الأفعى والذهب: قصة تختصر الحرب في المنطقة ونتائجها المؤجلة/ حامد الكناني

بعد منح مهلة لإيران، والتصريح الخطير للرئيس الأمريكي حول إمكانية محو حضارة من الوجود، اتجهت أنظار العالم بأسره إلى البيت الأبيض، حيث بدأ الجميع يترقب اللحظة التي تم تحديدها، وهي الساعة الثالثة فجرًا. كان السؤال المطروح: كيف يمكن أن تُمحى هذه الحضارة، والمقصود هنا إيران؟

لكن قبل ساعات قليلة من الموعد، بدأت تسريبات من الجانب الباكستاني تشير إلى حدوث تقدم في مسار المفاوضات. تلا ذلك تصريح رسمي من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أعلن فيه منح إيران مهلة لمدة أسبوعين، أو هدنة مؤقتة للطرفين، على أن تُتخذ بعدها القرارات الحاسمة. كما أُعلن عن استئناف المفاوضات خلال يومين في باكستان.

في إيران، هناك مثل شائع يقول: “من هذا العمود إلى ذاك العمود قد يأتي الفرج”، أي أن الأمل قد يولد في اللحظات الأخيرة. وبالفعل، فإن المتابع للأحداث داخل إيران ولدى حلفائها في المنطقة يلاحظ أنهم بدأوا يتحدثون عن “نصر”. ويستند تفسيرهم إلى أن أهداف إسرائيل والولايات المتحدة، ومعهما أطياف من المعارضة الإيرانية، لم تتحقق في إسقاط النظام أو تغييره. وبذلك، فإن بقاء النظام واستمراريته يُعدّ—وفق هذا المنطق—انتصارًا بحد ذاته.

في هذه العقلية، لا تُقاس الهزائم بحجم الخسائر البشرية أو المادية، بل يكون معيار النصر هو البقاء. وقد دار حديث بيني وبين أحدهم، أشار فيه إلى مثال اليابان، التي تعرضت لقصف نووي مدمر من قبل الولايات المتحدة، ومع ذلك استطاعت أن تنهض وتحقق تقدمًا كبيرًا.

لكن هذه المقارنة، في تقديري، غير دقيقة. فاليابان بعد الحرب العالمية الثانية استسلمت بشكل كامل، وحلّت جيشها، ولم تستثمر في تطوير قدراتها العسكرية، بل ركزت على الاقتصاد والصناعة، خاصة في مجالات التكنولوجيا والسيارات. كما تبنت سياسة الانفتاح والتعاون مع العالم، بما في ذلك الولايات المتحدة، وتخلّت عن نهجها العسكري التصادمي. وبهذا التحول، استطاعت أن تحقق نجاحًا لافتًا.

السؤال هنا: هل يمكن أن تسلك إيران المسار ذاته؟

في ظل العقلية القومية والمذهبية المسيطرة على مركز القرار في إيران، يبدو ذلك مستبعدًا. فالسلوك الإيراني—كما تشير المعطيات—مرشح للاستمرار في نهج الصدام، ليس فقط مع الدول الغربية، بل أيضًا مع محيطه العربي والإقليمي، وحتى داخليًا مع بعض مكوناته وأقاليمه.

هذا التوجه المركزي الشمولي، القائم على الإقصاء والتفوق القومي والطائفي، يُعد في حد ذاته مصدر توتر دائم، داخليًا وخارجيًا، وهو ما قد يعيق أي فرص حقيقية للتقدم أو التنمية إذا استمر على هذا النحو.

وبناءً على ذلك، يصعب توقع حدوث انفتاح حقيقي في العلاقات مع دول الإقليم، خاصة دول مجلس التعاون الخليجي، التي تعرضت لأعمال عدائية رغم محاولاتها السابقة في تقديم الدعم أو بناء علاقات متوازنة. في المقابل، استمرت طهران في تبني سياسات تصعيدية، شملت هجمات صاروخية واستخدام الطائرات المسيّرة، حتى في سياقات يفترض أنها موجهة نحو خصومها الأساسيين.

