مركز دراسات عربستان الأحواز- حامد الكناني– تشهد المنطقة في الآونة الأخيرة تصاعدًا في الحديث عن حرب أمريكية إسرائيلية ضد إيران، تستهدف طموحاتها النووية والعسكرية، والتي تُوصَف في بعض الخطابات بالإرهابية. وفي خضم هذا التصعيد، عاد الاهتمام إلى جزيرة خارج العربية، التي تُعرف اليوم باسمها الفارسي “خارَك”، بعدما كانت تُنسب تاريخيًا إلى إمارة عربية عُرفت باسم إمارة الزعابيين.
كانت جزيرة خارج جزءًا من نفوذ هذه الإمارة، التي تمركزت في بندر ريق، وهو ميناء يضم جزيرتين هما خارج وخاركو. وقد عُرفت الإمارة بتاريخها الحافل بالأحداث، سواء من حيث بطولات أبنائها أو حتى نزاعاتهم الداخلية، وهي وقائع موثقة في عدد من المصادر التاريخية.
ومن أبرز الشخصيات التي تناولها التاريخ في هذا السياق، الأمير مهنا بن ناصر الزعابي، الذي أفرد له الدكتور والأمير المؤرخ، سلطان القاسمي كتابًا بعنوان “الأمير الثائر”. وتُظهر الوثائق البريطانية والهولندية والفارسية، إضافة إلى الروايات الشعبية، مكانة هذا الأمير الذي عُرف بشجاعته وروح التمرد؛ إذ ثار على والده الشيخ ناصر بن حمد الزعابي نتيجة خلافات سياسية، ثم اتجه إلى الهولنديين قبل أن ينقلب عليهم لاحقًا، ويتمكن من تحرير جزيرة خارج من السيطرة الهولندية في تلك الفترة.
وقد اكتسب الأمير مهنا مكانة بارزة في تاريخ الخليج العربي عمومًا، وفي تاريخ الأحواز على وجه الخصوص، حيث يُعد أحد رموز المقاومة والبطولة في الذاكرة التاريخية.
ومع تزايد الأخبار مؤخرًا حول جزيرة خارج، وورود اسمها حتى في تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إلى جانب التكهنات بشأن احتمال وجود عسكري أمريكي فيها، برزت أهمية الجزيرة الأحوازية من جديد، لا سيما من الناحية الاقتصادية وموقعها الجيوسياسي الحساس بالنسبة لإيران.
هذا الاهتمام دفعني إلى مراجعة بعض الوثائق البريطانية المحفوظة في مكتبة قطر الرقمية، حيث اخترت ملفًا يعود إلى فترة تاريخية محددة. وخلال هذه الرحلة المعرفية، لفت انتباهي ما ورد فيه حول أمير إمارة أبو شهر، الشيخ سعدون بن مذكور آل بومهيري، الذي كانت له معاهدات رسمية تُقر بسيادته، وتعكس علاقته بالممثلين البريطانيين آنذاك. كما تشير الوثائق إلى موقفه الرافض لتدخلات الباشا العثماني، حفاظًا على سيادة إمارته العربية.
وقد تحولت إمارة أبو شهر لاحقًا إلى مركز سياسي مهم في الخليج العربي خلال فترة النفوذ البريطاني، حيث أصبحت مقرًا للمقيم البريطاني في الخليج. غير أن هذه الإمارة العربية آلت في نهاية المطاف إلى السيطرة الفارسية، لتُضم وتصبح جزءًا من إيران.
كما تكشف هذه الوثائق عن الصدى الواسع الذي أحدثه تحرير الأمير مهنا لجزيرة خارج من الاستعمار الهولندي، حيث تناقلت الصحف الأوروبية أخبار انتصاراته، واحتفت به بوصفه أحد أوائل الشيوخ العرب الذين ذاع صيتهم في الإعلام الأوروبي في تلك الحقبة.
