواز والساحل الشرقي للخليج العربي، مثل إمارة المشعشعيين وإمارة بني كعب وغيرها من الإمارات التي تمكنت من تأسيس أنظمة حكم محلية حافظت على استقلالها لفترات طويلة، رغم تعرضها لضغوط خارجية وصراعات مع القوى الإقليمية. ويبرز المؤلف نماذج من المقاومة العربية، مثل ثورة مير مهنا الزعابي، التي مثلت محاولة للدفاع عن استقلال المنطقة في مواجهة القوى الأجنبية، مما يعكس استمرار روح المقاومة لدى سكان الأحواز عبر التاريخ.

ومن الجوانب المهمة التي يركز عليها الكتاب دراسة الجغرافيا السياسية للأحواز، حيث يقدم وصفاً لحدودها الطبيعية وموقعها الاستراتيجي المطل على الخليج العربي، والذي جعلها منطقة ذات أهمية اقتصادية وسياسية كبيرة، كما يوضح انتشار القبائل العربية في مختلف مناطق الإقليم، مما يعزز، بحسب رؤية المؤلف، الطابع العربي للمنطقة من الناحية السكانية والثقافية.

ويختتم المؤلف كتابه بتناول المرحلة الحديثة، حيث يناقش التحولات السياسية التي شهدتها الأحواز في القرن العشرين، خاصة بعد عام 1925، حيث يشير إلى حدوث تغييرات إدارية وثقافية شملت تبديل أسماء المدن والمناطق، بالإضافة إلى تحولات اجتماعية واقتصادية أثرت في السكان المحليين، بما في ذلك الهجرة إلى مناطق أخرى، ويعرض هذه الأحداث باعتبارها مرحلة مفصلية في تاريخ الأحواز الحديث. ويقدم المؤلف هذه التطورات في إطار تحليلي يربط بين السياسة والهوية والتاريخ، موضحاً تأثير القرارات السياسية في تشكيل الواقع الاجتماعي والثقافي للمنطقة.

بشكل عام، يتميز كتاب الأحواز بعيون أحوازية بطابعه التوثيقي والتحليلي، حيث يقدم سرداً تاريخياً متسلسلاً يمتد من العصور القديمة إلى العصر الحديث، ويعتمد على عرض المعالم الحضارية والكيانات السياسية والمكونات الاجتماعية التي شكلت تاريخ الأحواز، مما يجعله عملاً يسعى إلى إبراز خصوصية المنطقة وهويتها التاريخية من خلال رؤية مؤلفه، كما يمثل مصدراً مهماً للباحثين والمهتمين بدراسة تاريخ الأحواز وتطورها الحضاري والسياسي، لأنه يجمع بين عرض الأحداث التاريخية وتحليلها في سياقها الجغرافي والثقافي.

تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.

موقع ويب تم إنشاؤه بواسطة ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