وبناءً على ذلك، لا يبدو أن هذه الدول ستكون قادرة مستقبلًا على الانفتاح على إيران أو التعامل معها بالمرونة والانشراح اللذين كانا قائمين في مراحل سابقة. فطبيعة السياسات المتبعة، وخاصة في ظل استمرار تطوير واستخدام الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، تجعل من الصعب بناء الثقة أو فتح آفاق جديدة للعلاقات.

كما أنه من غير الواقعي توقع أن تقوم إسرائيل ببناء علاقات طبيعية أو الانفتاح على طهران، وهي التي تعتبر نفسها مهددة بشكل مباشر منذ قيام النظام الإيراني قبل نحو 47 عامًا. فقد تأسست الجمهورية الإسلامية الإيرانية على خطاب يقوم على معاداة إسرائيل، وصل إلى حد الدعوة لإزالتها من الوجود، ولم يبقَ هذا الخطاب في إطار الشعارات، بل تُرجم إلى سياسات عملية.

تمثلت هذه السياسات في دعم وتسليح جماعات مسلحة في المنطقة، وتوسيع نفوذها في عدة ساحات، بما في ذلك لبنان وقطاع غزة، وهو ما أدى إلى تطويق إسرائيل ببيئة أمنية معقدة ومتوترة. ومن هذا المنظور، يُنظر إلى أن طهران لعبت دورًا في إعاقة مسارات السلام في الشرق الأوسط عبر هذه الأذرع.

إلى جانب ذلك، انعكست هذه السياسات على الأمن الإقليمي العربي، حيث تأثرت دول مثل سوريا ولبنان ومصر والأردن وليبيا، وصولًا إلى العراق واليمن، حيث يُنظر إلى أن النفوذ الإيراني في بعض هذه الدول ساهم في إضعاف استقرارها والتأثير على توازناتها الداخلية.

وبالتالي، فإن استمرار هذا النهج يجعل من الصعب تحقيق استقرار إقليمي حقيقي، أو بناء علاقات قائمة على الثقة والتعاون المتبادل في المستقبل القريب.

كما يُنظر إلى أن إيران لعبت دورًا في التأثير على أمن الطاقة في المنطقة، من خلال ممارسات فُسّرت على أنها توظيف للقوانين الدولية بما يخدم مصالحها الخاصة. وقد برز ذلك بشكل واضح في تعاملها مع مضيق هرمز، حيث اعتبرت أنه يقع ضمن نطاق سيطرتها المباشرة، وأن لها الحق في التحكم بحركة الملاحة فيه.

إلا أن القوانين والمواثيق الدولية تؤكد أن مضيق هرمز يُعد ممرًا مائيًا دوليًا، لا يخضع لسيادة دولة واحدة. فهو يقع بين عدة أطراف جغرافية، تشمل إيران من الشمال، وسلطنة عُمان من الجنوب، إضافة إلى الإمارات العربية المتحدة من جهة الجنوب الغربي، عبر عدد من الجزر الاستراتيجية.

ومن أبرز هذه الجزر جزيرة أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى، وهي جزر متنازع عليها، ما يعني أن مسألة السيادة عليها لم تُحسم بشكل نهائي. وبالتالي، فإن هذا الواقع القانوني لا يمنح أي طرف حق الادعاء بالسيطرة الكاملة على المضيق أو التحكم المنفرد به.

وفي هذا السياق، فإن تراكم هذه السياسات—سواء على مستوى التوترات الإقليمية، أو الخلافات مع المجتمع الدولي، أو الصدام مع الدول الغربية—يجعل من الصعب تجاوز آثارها أو تجاهلها. فهذه الملفات تبقى حاضرة في الذاكرة السياسية والقانونية للدول، وتؤثر على شكل العلاقات المستقبلية.

وبناءً على ذلك، فإن استمرار هذا النهج لا يُنظر إليه بوصفه انتصارًا، بقدر ما يُعد امتدادًا لحالة من عدم الاستقرار، تنعكس آثارها على شعوب المنطقة، التي تجد نفسها في كثير من الأحيان ضمن بيئة سياسية معقدة تحكمها صراعات وأيديولوجيات حادة.

