إيران بعد خامنئي: لاريجاني في قلب العاصفة وصراع البقاء

مركز دراسات عربستان الأحواز– في منعطفٍ حاسم من تاريخ الجمهورية الإسلامية، شكّل الإعلان عن مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي وعدد من كبار المسؤولين الإيرانيين صدمةً أدخلت البلاد في أعمق فراغ سياسي وأمني منذ قيام النظام عام 1979. وفي خضم هذه التطورات المتسارعة، برز اسم علي أردشير لاريجاني باعتباره الشخصية الأكثر حضورًا في إدارة المرحلة الانتقالية، سواء عبر المسارات الدستورية المتاحة أو من خلال شبكة النفوذ الواسعة التي نسجها على امتداد أربعة عقود داخل مؤسسات الدولة العميقة.

علي أردشير لاريجاني، المولود في النجف عام 1957، ينتمي إلى عائلة دينية – سياسية نافذة عُرفت بتغلغلها في مفاصل النظام. شغل مناصب حساسة ومتعددة: من الحرس الثوري في الثمانينيات، إلى وزارة الثقافة، ثم رئاسة هيئة الإذاعة والتلفزيون لأكثر من عقد، فالأمانة العامة لمجلس الأمن القومي، ثم رئاسة مجلس الشورى الإسلامي بين 2008 و2020، قبل أن يعود في 2025 أمينًا عامًا لمجلس الأمن القومي. تكوينه الأكاديمي يجمع بين علوم الحاسوب والفلسفة، لكنه سياسيًا يُصنّف ضمن التيار الأصولي المحافظ، مع تموضع خاص يجمع بين البراغماتية الأمنية والتشدد الأيديولوجي.

رغم انتخاب مسعود بزشكيان رئيسًا للجمهورية، فإن تقارير دولية عدة أشارت إلى أن لاريجاني كان، عمليًا، صاحب الكلمة العليا في إدارة الملفات الأمنية والاستراتيجية، خصوصًا بعد الحرب الإيرانية–الإسرائيلية الأخيرة وتصاعد التوتر مع الولايات المتحدة. وبحسب تسريبات نقلتها وسائل إعلام غربية، فإن لاريجاني عمل بالتنسيق مع حسن روحانی ومحمد جواد ظريف وعلي أكبر ولايتي وكمال خرازي ضمن نواة صلبة تمزج بين النزعة القومية الفارسية والرؤية الشيعية الثورية، وتضع “أمن النظام” فوق أي اعتبار آخر. ومع غياب خامنئي، تبدو هذه النواة وقد تحولت إلى مركز القرار الفعلي، مع لاريجاني في موقع القيادة.

استنادًا إلى المادة 111 من الدستور الإيراني، يُفترض أن يتشكل مجلس قيادة مؤقت عند شغور منصب المرشد، يضم رئيس الجمهورية ورئيس السلطة القضائية وأحد فقهاء مجلس صيانة الدستور، إلى حين اختيار مرشد جديد. وقد أعلن لاريجاني أن المجلس سيتشكل فورًا، وأن الترتيبات بدأت بالفعل، إلا أن تموضعه على رأس مجلس الأمن القومي، وتحكمه بالملف العسكري والأمني، يمنحانه أفضلية واضحة في توجيه المرحلة الانتقالية وربما التأثير في اختيار المرشد المقبل.

ولا يمكن فهم صعوده دون التوقف عند عائلته؛ فهو أحد خمسة أشقاء تقلدوا مناصب عليا في النظام الإيراني، في القضاء والتشريع والرقابة والجامعات والإعلام، وواجهوا على مدى سنوات اتهامات بالفساد المالي واستغلال النفوذ، إضافة إلى تبني خطاب يجمع بين القومية الفارسية والتشدد المذهبي. هذا المزيج – بحسب منتقديهم – يقوم على استعادة أمجاد الإمبراطوريات الفارسية في الفضاء العربي تحت غطاء “تصدير الثورة” والدفاع عن المستضعفين.

