بقلم:كرار حيدر علي
إنه قدر لمئات آلاف الأحوازيين
أنهم ولدوا بعيداً عن وطنهم، في شتات الأرض ومنافي العالم، فقد شاء الله لهم أن يكونوا وآباءهم لاجئين على بلادٍ ودولٍ كثيرة بعيدة عن وطنهم العزيز الأحواز، ولم يكن باستطاعتهم العودة إلى الوطن، أو الإقامة فيه، والرباط على أرضه، رغم أنهم جميعاً يتطلعون إلى اليوم الذي يعودون فيه إليه أعزةً كراماً، فاتحين محررين، يرفعون علم بلادهم فوق كل ذرى وتلال وطنهم الحبيب، فهذا حلمٌ يسكن قلوبهم، وينمو معهم، ولا يغيب عن ذاكرتهم، إنه حليب أطفالهم، ونشيد تلاميذ مدارسهم، ووصية الآباء والأجداد، يتوارثونه ويحفظونه ويقسمون بالله ألا ينسوه، وألا يتخلون عنه، مهما طال الزمن واشتدت المحن والخطوب، وهم إن كانوا في شتاتهم أكثر عدداً من أشقائهم في الوطن، إلا أنهم يرون أن الأصل في الأشياء بعد الله عزوجل وأهل البيت عليهم السلام هو الوطن وأهله، والأولوية هي لساكنيه وللمرابطين فيه، فهم المنزرعون في أرضه، والملونون لسمائه، والراسخون فوق ترابه.
الأحوازيون في الشتات يشعرون بالألم والحزن يعتصر قلوبهم وهم يرون أبناء شعبهم في الوطن الأحواز العربي، يقاسون ويلات الإحتلال الايراني، ويعانون من ظلمه العنصري وبطشه الفارسي، يقتلون ويعتقلون، ويضربون ويصابون بجراحاتٍ أليمة ومقعدة، وقد كانت قلوبهم تتفطر وهم يرون جيش العدو الفارسي وحرسه الأرهابي وبسيجه الجائر يجتاح المدن الأحوازية، ويقصف بطائراته ودباباته سكانها، فيقتل ويخرب ويدمر، وقد كانوا يتمنون أن يكونوا معهم وبينهم، يشاركونهم شرف المواجهة، وعزة الرباط والمواجهة، ويكون لهم سهمٌ مثلهم في قتال العدو الايراني المحتل ومواجهتهم، وهم الذين أبلوا بلاءاً حسناً ضد الايرانيين عبر التاريخ، ومنهم رموزٌ في الكفاح كبارٌ وأشداء، رجالٌ ونساء، أوجعوا الايرانيين، وتركوا في ذاكرتهم جرحاً بالغاً لا تدمله الأيام، ولا تنسيهم آهاته السنون، وجعلوا من مقاومتهم للعدو الفارسي مدرسةً جديدة ورائدة في فنون الكفاح والمواجهة والتحدي.
الأحوازيون العرب في الوطن يقدرون لأهلهم في المهجر توقهم الشديد للمساهمة في المواجهة، والمشاركة في الكفاح، ويشعرون بمدى الألم الذي يسكن قلوبهم إذ أنهم حرموا فضل الاعلام والتثقيف ومقارعة العدو الفارسي وملاحقته، ويعترفون لأهلهم في المهجر أنهم حافظوا على جذوة الثورة الأحوازية لسنين طويلة، وأبقوا على راية المواجهة عالية خفاقة، وتمسكوا بحق التحرير، ورفضوا كل أشكال التجنيس والتوطين، ويقفون بكلِ تقديرٍ واعتزاز أمام عشرات آلاف الشهداء من أهلهم الذين سقطوا في معارك الكرامة وأحداث الاستعمار الفارسي المريرة، ومذابحهم المروعة في المحمرة والحويزة والفلاحية والاربعاء السوداء وغيرها، ويرون أنهم كانوا في مرحلة نجاح الثورة في ايران عام 1979 تلك المرحلة هم الأقدر على تسلم راية القيادة، فقد كانوا الأكثر تضحيةً، والأقدر على إدارة دفة سفينة الوطن، كما كانوا الأكثر إيلاماً للعدو، فخانوهم الفرس كديدنهم عبر التاريخ ليغتصبوا منجز الثورة وحرية الشعوب ومنها العرب والاكراد والاتراك والبلوش وغيرهم، باتوا اليوم أقدر على الريادة، لقناعتهم الأكيدة بأنهم الأقدر والأكفأ، والأكثر خبرةً ودراية، والأفر حرية وفضاءاً، وهم يدركون أنهم في وطن المواجهة المعاصرة، وفي الكفاح فرسا رهان يتسابقون أيهم يقدم أكثر، وأيهم يضحي من أجل الوطن أكثر، ويدركون أن الأعمال هي التي تقدم، وأن المواجهة هي التي توجه، فمن كان رائداً كان قائداً، ومن كان مضحياً كان في الصدارة أولى.