تُعد سجلات وكالة بلاد فارس، ولا سيما رسائل البصرة للفترة ما بين ١٧٥٣ و١٧٦٥، من أهم المصادر التي توثق الأوضاع السياسية والعسكرية والتجارية في الخليج العربي وبلاد فارس والعراق خلال القرن الثامن عشر، حيث تكشف هذه المراسلات عن شبكة معقدة من العلاقات والصراعات بين القوى الإقليمية، مثل كريم خان زند وحكام الأقاليم العثمانيين، إلى جانب التنافس الأوروبي بين الوكالات البريطانية والهولندية والفرنسية. وتبرز هذه السجلات، المحفوظة ضمن أرشيف المكتبة البريطانية، دور شركة الهند الشرقية البريطانية التي لم يقتصر نشاطها على التجارة، بل امتد ليشمل التدخل السياسي والدبلوماسي والعسكري، من خلال إدارتها لوكالة البصرة، ومتابعتها للمراسلات الرسمية، وسعيها لحماية مصالحها المالية، وإبرامها للاتفاقيات والتحالفات مع القوى المحلية.
وفي هذا السياق، تبرز شخصية مير مهنا الزعابي بوصفها محوراً مهماً في الأحداث، إذ كان والده مير ناصر بن حمد الزعابي حاكماً لبندر ريق، وقد سعى إلى توثيق علاقاته مع شركة الهند الشرقية عبر دعوة ممثلين لها، غير أن مير مهنا أقدم على قتله والاستيلاء على الحكم، مما أدى إلى فرار شقيقه الأكبر إلى الهولنديين، قبل أن يتعرض لاحقاً لهجوم من شقيقه الآخر مير حسن بن ناصر الذي تمكن من أسره. وقد جعلت هذه التحولات من مير مهنا طرفاً رئيسياً في الصراعات الإقليمية، حيث دخل في مواجهات وتحالفات متعددة، من بينها مشاركته في العمليات العسكرية إلى جانب كريم خان زند، إذ أرسل مراكب «الجاليفات» لمنع قبيلة بني كعب من التراجع عبر النهر، في خطوة هدفت إلى دعم الهجوم البري الذي كان يستعد له جيش كريم خان ضد الشيخ سلمان في منطقة الحويزة.
كما تكشف السجلات عن أهمية جزيرة خرج، التي وُصفت بأنها جزيرة صغيرة قريبة من بندر ريق، واتخذها المقيم الهولندي تيدو فريدريك فان نيفوسن مقراً له، في حين حاول مير ناصر التوسط بين الهولنديين والسلطات المحلية. وفي المقابل، لعبت إمارة أبو شهر العربية دوراً بارزاً كمركز لجوء ونشاط سياسي، حيث انتقل إليها أفراد الوكالة الهولندية من البصرة، وكان يحكمها الشيخ ناصر أبو مهيري الذي تعرض لتهديدات من والي بغداد بسبب استضافته للمقيم الهولندي. وفي إطار تعزيز نفوذها، أبرمت شركة الهند الشرقية البريطانية اتفاقية مع الشيخ سعدون بن مذكور أبو مهيري في ١٢ أبريل ١٧٦٣، وقعها من الجانب البريطاني ويليام أندرو برايس بصفته وكيلاً لشؤون الدولة البريطانية في الخليج، وقد جاءت هذه الاتفاقية ضمن سلسلة من التحركات لتنظيم الوجود البريطاني في الإمارة، والتي أعقبتها لاحقاً مراسلات تتعلق بانسحابهم منها عام ١٧٦٩.
وفي سياق موازٍ، عقدت الشركة اتفاقية أخرى مع صادق خان زند، حاكم شيراز وشقيق كريم خان زند، تمحورت حول تقديم الدعم لشركة الهند الشرقية ضد مير مهنا الزعابي، الذي اعتُبر تهديداً مباشراً للمصالح التجارية والسياسية في المنطقة، خاصة في بندر ريق وجزيرة خرج. وعلى الرغم من أن السجلات تشير إلى وجود هذه الاتفاقية ضمن أرشيف وكالة بلاد فارس، فإنها لا تسرد بنودها التفصيلية، بل تكتفي بالإشارة إلى مضمونها العام ضمن المراسلات الرسمية المحفوظة في أوراق مكتب الهند.