ويُنسب إلى لاريجاني، إلى جانب علي أكبر ولايتي، دور بارز في بلورة ما يُعرف بـ“الخطة الخمسينية” للسياسة الخارجية الإيرانية، وهي رؤية استراتيجية تمتد لخمسين عامًا تقوم على خمس مراحل متدرجة: التأسيس عبر بناء قواعد اجتماعية–مذهبية في الدول المستهدفة، ثم الشرعنة بتكريس الوجود الإيراني وإيجاد شرخ بين الحكومات وشعوبها، فالتمكين بتوسيع النفوذ داخل المؤسسات الأمنية والاقتصادية، ثم قطف الثمار عبر استثمار الأزمات الاقتصادية والاجتماعية لتعميق الحضور، وصولًا إلى النضج حيث تُستثمر الفوضى لتقديم الحلفاء المحليين كبديل “منقذ”. ويقول منتقدو طهران إن هذه السياسة طُبّقت بأشكال مختلفة في العراق وسوريا ولبنان واليمن عبر دعم الميليشيات وتعزيز النفوذ الاقتصادي وبناء شبكات عقائدية وإعلامية، فيما يشكل “تصدير الثورة” عمودها الفقري، مرتكزًا على قوة عسكرية رادعة وأذرع مسلحة محلية ودعم مالي–مؤسساتي طويل الأمد.

في تصريحاته الأخيرة، شدد لاريجاني على أن القوات المسلحة “لن تترك الولايات المتحدة حتى تحقيق استقلال كامل”، ولوّح باستهداف القواعد والمصالح الأمريكية في المنطقة إذا تعرضت إيران لهجوم جديد، في خطاب يعكس نهجًا صداميًا يعتبر أن مرحلة ما بعد خامنئي ليست مرحلة تهدئة، بل إعادة تموضع هجومية لضمان بقاء النظام.

على الصعيد الدولي، فرضت كندا والولايات المتحدة عقوبات عليه بتهم تتعلق بتنسيق قمع الاحتجاجات واستخدام القوة ضد المتظاهرين، لا سيما خلال أحداث 2025، كما ارتبط اسمه بما وصفته تقارير إعلامية بـ“هندسة السردية الرسمية” لتبرير العنف عبر اتهام المحتجين بالإرهاب أو الارتباط بتنظيمات متطرفة. أما فكريًا، فقد بدت مواقفه أحيانًا متناقضة؛ إذ قلل سابقًا من شأن الحضارة الإيرانية قبل الإسلام، ثم عاد ليؤكد على عمقها الثقافي، في محاولة للجمع بين البعد القومي الفارسي والمرجعية الإسلامية الشيعية بما يخدم مشروعًا سياسيًا طويل المدى.

اليوم، ومع غياب خامنئي، تقف إيران أمام ثلاثة سيناريوهات محتملة: إدارة انتقالية قصيرة تنتهي باختيار مرشد جديد من داخل الدائرة التقليدية مع بعض التنازلات الشكلية داخليًا وخارجيًا، وتعاظم نفوذ المجموعة ذات التوجه القومي الفارسي–الشيعي بقيادة علي أردشير لاريجاني وتحول فعلي نحو حكم أمني–مؤسساتي؛ أو سقوط نظام الجمهورية الإسلامية وظهور نظام لا مركزي تعددي؛ أو تفكيك الدولة الإيرانية، وهو السيناريو الذي تفضله شعوب المنطقة والشعوب غير الفارسية التي تشكل أكثر من 70% من مكونات إيران الحالية.

يقود علي أردشير لاريجاني، التيار القومي الفارسي داخل النظام الإيراني، التيار القلق حول مستقبل الدولة الإيرانية والخوف من تفككها. وهنا هو القاسم المشترك لهذا التيار مع التيار القومي الملكي الذي يقوده نجل الشاه رضا بهلوي في الخارج. ومثل ما قام رضا بهلوي بعرقلة اي تنسيق وعمل مشترك للمعارضة الإيرانية في الخارج ومنع تشكيل بديل مقبول للنظام، فلاريجاني لم يكن بعيدًا عن السلطة أو القمع أو الفساد أو إثارة التوترات الداخلية والإقليمية والدولية التي شهدتها طهران طوال عمر النظام. فهو رجل الأمن والسياسة، وابن العائلة النافذة، ومهندس الاستراتيجيات بعيدة المدى، يجد نفسه اليوم بين تثبيت أركان نظام متهالك ومرفوض، واحتواء الصراعات، ومواجهة عالم إقليمي ودولي يزداد توترًا. وهكذا، قد لا تعني مرحلة ما بعد خامنئي تغييرًا جذريًا في طبيعة النظام بقدر ما تعني إعادة إنتاج العنف والتطرف بوجه أكثر تنظيمًا وأشد مركزية… ولاريجاني في موقع القيادة.

تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.

موقع ويب تم إنشاؤه بواسطة ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