مركز دراسات عربستان الأحواز- لكل قصيدة حكاية، كما يُقال، غير أن حكاية قصيدة “وحق ماي الحويزة وقصبة النصّار” للشاعر والمعلم والمحامي الراحل نعمت الله الكناني تُعد من الحكايات التي تجاوزت حدود الأدب لتلامس واقعًا اجتماعيًا وسياسيًا شديد التعقيد. فقد ارتبطت هذه القصيدة بمرحلة دقيقة ومتوترة من تاريخ الأحواز في منتصف سبعينيات القرن العشرين، حين كان الشاعر طالبًا في معهد المعلمين (دانشسراي راهنمايي) في مدينة الأحواز.
في تلك الفترة، كان الشاعر يقيم في بيتٍ عزابي مع مجموعة من أصدقائه المقربين، من بينهم الشاعر والمعلم الراحل عبدالنبي بن كريم النيسي، إلى جانب كل من حسين سوداني، وصالح الساعدي، وعزيز بدر زاده الأميري، وعلي المنبوهي، وآخرين من الطلبة. وقد شكّل هذا البيت فضاءً ثقافيًا حيًا، احتضن نقاشات أدبية وروابط إنسانية عميقة، كان لها أثرها في تشكيل التجارب الشعرية لهؤلاء الشباب.
حظيت القصيدة بمكانة خاصة لدى الشاعر عبدالنبي النيسي، الذي كان يُجيد إلقاءها بصوته الشجي، الأمر الذي منحها حضورًا متجددًا في الذاكرة الجماعية لمن عرفوه. وربما لهذا السبب بالذات، أعاد الشاعر نعمت الله الكناني إحياءها في مناسبة أربعينية صديقه الراحل عام 1979، بعد أن توفي إثر حادث مرور أليم.
أُلقيت القصيدة في مقبرة إبراهيم الخليل، وسط حضور جماهيري غفير ضم مشيعين من مختلف المناطق، بما في ذلك نساء عربيات قدمن من مدن بعيدة للمشاركة في مراسم العزاء. وقد تميزت لحظة الإلقاء بظرف استثنائي، إذ ظهر الشاعر ملثمًا، في إشارة واضحة إلى إدراكه لحساسية الموقف وخطورة ما سيُقال. ورغم أن بعض الحاضرين تمكنوا من التعرف على صوته، إلا أن هويته بقيت مخفية عن الأنظار.
لم تخلُ تلك المناسبة من التوترات، إذ تعرضت بعض حافلات المشيعين، لا سيما تلك التي كانت تقل النساء، لهجمات من قبل مجموعات شعبوية كانت تردد شعارات سياسية حادة، من بينها “درود بر كرمي” و”مرگ بر خلق عرب”.وفي المقابل كان المحتفلون بتأبين الشاعر عبدالنبي نيسي، يرددون شعار “نبي حي..نبي مامات” وتعكس هذه الهتافات حجم الاحتقان السياسي والاجتماعي الذي كان سائدًا آنذاك، وما كان يرافقه من انقسامات حادة داخل المجتمع.
وتشير الشهادات إلى أن مراسم التأبين، بما في ذلك إلقاء القصيدة، قد تم تسجيلها من قبل جهات أمنية كانت في طور التشكّل في تلك الفترة. وقد استُخدم هذا التسجيل لاحقًا كذريعة لملاحقة الشاعر نعمت الله الكناني، حيث تعرض للفصل من عمله في وزارة التربية والتعليم، وظلت التهم الأمنية تلاحقه طوال حياته. ويكشف ذلك عن الكلفة الباهظة التي قد يدفعها المثقف حين تتحول الكلمة إلى موقف، والشعر إلى فعل يتجاوز حدود التعبير الجمالي.
إن هذه الحادثة لا تمثل مجرد واقعة عادية في سجل الشعر الشعبي أو المناسبات التأبينية، بل تعكس بعمق العلاقة المتشابكة بين الكلمة والسلطة، وبين الثقافة والواقع السياسي. كما تسلط الضوء على الدور الذي يمكن أن يؤديه الشعر في التعبير عن الهوية والانتماء، وعلى المخاطر التي قد تواجه المبدعين في بيئات لا تتسامح مع حرية التعبير.
تبقى هذه الشهادة محاولة لتوثيق جزء من الذاكرة الجمعية، واستحضار لحظة تاريخية امتزج فيها الحزن بالإبداع، والخوف بالشجاعة، لتظل القصيدة وصاحبها شاهدين على زمن لم يكن سهلًا على أهله.
تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.