وتُظهر هذه الأحداث مجتمعة أن شركة الهند الشرقية البريطانية لعبت دوراً يتجاوز النشاط التجاري، إذ تدخلت في إدارة التوازنات السياسية، وتواصلت مع السلطات العثمانية في بغداد والبصرة، وسعت إلى حماية مصالحها المالية، ومتابعة القضايا القانونية، فضلاً عن إشرافها على الأمن البحري وحركة السفن، وتتبعها للحوادث التي قد تؤثر على تجارتها. كما عملت على توسيع نفوذها من خلال بناء علاقات مع الحكام المحليين الذين كانوا بدورهم يسعون لاستقطابها لما تمثله من قوة اقتصادية وعسكرية.
وبذلك تقدم سجلات وكالة بلاد فارس صورة شاملة عن مرحلة تاريخية اتسمت بتشابك المصالح والصراعات، حيث تداخلت الأدوار التجارية والسياسية والعسكرية، وشهدت المنطقة تنافساً دولياً وإقليمياً حاداً، كان لمير مهنا الزعابي وشركة الهند الشرقية البريطانية فيه دور محوري ضمن مشهد أوسع من التحولات في الخليج العربي خلال القرن الثامن عشر.
تميزت العلاقات السياسية والنزاعات في منطقة الخليج العربي خلال الفترة ما بين ١٧٥٣ و١٧٧٣ بحالة من الاضطراب الشديد وتداخل المصالح بين القوى المحلية والإقليمية والشركات التجارية الأوروبية. فقد شهدت بلاد فارس صراعاً محموماً على السلطة، حيث برز كريم خان زند كقوة سيادية بعد انتصاره على منافسه آزاد خان أفغان بالقرب من شيراز، وتمتع بنفوذ كبير أبقى منافسيه في حالة من الرهبة، مما عزز مكانته كحاكم فعلي للفرس في تلك الفترة. توسعت نزاعات الزنديين لتشمل مواجهات مع قوى محلية، مثل هجوم معسكر جيش كريم خان في الحويزة على الشيخ سلمان بن سلطان الكعبي بسبب رفضه دفع “إتاوة كبيرة”.
في المقابل، كانت الموانئ مثل بندر ريق مسرحاً لانقلابات دموية ونزاعات عائلية، فقد قام مير مهنا الزعابي باغتيال والده مير ناصر للاستيلاء على الحكم، ما أدى إلى صراع مع شقيقه مير حسن الذي حاول الإطاحة به وتكبيله بالسلاسل. ومع ذلك، انخرط هؤلاء الحكام المحليون في التحالفات الإقليمية، حيث قدم مير مهنا دعماً بحرياً باستخدام مراكب الجاليفات لكريم خان زند في صراعه ضد بني كعب.
سعت القوى الأوروبية، وعلى رأسها شركة الهند الشرقية البريطانية، لتأمين مصالحها في المنطقة عبر إبرام اتفاقيات سياسية وعسكرية، منها الاتفاقية مع الشيخ سعدون في إمارة أبو شهر عام ١٧٦٣، واتفاقية مع صادق خان زند في شيراز للتعاون المشترك ضد ثورة مير مهنا. ومع ذلك، تعرضت الوكالات الأوروبية لضغوط سياسية، مثل انسحاب الهولنديين من البصرة إلى إمارة أبو شهر واعتقال المقيم الهولندي نيفوسن بأمر من والي بغداد، ما يعكس تعقيدات التدخل الأجنبي في الشؤون المحلية.
ولم يقتصر الوضع على النزاعات المحلية والدبلوماسية، بل شمل أيضاً تدخلات عثمانية ملحوظة، حيث لعب سليمان باشا والي بغداد دوراً مؤثراً ومثيراً للجدل، قاد خلاله حملات عسكرية لتدمير مناطق في شمال الموصل، وواجه تحديات من الباب العالي في إسطنبول قبل أن يصدر السلطان فرماناً بتثبيته في منصبه. كما مارس والي بغداد ضغوطاً وتهديدات ضد حكام إمارة أبو شهر وبندر ريق بسبب إيوائهم لمسؤولين هولنديين، ما يعكس تداخلاً واضحاً بين النفوذ العثماني والشؤون المحلية.