هناك حكاية يتداولها الإيرانيون كثيرًا، تحمل دلالة عميقة. تُروى عن راعٍ للإبل في الصحراء، قام يومًا بحلب ناقته ووضع الحليب في وعاء، ثم تركه وذهب للصلاة. وعندما عاد، وجد أفعى قد وضعت رأسها في الوعاء وتشرب من الحليب. لم يؤذها، بل تركها حتى انتهت وعادت إلى جحرها.

في اليوم التالي، كرر الأمر، فوضع لها الحليب قرب الجحر. خرجت الأفعى، شربت، ثم عادت. واستمر هذا المشهد عدة أيام، حتى جاء اليوم السابع، حيث أحضرت الأفعى معها دينارًا من الذهب ووضعته بجانب الوعاء. ومنذ ذلك الحين، نشأت علاقة غريبة: هو يقدم الحليب، وهي ترد بدينار ذهب.

تحسنت أحوال الراعي، لكنه لم يتخلَّ عن هذه العلاقة. وفي يوم من الأيام، اضطر للسفر، فأخبر ابنه الكبير بالسر، وطلب منه أن يواصل إطعام الأفعى بالحليب مقابل الدينار.

لكن الابن لم يرضَ بالقليل، وفكّر في الوصول إلى الكنز دفعة واحدة. قال لنفسه: لماذا أنتظر دينارًا كل يوم، بينما يمكنني قتل الأفعى وأخذ الكنز كله؟ فحمل فأسًا، وانتظر خروجها. وعندما بدأت تشرب، هجم عليها وضربها، لكنها تفادت الضربة، فقطع ذيلها، وتمكنت في المقابل من لدغه. لم تمضِ ساعة حتى مات الابن مسمومًا.

عاد الأب لاحقًا، فوجد ابنه ميتًا. أدرك ما حدث، فوضع الحليب في مكانه المعتاد وانتظر. لم تخرج الأفعى في اليوم الأول ولا الثاني، لكنها خرجت في اليوم الرابع، وقالت له:

“لقد انتهت صداقتنا. لا أنت تستطيع أن تنسى ابنك، ولا أنا أستطيع أن أنسى ذيلي. ما حدث بيننا أكبر من أن يُتجاوز.”

تُستخدم هذه الحكاية كرمز معبّر عمّا وصلت إليه العلاقات المتوترة في المنطقة؛ إذ إن الأحداث والتصعيدات الأخيرة خلّفت جروحًا عميقة لدى مختلف الأطراف، سواء في إيران أو دول الخليج العربي، بل وحتى داخل إسرائيل.

من جهة، ركزت دول مجلس التعاون الخليجي خلال السنوات الماضية على التنمية، والانفتاح الاقتصادي، وجذب الاستثمارات، وتحقيق مستويات متقدمة من الرفاه والتطور. وقد جعلها ذلك وجهة جاذبة لرؤوس الأموال والكفاءات من مختلف أنحاء العالم، بما في ذلك المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية وكندا.

في المقابل، برزت تحولات في السرديات التاريخية والسياسية، من بينها ما يرتبط بشخصية كورش الكبير، التي لطالما استُخدمت في الخطاب الإيراني بوصفها رمزًا للتقارب مع اليهود تاريخيًا. إلا أن التطورات الأخيرة أضعفت فاعلية هذه السردية، خاصة مع تصاعد التوترات، حيث تشير بعض القراءات إلى أن المجتمع الإسرائيلي لم يشهد من الجانب العربي نمط الهجمات ذاته الذي واجهه في سياق الصراع مع إيران.

وبناءً على ذلك، فإن الواقع الراهن يوحي بأن ما جرى لا يمكن تجاوزه بسهولة في ظل نظام الجمهورية الإسلامية في إيران. فلا النظام الإيراني قادر على نسيان مرشده وخسائره المادية والبشرية، ولا دول الخليج العربي يمكنها تجاهل ما تعرضت له من عدوان جائر.

تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.

موقع ويب تم إنشاؤه بواسطة ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