ولما كانت المواجهة الجماهيرية هي سباق تتابعٍ بين المناضلين الاحوازيين، وميدان تنافسٍ بين حملة راية الحرية، ومضمار سباقٍ بين الممتازين عطاءاً وتضحية، كلٌ يسلم الراية لمن بعده، وكلٌ يسلم عصا السباق للتالي من بعده، دون إحساسٍ بضيقٍ أو تبرم، ودون احتسابٍ لمكاسب شخصية، ومنافع فردية، فهذه أصول السباق ونظم العدالة الكفاحية الجماهيية الثورية، صنعتها سنواتٌ طويلة من الخبرة الأحوازية وغيرها من المدارس التي سبقت، نحترمها ونقدرها، ونلتزم بها ونطبقها، ولا نقف ضد طبيعتها وأحقيتها، فهذه سننٌ كونية، وقوانين تصنعها سنن التدافع والبقاء، التي على أساسها تقوم الحياة وتتطور، وقد علمتنا الأحداث أن القيادة تصنعها التضحية، وتصقلها المعاناة، إذ لم يتصدر القيادة في الوطن خلال سنواتٍ طويلة منذ الإنتفاضة المباركة الأولى، سوى الذين قضوا في السجون والمعتقلات سنواتٍ طويلة من عمرهم، أو أؤلئك الذين قدموا زهرة أبنائهم في ميادين الكفاح والمواجهة، فالقيادة كانت ولازالت محنة وابتلاء، وتضحية ومعاناة، وسبيلاً للملاحقة والاعتقال، وهدفاً للإصابة والاغتيال، فما تقدم قائدٌ إلا وكان مرشحاً للقتل أو الإعتقال، أو معرضاً هو وبنوه وبيته للقصف والتدمير والاغتيال والاعدام، فلا ريادة دون ثمن، ولا قيادة دون دم، ولا صدارة دون قيد، ولا محاولة لتقدم الصفوف ورئاسة الوفود، والتحدث أمام الجموع دون إحساسٍ بالألم كبير، تركه العدو الفارسي في النفس والقلب والجسد معاً، علامات بارزة، هي شهادات باقية، ونياشين فخرٍ خالدة.
الحجر في أرضه قنطار، مثلٌ عرفه العرب، وحفظه التاريخ، إذ القيمة لمن سكن الوطن الاحوازي، ورابط على أرضه، وسقاه ثراه بدمه، وكان حجراً على الأرض يتعثر به العدو فلا يخطو، أو شجرةً في الأرض تمتد جذورها وتسمو أغصانها وتخضر أوراقها، لتكون في الأرض علامة بارزة لا تزول، والاحواز اليوم حرة، فيها متسعٌ لكل القادة، وفيها مكانٌ لكل من أراد أن يتبوأ المسؤولية، يسهل فيها اللقاء، ويلتئم فيها الشمل، وتتحرر فيها الآراء، وتنطلق منها الأفكار، فتبدع العقول، وتتبارى الجهود، ويقصدها الزوار، ويتجه إليها المتضامنون، وتنطلق منها المساعي والوفود، لتبقي على راية الكفاح الاحوازي خفاقة، ولتحافظ على ثوابت الوطن الخالدة، أرضاً حدودها الخليج العربي ونهر قارون، وعودةً لا تسقط ولا تعرف الصعوبة أو الإستحالة، والاحواز فيها مساحةٌ حرة، وفضاءٌ رحبٌ، ومتسعٌ لقادة أكثر، لكن على القاعدة الذهبية التي يجب أن تسود، أن من أعطى وضحى، ليس كمن خدمته الظروف، وأن من حرث وغرس ليس كمن حصد وقطف، فليسوا سواء، أليس هذا هو الحق الذي يتبع، والنور الذي به نهتدي … انشاء الله النصر للاحواز ضد اصحاب الراية الحمراء تلك الراية الاولى التي خرجت من فارس لمحاربة الحسين عليه السلام ويتم التعتيم عليها اليوم، فقد قال الحسين عليه السلام :
(ألا وإن الدعي بن الدعي قد ركز بين اثنتين بين السلة والذلة ، وهيهات منا الذلة يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون ، وحجور طابت وطهرت ، وأنوف حمية ، ونفوس أبية من أن تؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام ، ألا وإني زاحف بهذه الأسرة على قلة العدد وخذلان الناصر )
تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.