علاوة على ذلك، تضمنت الفترة تهديدات أمنية وعمليات قرصنة بحرية، مثل مقتل النقيب هربرت سذرلاند والاستيلاء على كنوز وسفن كـ “إسلام آباد” من قبل بحارة محليين، مما زاد من تعقيد المشهد الأمني في طرق التجارة البحرية.
توثّق رسائل وكالة البصرة التابعة لشركة الهند الشرقية البريطانية مرحلةً حافلة بالأحداث بين عامي 1753 و1765، حيث تعكس شبكة معقدة من الصراعات السياسية والعسكرية في العراق وبلاد فارس والخليج العربي. فقد رصدت استقرار حكم سليمان باشا في بغداد وتحركاته العسكرية، وصعود كريم خان زند وانتصاراته، كما أبرزت الاضطرابات في بندر ريق، لا سيما الصراع داخل أسرة مير ناصر بن حمد الزعابي، والذي لم يكن مجرد نزاع على السلطة بقدر ما كان تعبيراً عن اعتراضات عميقة على أساليب الحكم.
وفي هذا السياق، برز مير مهنا الزعابي بوصفه شخصية ثائرة ومعارضة لسياسات والده، لا مجرد متمرد عليه؛ إذ ارتبطت حركته برؤية مختلفة للسلطة والنفوذ في المنطقة، وسرعان ما تحول إلى فاعل رئيسي في معادلات القوة في الخليج. وقد تصاعد الصراع بينه وبين شقيقه الأكبر مير حسن، الذي لجأ إلى الهولنديين طلباً للحماية، قبل أن يعود ويشن هجوماً مفاجئاً يتمكن خلاله من القبض على مير مهنا، غير أن هذا النجاح كان مؤقتاً، إذ استعاد الأخير نفوذه واستمر في لعب دور محوري في النزاعات الإقليمية، بما في ذلك دعمه لقوات كريم خان زند خلال حصار بني كعب.
وامتد تأثير مير مهنا إلى المجال البحري، حيث شكّل قوة بارزة في الخليج، وأسهم في تحجيم النفوذ الأجنبي، خصوصاً الهولندي. وقد بلغ هذا الدور ذروته حين قاد حركة مقاومة ناجحة انتهت بتحرير جزيرة خرج عام 1766، وهو الحدث الذي عُدّ نقطة تحول كبرى في تاريخ المنطقة، إذ أسهم في إنهاء الوجود الفعلي للشركة الهولندية المتحدة في الخليج العربي. ولم يقتصر صدى هذا الانتصار على المنطقة فحسب، بل تجاوزه إلى أوروبا، حيث تناولت الصحف الأوروبية في تلك الفترة أخبار انتصاراته، وخصّصت لها عناوين في صفحاتها، في واحدة من أوائل المرات التي يُسلَّط فيها الضوء على قائد عربي خليجي بوصفه فاعلاً مؤثراً في الأحداث الدولية.
وفي موازاة ذلك، سجلت الرسائل أزمات دبلوماسية وتوترات إقليمية، مثل حادثة اعتقال المقيم الهولندي فريدريك فان نيفوسن، والتهديدات التي طالت حكام بندر ريق وإمارة أبو شهر، إلى جانب الحملات العسكرية ضد بني كعب، التي شارك فيها مير مهنا بحصار بحري باستخدام مراكب «الجاليفات». كما أظهرت الرسائل تداخل المصالح التجارية مع السياسة عبر اتفاقيات عقدتها الشركة مع شخصيات نافذة مثل الشيخ سعدون وصادق خان زند.
