مركز دراسات عربستان الأحواز- يأتي كتاب «سين وجيم، لمحات من تأريخنا» بوصفه محاولة واعية لتقريب تاريخ إقليم الأحواز إلى القارئ عبر صيغةٍ محبّبة ومباشرة: السؤال والجواب. وهذه الصيغة لا تُستخدم هنا كحيلة تبسيطية فحسب، بل كمنهجٍ يتيح تفكيك القضايا الكبرى إلى وحداتٍ معرفية قصيرة، تُضيء المشهد وتعيد ترتيب الذاكرة التاريخية على نحوٍ تدريجي، من العصور السحيقة حتى التحولات المعاصرة. في هذا السياق، يبدو الكتاب وكأنه “دليل قراءة” لتاريخ الأحواز، ينتقل بالقارئ بين حضاراتٍ قديمة، وكياناتٍ سياسية عربية، ثم إلى عصر النفط والصراع الدولي، وصولاً إلى سياسات الطمس والتهجير والمقاومة الشعبية.
يفتتح الكتاب بوابة التاريخ من جذورها الأولى، حيث تُعرض الحضارة العيلامية بوصفها واحدة من أعرق الحضارات التي قامت على أرض الأحواز. وتبرز أهميتها من خلال ما يرويه الكتاب عن منجزات هندسية وزراعية سبقت زمانها؛ إذ يظهر العيلاميون كأصحاب ابتكار في القبو الهلالي (المقوس)، وكبناة لمدينة دور أونتاش/زقورة چغازنبیل التي تعكس تقدماً لافتاً في التحصين ومواد البناء والتنظيم المدني. ولا يقتصر الحضور العيلامي على العمارة، بل يمتد إلى هندسة المياه والصرف الصحي، وحفر الترع وإدارة الموارد، بما في ذلك مشروع شق ترعة طويلة من نهر الكرخة لإيصال المياه إلى المدينة. وعلى الضفة الأخرى من الصورة، يقدّم الكتاب العيلاميين كروّاد في الزراعة والاستيطان المبكر، ويشدّد على كون سهل الأحواز “سلة غذاء” عبر العصور، مع لفتة اجتماعية مهمّة حين يورد مشاركة المرأة العيلامية في بساتين النخيل والحصاد، بما يعكس طبيعة مجتمعٍ زراعي تشاركي لا تُحجَب فيه الأدوار خلف السرد السياسي وحده. وحتى في تفاصيل “اللباس” يذهب الكتاب إلى ربط الأثر بالمعاصر، مستحضراً تشابه الأزياء الموثّقة على الأختام والنقوش مع الزي العربي المتداول في الإقليم، وكأن المؤلفين يضعان القارئ أمام فكرة مركزية: الاستمرارية الحضارية لا تُقاس بالأحداث وحدها، بل أيضاً بالأنماط الاجتماعية والرموز.
بعد هذا الجذر الحضاري، ينتقل الكتاب إلى مرحلة الدولة والإمارة، فيرسم مساراً سياسياً عربياً واضحاً عبر محورين كبيرين: الدولة المشعشعية ثم إمارة بني كعب. ففي عرض الدولة المشعشعية (إمارة الحويزة) يتوقف عند تأسيسها على يد السيد محمد بن فلاح، ثم يتوسع في “عصرها الذهبي” وما رافقه من تشييد القلاع والحصون، وضرب النقود، واتساع النفوذ السياسي. ويبدو أن الكتاب يحرص على إبراز أن الأحواز لم تكن هامشاً تابعاً، بل كانت زمناً ما مركزاً للعلم والأدب ومدارس ومكتبات وحياة فكرية، مع إشارات لأسماء شعراء ومؤلفين، بما يمنح المرحلة عمقاً ثقافياً لا يقف عند الحدود العسكرية.
ومع تراجع المشعشعيين يتقدم الكعبيون إلى الواجهة، ويقدّم الكتاب هذه الحقبة كمرحلتين متتابعتين: كعب البوناصر في الفلاحية ثم كعب البوكاسب في المحمرة. في المرحلة الأولى يبرز الأمير سلمان بن سلطان بوصفه مؤسس القوة الكعبية عملياً؛ يبني أسطولاً، يفرض حضوراً بحرياً، ويواجه تحالفات كبرى في معارك حاسمة. وتبلغ الدراما التاريخية ذروتها في سرد معركة “أبو طوق” التي لا تُقدَّم كحدث عسكري فحسب، بل كملحمة اجتماعية تتقدم فيها الأميرة علياء بنت سلمان إلى قلب المشهد، تحفّز الرجال، وتربط معنى الكرامة بمعنى الحرية، ثم تلتحق بالميدان، لتصبح رمزاً للمرأة الأحوازية في الذاكرة المقاومة. هنا يتضح أحد مكاسب الكتاب: أنه لا يترك “الهامش” هامشاً، بل يعيد إدخاله في مركز السرد.
