








مركز دراسات عربستان الأحواز- حامد الكناني- تستند هذه الدراسة إلى ملف من الوثائق البريطانية يحمل الرقم المرجعي (FO 248/1618)، وهو محفوظ ضمن مقتنيات الأرشيف الوطني البريطاني، ويتضمن مراسلات دبلوماسية تعود إلى عام 1966 بين البعثة البريطانية في مدينة المحمرة (الأحواز) والسفارة البريطانية في طهران، إضافة إلى تقارير مرفوعة إلى وزارة الخارجية في لندن. ويضم هذا الملف عشرات الرسائل والتقارير التي توثق، بشكل مباشر وغير مباشر، ملامح السياسات الإيرانية في الإقليم خلال تلك المرحلة، وتقدم مادة أولية مهمة لفهم طبيعة التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدتها الأحواز.
في عام 1966، وفي ظل حكم محمد رضا بهلوي، دخلت الأحواز مرحلة جديدة من سياسات “الأيرنة” التي استهدفت إعادة تشكيل الهوية العربية للإقليم ودمجها قسرياً ضمن الإطار الفارسي للدولة. وتوضح الوثائق أن هذه السياسات لم تكن مجرد برامج تنموية، بل كانت جزءاً من مشروع أوسع لـ”تنمية قسرية” سعت من خلاله الدولة إلى تفكيك البنية الاجتماعية التقليدية وربط الإقليم عضوياً بالمركز في طهران.
وقد استخدمت الدولة أدوات التنمية لاختراق المجتمع العربي المحلي وتقويض نفوذ القيادات التقليدية، وعلى رأسها شيوخ القبائل. فمع تطبيق برامج “الثورة البيضاء”، برز الإصلاح الزراعي كوسيلة لإعادة توزيع الأراضي ومصادرة نفوذ كبار الملاك، ما أدى إلى إضعاف مكانتهم الاقتصادية والسياسية، وربط الفلاحين مباشرة بمؤسسات الدولة، وبالتالي إعادة توجيه الولاءات نحو السلطة المركزية.
وفي موازاة ذلك، تكشف المراسلات عن مساعٍ حثيثة لإعادة تشكيل النظام القضائي المحلي، من خلال إنشاء “محاكم القرى” (خانه إنصاف)، التي سحبت صلاحيات الفصل في النزاعات من القضاة التقليديين المعروفين محلياً بـ”الفريضة” و”العارفة”، ومنحتها لقضاة مرتبطين بالجهاز الإداري للدولة. ولم يكن هذا التحول إدارياً فقط، بل حمل أبعاداً ثقافية واضحة، إذ فرضت معايير مثل إجادة اللغة الفارسية، ما أدى إلى تهميش الرموز العربية التقليدية وإحلال كوادر موالية للمركز.
كما تشير الوثائق إلى أن الدولة انتهجت سياسة هندسة ديموغرافية تدريجية، عبر مشاريع صناعية كبرى استقطبت عمالاً غير عرب إلى المدن الأحوازية، الأمر الذي أسهم في تغيير التركيبة السكانية. وترافق ذلك مع جهود ممنهجة لمحو الذاكرة التاريخية، شملت تغيير أسماء المدن، وفرض اللغة الفارسية عبر برامج مثل “سباه دانش” (فيلق محو الأمية)، و”سباه بهداشت” (فيلق الصحة)، التي استُخدمت أيضاً كأدوات دعائية لإبراز صورة الدولة الحديثة في مواجهة المد القومي العربي.
وعلى الصعيد الأمني، تعكس الوثائق حالة من عدم الثقة العميقة بين الدولة والقبائل العربية، حيث فُرضت رقابة مشددة عبر جهاز الساواك، شملت النفي والإقامة الجبرية لبعض الزعماء، إضافة إلى حملات اعتقال واسعة هدفت إلى احتواء أي نشاط معارض أو قومي.
ورغم هذه السياسات، تُظهر المراسلات أن الوعي القومي العربي ظل حاضراً، مدفوعاً بنشاط تنظيمات مثل “جبهة تحرير عربستان”، وتأثير الإعلام العربي، ولا سيما إذاعة “صوت العرب” من القاهرة، التي لعبت دوراً في تغذية الخطاب المناهض لسياسات الأيرنة. كما تكشف الوثائق عن قلق إيراني متزايد من أي تواصل بين عرب الأحواز ومحيطهم العربي، خاصة في ظل تصاعد المد القومي في المنطقة.
ولم يقتصر هذا القلق على الداخل، بل امتد إلى مواقف إيران الخارجية، حيث أبدت اعتراضها على استضافة بعض الدول الخليجية لأنشطة مرتبطة بـ جامعة الدول العربية، متهمة إياها بالترويج للخطاب القومي الناصري، الذي رأت فيه تهديداً محتملاً للاستقرار في جنوب إيران.
وفي المحصلة، تكشف هذه الوثائق أن مشروع “الأيرنة” حقق بعض النجاحات على المستوى المادي، من خلال تطوير البنية التحتية وتعزيز الارتباط الاقتصادي بالمركز، لكنه أخفق في تحقيق اندماج قومي أو وجداني حقيقي. فقد حافظت المجتمعات العربية في الأحواز على لغتها وثقافتها، واستمر شعورها بالتمايز والاغتراب، ما يعكس حدود قدرة السياسات القسرية على إعادة تشكيل الهويات الراسخة.
تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.