أما انسحاب الإنجليز من إمارة أبو شهر عام 1769، فقد جاء في سياق معقد من الدوافع التجارية والمالية، إلى جانب تأثير الاضطرابات الإقليمية، بما في ذلك تحركات مير مهنا، والضغوط العثمانية، والصراعات الداخلية في بلاد فارس، وهي عوامل مجتمعة أثرت على استقرار المراكز التجارية لشركة الهند الشرقية.
كما شهدت المنطقة حوادث بحرية خطيرة، من أبرزها تمرد بحارة “اللساكر” العرب على متن سفينة «إسلام آباد»، والذي أسفر عن مقتل النقيب هربرت سذرلاند وضباطه، والاستيلاء على ثروة ضخمة، في واحدة من أكبر الخسائر التي تكبدتها الشركة. وعلى الصعيد الداخلي في بغداد، برزت صراعات السلطة من خلال إقدام سليمان باشا على إعدام صهره أحمد آغا بتهمة التآمر.
وفي ظل هذه التحولات، سعت شركة الهند الشرقية إلى حماية مصالحها عبر التحالف مع صادق خان زند لمواجهة نفوذ مير مهنا المتصاعد، الذي مثّل تحدياً مستمراً للقوى الإقليمية والأجنبية على حد سواء. وفي المقابل، كان والده مير ناصر بن حمد الزعابي حليفاً وثيقاً للهولنديين، حيث وفر لهم الدعم والحماية، خاصة في جزيرة خرج، وهو ما يفسر تشابك المصالح الدولية مع الصراعات المحلية.
غير أن تراجع النفوذ الهولندي منذ خمسينيات القرن الثامن عشر، نتيجة الحروب الأوروبية والمنافسة التجارية والضغوط المحلية، أدى إلى إغلاق وكالاتهم في الخليج، قبل أن يحاولوا الحفاظ على وجودهم عبر جزيرة خرج. إلا أن هذا الوجود انتهى فعلياً مع انتصار مير مهنا، الذي لم يكن مجرد قائد محلي، بل شخصية إقليمية فرضت حضورها حتى في الوعي الأوروبي، كما عكسته الصحافة المعاصرة آنذاك.
باختصار، تكشف هذه السجلات عن شبكة معقدة من النزاعات السياسية والعائلية والاقتصادية في منطقة الخليج، حيث تشابكت التحالفات المحلية والإقليمية مع مصالح القوى الأوروبية، وسط اضطرابات أمنية وسياسية متكررة، مما جعل المنطقة مسرحاً لصراعات مستمرة ومؤثرة على التجارة والأمن الإقليمي.
تتعلق أحداث هذه الفترة التاريخية بظهور مدعي عرش في بلاد فارس منتصف القرن الثامن عشر، وهو شخص أطلق على نفسه اسم الشاه سلطان حسين، وادعى أنه ابن الشاه طهماسب. وذكرت التقارير أنه كان قد عاد مؤخراً من موسكو في روسيا قبل أن يبدأ حركته، وتلقى دعمًا سياسيًا وعسكريًا من آزاد خان أفغان، الذي نصب نفسه حاكماً على أذربيجان. جاء ظهور هذا المدعي في سياق الصراع على السلطة بين آزاد خان أفغان وكريم خان زند، وكُتبت حركته ضمن الاستراتيجيات التي اتبعها آزاد خان لتعزيز شرعيته في تلك الحقبة المضطربة من تاريخ إيران، إلا أن المصادر لم توضح المصير النهائي له بعد فشل حركته، إذ انتهت عمليًا بعد هزيمة حليفه آزاد خان على يد كريم خان قرب شيراز.
في الوقت نفسه، شهدت منطقة الخليج العربي تحركات سياسية معقدة، حيث وجه والي بغداد، سليمان باشا، تهديدات مباشرة لمير ناصر بن حمد الزعابي، حاكم بندر ريق، بسبب استمرار الأخير في إيواء المقيم الهولندي تيدو فريدريك فان نيفوسن، وشملت التهديدات أيضًا الشيخ ناصر خان أبو مهيري، حاكم إمارة أبو شهر، للسبب ذاته، في إطار ضغوط سياسية أوسع للتحكم في النفوذ الأوروبي بالمنطقة.
