مركز دراسات عربستان الأحواز- في كتاب «عربستان ومصير الدولة-الأمة في إيران» للكاتب والباحث الأحوازي يوسف عزيزي، تتكامل المحاور التاريخية والسياسية والاجتماعية في سردٍ واحد يسعى إلى إعادة قراءة تاريخ إقليم عربستان (خوزستان الحالية) داخل البنية الإمبراطورية الإيرانية، ثم داخل الدولة القومية الحديثة. لا يتعامل المؤلف مع الإقليم بوصفه هامشًا جغرافيًا، بل باعتباره مدخلاً تفسيرياً لفهم أزمة تشكّل الدولة-الأمة في إيران.
ينطلق عزيزي من مفهوم «الممالك المحروسة» بوصفه الإطار الدستوري والسياسي الذي حكم إيران لقرون. ويؤكد أن إيران – وقبلها بلاد فارس – لم تتسم فقط بالتعدد القومي واللغوي، بل كذلك بتعدد الممالك والكيانات السياسية شبه المستقلة، وهي حقيقة تاريخية يرى أن معظم المؤرخين والباحثين في إيران لم يولُوها ما تستحق من اهتمام، رغم مركزيتها في فهم تطور البنية السياسية الإيرانية. فمصطلح «الممالك المحروسة» لم يكن توصيفًا بلاغيًا، بل عبّر عن صيغة حكم لامركزية ضمّت كيانات قائمة بذاتها، لكل منها حاكم محلي يتمتع بصلاحيات واسعة تحت مظلة ملك الملوك.
في هذا السياق برزت ممالك كبرى مثل عربستان وكردستان ولورستان وجورجيا في العهد الصفوي، ثم تطور التقسيم في العهد القاجاري ليشمل ست ممالك رئيسية: عربستان، وكردستان، ولورستان، وجيلان، وخراسان، وأذربيجان. ويعرض الكتاب هذا النظام بوصفه اعترافًا تاريخيًا ليس فقط بالتنوع القومي واللغوي، بل أيضاً بالتعدد السياسي والإقليمي داخل إيران، حيث كانت الهوية الإمبراطورية أوسع من أن تُختزل في قومية واحدة أو إدارة مركزية صلبة.
يتوقف المؤلف مطولًا عند مملكة عربستان، متتبعًا تاريخها منذ قيام الدولة المشعشعية في القرن الخامس عشر. فمنذ عام 1440م، تاريخ تأسيس الدولة المشعشعية، وحتى عام 2020م، تاريخ تأليف الكتاب، أي على امتداد نحو ستة قرون، يبيّن عزيزي أن عربستان كانت مستقلة في ما يقارب ثلثي هذه الفترة، وحليفة ضمن إطار «الممالك المتصالحة/المحروسة» في جزء كبير منها، بينما خضعت لوضع استعماري أو لسيطرة مركزية مباشرة لما يقارب ثلث هذه المدة. ومن خلال هذا الامتداد الزمني الطويل، يسعى الكاتب إلى تثبيت فكرة أن علاقة عربستان بإيران لم تكن علاقة تبعية دائمة، بل علاقة تحالف أو شراكة في مراحل، وصراع وإخضاع في مراحل أخرى.
ويبرز الكتاب خصوصية المملكة في عهد الأسرة المشعشعية، ثم انتقال السلطة إلى بني كعب، حيث تمتعت بكيان سياسي واضح المعالم. تجلت هذه الخصوصية في حمل حكامها ألقابًا مثل «الوالي» و«السلطان»، وفي إدارتهم المباشرة لشؤونهم المالية والعسكرية، بل وفي سكّ العملات في الحويزة ودزفول، وإصدار طوابع بريدية وأوراق مالية خاصة، وصولًا إلى إصدار شيكات مصرفية في المحمرة كانت تُصرف محليًا وتحمل ختم الحاكم، في دلالة على استقلال مالي نسبي داخل المنظومة الإمبراطورية.
وتتجلى ذروة هذا المسار في عهد الشيخ خزعل الكعبي، الذي يقدمه الكتاب بوصفه آخر حكام عربستان قبل انهيار نظام الممالك المحروسة. يصف المؤلف دوره السياسي والدبلوماسي، وتحالفاته مع زعماء البختيارية وتشكيله «لجنة السعادة» لمقاومة مركزية طهران، وسعيه للاستناد إلى الدستور المشروطي لعام 1906، ولا سيما المادة 90 المتعلقة بتشكيل مجالس الولايات والإيالات، لضمان استمرار الحكم الذاتي.
لكن عام 1925 شكّل نقطة التحول الحاسمة. مع صعود رضا شاه بهلوي، بدأ تفكيك نظام «الممالك المحروسة» واستبداله بدولة مركزية حديثة. سقطت إمارة الشيخ خزعل باعتقاله، وأُلغيت الامتيازات المحلية، وتحوّلت عربستان رسميًا إلى «خوزستان». ولم يكن تغيير الاسم مجرد تعديل إداري، بل خطوة رمزية ضمن مشروع أوسع لإعادة تعريف الهوية الوطنية على أساس أحادي.
يتوسع عزيزي في تحليل سياسات التفريس وإعادة الهندسة الديموغرافية: تغيير أسماء المدن التاريخية، وإلغاء التعليم باللغة العربية، ونقل الكوادر المحلية، وفرض اللغة الفارسية لغةً وحيدة في المدارس. ويرى أن هذه السياسات لم تستهدف الإدارة فحسب، بل الذاكرة والهوية، ما أدى إلى شعور متزايد بالاغتراب لدى السكان العرب.
كما يتناول التحولات الاجتماعية في مدينة الأهواز بعد اكتشاف النفط، وما رافق ذلك من تغيرات ديموغرافية أثّرت في البنية السكانية والثقافية، ويربط بين التهميش الاقتصادي – رغم ثراء الإقليم بالموارد – وبين التوترات والاحتجاجات المعاصرة.
من الناحية المنهجية، يعتمد عزيزي على مخطوطات نادرة ووثائق أرشيفية ومراسلات دبلوماسية، إلى جانب قراءة نقدية للسرديات الرسمية الإيرانية، ساعيًا إلى إعادة الاعتبار لبعد «تعدد الممالك» في التاريخ الإيراني، بوصفه عنصرًا مغيبًا في الكتابات السائدة.
في المحصلة، لا يقدّم الكتاب سردًا نوستالجيًا عن مملكة مفقودة، بل يطرح سؤالاً معاصرًا حول إمكان إعادة صياغة العلاقة بين المركز والأقاليم على أساس الاعتراف بالتعدد القومي واللغوي والسياسي، كما كان قائمًا – بصيغ مختلفة – في نظام الممالك المحروسة. وبهذا المعنى، يمثل «عربستان ومصير الدولة-الأمة في إيران» قراءة نقدية لتاريخ إيران الحديث من زاوية التعدد الذي أُقصي، والهوية التي أُعيد تشكيلها قسرًا، في مسار ما تزال تداعياته حاضرة حتى اليوم.
تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.