ثم تأتي المرحلة التي تستحوذ على أكبر قدر من “الأسئلة” بحكم قربها من وعينا السياسي الحديث: عهد الأمير خزعل بن جابر (1897–1925). يعرضه الكتاب باعتباره ذروة الإمارة الكعبية، ومفترقاً تاريخياً نقل الأحواز إلى بؤرة الاهتمام الدولي، خصوصاً بعد اكتشاف النفط عام 1908 وما تلاه من ترتيبات مفصلية أبرزها اتفاقية مصفاة عبادان 1909. وفي تقديم هذه الاتفاقية، يركز الكتاب على “العقل السيادي” في شروط الأمير خزعل: عودة ملكية المنشآت والمعدات إليه بعد انتهاء الامتياز، ضبط التوظيف وحصره بالعرب، منع التدخل في شؤون القبائل، وحتى اشتراط تسليم أي مكتشفات أو كنوز أو آثار للأمير. لا تُعرض هذه البنود بوصفها تفاصيل قانونية جافة، بل كعلامات على أن الأمير كان يتعامل مع القوى الأجنبية باعتباره حاكماً لكيانٍ مستقل لا مجرد زعيم محلي.
وعلى خطٍّ موازٍ، يكشف الكتاب طبيعة علاقة الأمير خزعل ببريطانيا قبل الحرب العالمية الأولى كتحالفٍ قائم على المصالح المتبادلة: بريطانيا تريد تأمين الملاحة والتجارة ثم النفط، وخزعل يريد تثبيت نفوذه وحماية حدوده. وتتكرر في السرد إشاراتٌ إلى الأوسمة والتكريمات والمراسم التي رافقت تلك العلاقة، بما يؤكد أن الإمارة كانت تمتلك وقتها وزنًا سياسيًا ملموسًا في الحسابات الدولية. غير أن الكتاب لا يتعامل مع هذا التحالف على أنه استسلام، بل يقدمه كـمناورة سياسية حاول فيها الأمير أن يضغط ويوازن ويكسب ضمانات، حتى إن مسألة ترشحه لعرش العراق عام 1921 تُقدَّم بوصفها محاولة لتوسيع دائرة التأثير عبر تحالفٍ عربي أوسع، قبل أن تتدخل الحسابات البريطانية لصالح خيار آخر.
لكن هذا المشهد لا يطول؛ فمع صعود رضا خان وسياسات المركزية الصلبة، يدخل التاريخ منعطفه الأكثر قسوة: سقوط الإمارة عام 1925 وأسر الأمير خزعل، ثم اغتياله لاحقاً في طهران، وما تلا ذلك من إجراءات رسمية لطمس الهوية العربية: تغيير اسم الإقليم، تبديل أسماء المدن، منع العربية في المدارس والدوائر، إغلاق المدارس العربية، فرض الغرامات على الكلمات العربية، ومحاصرة الفنون والزي والرموز. هنا يتحول الكتاب من “لمحات” إلى شهادة: شهادة على انتقال الأحواز من كيان سياسي عربي فاعل إلى ساحة سياسات صهر قسري.
ولا يترك المؤلفان القارئ عند لحظة السقوط، بل يواصلان عبر صفحات المقاومة الشعبية، من تشكيل «حلف السعادة» بوصفه محاولة لتوحيد القوى ضد المركزية، إلى بروز رموزٍ شعبية لاحقة مثل حاتم الكعبي (حتة) الذي يتحول في السرد إلى صورة للتمرد الميداني، ومن ثم معركة الونج (1936) بوصفها انفجاراً شعبياً ضد التهجير القسري، وما ارتبط بها من مآسٍ قاسية كتهجير مئات العائلات لمسافات طويلة مشياً على الأقدام. بهذه الطريقة يربط الكتاب بين “السياسة” و”المجتمع”: حين تُقمع الهوية، لا يبقى الرد سياسياً فقط، بل يصبح مقاومةً تنغرس في الذاكرة الجمعية وتُعاد صياغتها في أسماء الأبناء، وأهازيج الشهداء، وسير النساء والرجال.
في المحصلة، يقدّم «سين وجيم» مادة تاريخية ثرية تتسم بثلاث ميزات واضحة:
شمول المدى الزمني: من العيلاميين وميسان إلى الإمارة الكعبية ثم الدولة الحديثة.
مزاوجة التاريخ السياسي بالثقافي والاجتماعي: العمارة والري، التعليم والمكتبات، دور المرأة، الزي واللغة، المقاومة والذاكرة.
منهجية السؤال والجواب التي تجعل القراءة أقرب إلى “حوار” مع التاريخ، وتساعد القارئ على التقاط الخيط العام دون أن يضيع في التفاصيل.
وبين “السؤال” و”الجواب”، يترسخ الانطباع بأن الكتاب لا يريد تقديم سردٍ محايد بارد، بل يسعى إلى إعادة تثبيت الأحواز في موقعها الطبيعي داخل التاريخ: أرض حضارةٍ قديمة، وهوية عربية متجذرة، وتجربة سياسية واجهت تحولاتٍ دولية قاسية. إنه كتابٌ يوقظ الذاكرة، ويضع القارئ أمام حقيقة أن التاريخ ليس ما حدث فقط، بل ما بقي أثره في اللغة والمدن والناس.
تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.