رحلة غوص معرفي في كتاب ” الأحواز، أرض عربية محتلة” للدكتور خالد صالح المسالمة

مركز دراسات عربستان الأحواز– يمثل إقليم الأحواز، الممتد على الساحل الشرقي للخليج العربي، إحدى أكثر القضايا تعقيداً في الجغرافيا السياسية للمنطقة، إذ تتداخل في تكوينه عناصر التاريخ والهوية والموارد الاستراتيجية والصراع الإقليمي. فمنذ العصور القديمة، شكّل هذا الإقليم مساحة تفاعل حضاري بين وادي الرافدين والجزيرة العربية والهضبة الإيرانية، وتعاقبت عليه حضارات وكيانات سياسية متعددة، ما جعله جزءاً من المجال السامي–العربي في مراحل طويلة من تاريخه. ومع الفتح الإسلامي في القرن السابع الميلادي، اندمج الإقليم في الدولة العربية الإسلامية، وبقي لقرون ضمن فضائها السياسي والاقتصادي، مستفيداً من موقعه على الخليج الذي كان ممراً حيوياً للتجارة والطاقة والتواصل بين المشرق العربي وشرقي آسيا.

بعد سقوط بغداد عام 1258م، برزت في الإقليم إمارات عربية محلية حافظت على طابعه السياسي الخاص، كان أبرزها دولة المشعشعين ثم إمارة بني كعب، وصولاً إلى إمارة المحمرة التي مثّلت آخر كيان عربي مستقل في الأحواز. وقد بلغت هذه الإمارة أوج قوتها في عهد الشيخ خزعل الكعبي، مستفيدة من موقعها الاستراتيجي ومن التوازنات الدولية التي سمحت بهامش من الاستقلال الذاتي في ظل التنافس العثماني–الفارسي–البريطاني على المنطقة.

غير أن التحولات الكبرى التي أعقبت الحرب العالمية الأولى أعادت رسم خريطة الشرق الأوسط، وغيّرت أولويات القوى الدولية، ولا سيما بريطانيا التي أصبحت المصالح النفطية بالنسبة لها عاملاً حاسماً في تحديد تحالفاتها. ومع صعود رضا خان بهلوي إلى السلطة في طهران بدعم بريطاني، برز مشروع الدولة المركزية القوية القادر على بسط السيطرة على الأطراف. وفي 20 أبريل 1925، أُسِر الشيخ خزعل إثر عملية استدراج أنهت عملياً استقلال إمارة المحمرة، لتبدأ مرحلة جديدة من الحكم الإيراني المباشر للإقليم.

أعقب ذلك تحولات سياسية وثقافية عميقة، تمثلت في تغيير اسم الإقليم إلى “خوزستان”، وإعادة تنظيم الإدارة المحلية، وفرض اللغة الفارسية في مؤسسات التعليم والإدارة، إلى جانب سياسات هدفت إلى إعادة تشكيل البنية السكانية والثقافية. وقد وُصفت هذه السياسات في أدبيات الحركات الأحوازية بأنها مشروع “تفريس” يسعى إلى دمج الإقليم في الإطار القومي الفارسي ومنع تشكل هوية سياسية عربية مستقلة.

في هذا السياق، تداخلت أبعاد الصراع العربي–الإيراني في الأحواز، فلم يعد مجرد نزاع محلي، بل أصبح مرتبطاً بسرديات تاريخية متباينة، وباعتبارات مذهبية تعود جذورها إلى الحقبة الصفوية، وبحسابات جيوسياسية تتعلق بالهيمنة على الخليج العربي وموارد الطاقة. فالأحواز تمثل ركيزة اقتصادية أساسية لإيران نظراً لاحتياطياتها النفطية والغازية، كما تشكل موقعاً استراتيجياً يطل على واحد من أهم الممرات المائية في العالم.

ومنذ عام 1925، شهد الإقليم موجات متعاقبة من المقاومة، بدأت بثورات عشائرية مسلحة في العقود الأولى، ثم تطورت إلى تنظيمات سياسية حديثة في ستينيات القرن العشرين، قبل أن تتخذ شكلاً جماهيرياً أوسع في انتفاضات لاحقة، أبرزها احتجاجات عام 1979 وأحداث 2005 التي اندلعت على خلفية تسريبات تتعلق بمخططات تغيير ديموغرافي. وقد عكست هذه التحركات تحولات في الوعي السياسي وأساليب النضال، وانتقال القضية من إطارها المحلي إلى فضاء إقليمي ودولي أوسع.

على المستوى الداخلي، تتوزع الرؤى السياسية الأحوازية بين تيار قومي يدعو إلى الاستقلال الكامل بوصفه حلاً جذرياً، وتيار فدرالي يطالب بإعادة هيكلة الدولة الإيرانية على أساس يمنح القوميات حكماً ذاتياً، إضافة إلى تيارات دينية ذات مقاربات متباينة. ويعكس هذا التنوع جدلاً مستمراً حول طبيعة الحل الممكن في ظل بنية دولة مركزية قوية تخشى – من منظورها – أن يؤدي أي تحول فدرالي إلى تفكك الكيان السياسي.

وتزداد تعقيدات المشهد بالنظر إلى البعد الاقتصادي، إذ تمثل موارد الإقليم عموداً فقرياً للاقتصاد الإيراني، ما يجعل أي تغيير في وضعه السياسي مسألة ذات حساسية استراتيجية عالية. كما أن موقعه الجغرافي يجعله جزءاً من معادلة الأمن الخليجي، حيث يتقاطع فيه التنافس الإقليمي مع المصالح الدولية المرتبطة بالطاقة والممرات البحرية.

في المحصلة، تبدو الأحواز مساحة تتقاطع فيها الهوية بالتاريخ، والسيادة بالموارد، والمطالب المحلية بالتوازنات الدولية. فمستقبل الإقليم يظل رهناً بتطورات الداخل الإيراني، وبموازين القوى الإقليمية، وبقدرة الفاعلين المحليين على بلورة مشروع سياسي واضح ومتماسك. وبين سرديات التاريخ ومقتضيات الجغرافيا السياسية، تبقى الأحواز قضية مفتوحة على احتمالات متعددة، تعكس تعقيد المشهد في الشرق الأوسط المعاصر.

تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.

موقع ويب تم إنشاؤه بواسطة ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