أما كريم خان زند، الذي لقب بوكيل بلاد فارس، فقد كان القوة المهيمنة في المنطقة، وتميزت علاقاته بالقوى الإقليمية بمزيج من الصراع والتحالفات وفرض الهيمنة. فقد خاض اشتباكات عنيفة مع آزاد خان أفغان، وانتهت بانتصاره بالقرب من شيراز، مما رسخ حكمه وجعل منافسيه في حالة من الرهبة والاستسلام. كما كان هناك احتمال سياسي لاستسلام كريم خان وآزاد خان لأحمد شاه دراني ملك الأفغان، بعد استيلاء الأخير على جزء من خراسان، مما يعكس تعقيد التوازنات الإقليمية. علاوة على ذلك، كانت علاقته بالقبائل والمشيخات مثل بني كعب والشيخ سليمان قائمة على فرض التبعية وجباية الإتاوات، واستخدم قوات محلية مثل مير مهنا الزعابي لدعم حملاته العسكرية ضد الخصوم. أما على الصعيد الأوروبي، فقد أبرم شقيقه صادق خان زند، حاكم شيراز، اتفاقية مع ويليام أندرو برايس من شركة الهند الشرقية لتقديم المساعدة ضد مير مهنا، بما يعكس رغبة الدولة الزندية في ضبط القوى المتمردة وتأمين التجارة في الخليج. وقد تزامن صعود كريم خان مع ولاية سليمان باشا في بغداد، مما أسفر عن توازن قلق بين النفوذ العثماني والزندية في المنطقة.
في سياق النزاعات العربية، نفذ مير حسن بن ناصر الزعابي هجومًا مفاجئًا على شقيقه مير مهنا، وكبّله بالسلاسل، إلا أن مير مهنا استعاد لاحقًا حريته ونفوذه، وشارك مجددًا في العمليات العسكرية بالتنسيق مع قوات كريم خان ضد قبيلة بني كعب، وظل مصدر تهديد لمصالح شركة الهند الشرقية، ما دفعها لإبرام اتفاقية خاصة مع صادق خان زند للحصول على الدعم العسكري ضد مير مهنا.
كما توثق المصادر حادثة إعدام الحاج يوسف دلال باشي في البصرة، حيث عُثر على جثته في سوق الذرة. وعلى الرغم من عدم وضوح الأسباب السياسية أو الجنائية، فإن اهتمام شركة الهند الشرقية كان منصبًا على استرداد ديونها من ممتلكاته الكبيرة قبل التصرف في التركة.
في هذا الإطار، أبرمت اتفاقية بين شركة الهند الشرقية البريطانية والشيخ سعدون بن مذكور أبو مهيري، حاكم إمارة أبو شهر، في 12 أبريل 1763، بهدف تنظيم العلاقات التجارية وتوفير الحماية الأمنية لمكاتب الشركة في ظل الاضطرابات السياسية.
وتبرز جزيرة خرج أهميتها الاستراتيجية كقاعدة للهولنديين في مواجهة مير مهنا، حيث استقر فيها المقيم الهولندي نيفوسن، وكانت ملاذًا آمنًا يسمح بمراقبة تحركات حكام بندر ريق والتدخل في شؤون المرفأ التجاري، إضافة إلى كونها قاعدة دعم للمعارضين لحكم مير مهنا، بمن فيهم شقيقه مير حسن، الذي لجأ إليها طلبًا للحماية.
باختصار، كانت تلك الفترة مليئة بالصراعات المتشابكة بين القوى المحلية والإقليمية والدولية، حيث لعبت التحالفات مع القبائل وحكام الإمارات، والدعم الأوروبي، والهيبة العسكرية دورًا حاسمًا في رسم معالم السلطة والنفوذ في بلاد فارس والخليج العربي خلال منتصف القرن الثامن عشر.
تنويه: لا يجوز نقل المادة اعلاه أو اقتباسها دون ذكر المصدر: حامد الكناني- مركز دراسات عربستان الأحواز
تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.