تمهيد في معرفة تردي أحوال الثقافة الأهوازية _الحلقة الثانية :غياب الجهد الفكري في التأليف

 محمود عبدالله

كيف نقرأ الدولة الفارسية والثقافة الأهوازية ،و كيف نفصل ما بين التخلّف والتجديد؟

نرى من الضروي و نؤكد على أمرغاية في الأهمية وهو بمثابة المفتاح الذي يفتح لنا باب واقعنا كما أنتهينا إليه من قول في الحلقة الأولى وهو- إن واقعنا الأهوازي ننظر إليه من خلال مجالين الأول نظري والثاني نستدل بشواهد نأخذها من واقعنا وليس شيئاً آخراً نعتمد عليه حتى نؤكد على ما طرحنا عن ثقافتنا.فنقول إننا نتكلم عن ثقافة ليس من عصر الانحطاط ،إنما تنتمي إلى العصرالحديث و النظر لها يكون بعيون عصرنا،و فهمها يكون بمفاهيم هذا العصر، لذلك وضعنا التردي- التخلّف كمفهوم مقابل التجديد،وهذا ذات معنى أو كما يقول المثل العربي “بضدها تتميزالأشياء”. والمفهومان التخلّف والتجديد هما أساس أي كلام عن ثقافة لم تشهد أصلاً لحظة النهضة،مثلما يكون أمركشف سبب غياب النهضة في تاريخنا الأهوازي أساسياً،وإلا تجاهل أي من الأمرين في أي دراسة عن ثقافتنا يفقدها قيمتها الموضوعية والتاريخية ويبعدها عن هذه الثقافة.

وعن سبب غياب النهضة في تاريخنا الأهوازي الحديث نؤكد باختصار.إن النهضة كما الفكر ليس ترفٍ أو بناء قصور في الهواء،إنما طلب النهضة تقف وراءها دوافع وضغوط يشكلها الواقع المرير والهزائم التي عاشتها و تعرضت لها الشعوب التي طلبت النهضة، فالفرس هزائمهم أمام روسيا القصيرية دفعت عباس ميرزاء القاجارنحو طلب التجديد أو تنظيم الجيش وفق الأسس الحديثة،وهزائم مصرأمام نابليون دفع رواد الحركة العربية الأوائل تجاه طلب النهضة،ونفس الأمر في المغرب العربي الهزائم العسكرية كانت وراء السعي نحو النهوض،وبلاد المشرق العربي الشام والعراق استبداد الدولة العثمانية دفعت بها نحو النهضة.وتشكلت النهضة وبوادرالتجديد عند كل هذه الشعوب بسبب واحد وفي نفس التاريخ،والسبب هو تردي واقعهم و ضعفهم وتخلفهم السياسي والعسكري و المجتمعي و الثقافي أمام الآخرالأجنبي أروبا،والتاريخ أولحظة انطلاق النهضة كان ما بين القرن التاسع عشر حتى العقود الأولى من القرن العشرين.واختلاف التفاصيل والظروف من شعب لآخر بين من هو الأول ومن كان الأخيرهذه تفاصيل لا تغير الجوهروالثابت وهو كل تلك الشعوب اتجهت نحو النهضة وحتى الاختلاف بين الاتجاهين الأول الذي رأى التغييريكون بأخذ ما عند أوروبا أو الثاني الذي رأى العودة للتراث كانا الاتجاهان يمارسان نوع من التفكير وفق قواعد وأصول.

أما نحن ، فهناك سببان كانا يدفعان نحو النهضة الاول : تردي وضعنا في تلك الفترة التاريخية، والثاني التداخلات العسكرية المتلاحقة والتدمير للمدن اثناء هجوم الاتراك عام 1837 على المحمرة ، وهجوم بريطانيا، و بالتالي الظروف السياسية والمجنمعية التي عاش فيها مجتمعنا في تلك المرحلة من فوضى و تمزق و هي بمثابة دوافع للنهضة وليس التأجيل والإهمال،فالتاريخ يخبرنا كل ثقافة تتعرض لهجوم وغزو خارجي أو تعيش الظلم والاستبداد الداخلي كلاهما يدافعان أهلها نحوالنهوض . والتفكير بالتجديد يكون من داخل الثقافة نفسها و من جانبين أولهما – أهل السياسة ،ثانيهما- النخب المجتمعية .

والوثائق الخاصة بتاريخنا تؤكد على ما يلي أولاً-غياب أهل السياسة والحاكم المدبر،فأهل السياسة دورهم هو تدبيرشؤون البلاد والعباد، بإقامة الحكم والحفاظ عليه واعمار المدن و اتساعها هذا مبدأ،ثانياً-غياب النخب المجتمعية وأمرها دائماً رغم تغيرالعصورهوالدفاع عن المصالح المشتركة المجتمعية والاقتصادية ومعتقداتها. مبدأن كانا ثابتان في كل العصور رغم تغيرالمسميات،أهل سياسة يدبرون و يحكمون ،ونخب المجتمع باصطلاحنا الحديث يدافعوا عن مصالحهم و يعترضوا على من يهددها،وهذا لم يحصل عندنا في تاريخنا الحديث والمعاصرأولم يظهر.فالأهوازيون رغم تردي أحوالهم لم يفكروا في تلك المرحلة بمواجهة التردي والهزائم بالاتجاه نحوالنهضة ،بمعنى آخركل ذلك لم يدفع شيخ جابر بن مرداو ولا أبنائه من بعده مزعل وخزعل باعتبارهم أهل السياسة نحو تنظيم شؤون مجتمعهم وفق الرؤية الحديثة ومسايرة العصر و سمة العصرهوالتفكير،بالتجديد،والتجديد ليس سوى بدء الاتصال بالفكر الحديث الذي هو أساس التغيير في الجانبين الثقافي والمجتمعي.وأما كبراء القوم شيوخ العشائرأو النخب الذين جاؤوا من بعد خزعل وعاشوا داخل نظام الدولة الفارسية الحديثة التي اختلفت عن نظام الدولة القاجارية ليومنا هذا سارواً جميعاً على نفس الدرب وسلكوا نفس الخط الوفاء للروح العشائرية كما كان خزعل يستند عليها،فأجدادنا والآباء و الأبناء عشنا عالمنا وهي العشيرة لم ننتسب بعد إلى الفكر ولم يغلب الشعورمن العشائرية إلى الوطنية،فكانت و إلى أيامنا هذه العشيرة دون الفكر والجهة والمدينة دون الوطن. وبقيت تلك الفاصلة بيننا و بين الفكرالحديث تتسع فجوتها والتأخر التاريخي أوعدم نموالوعي الجديد والنهوض الفكري هو من يقف وراء عدم فهمنا ودرسنا مبادئ وأصول معنى الفكرالحديث والوطنية معاً والانطواء بالتخلف.

وأما فهمنا لتخلف ثقافتنا يجب أن ينبني على وثائق تاريخية تتفق على صحتها الأغلبية ، وأسباب ينظرها الفكر أوحسب قول أبن رشد “من رفع الأسباب فقد رفع العقل” . ونؤكد هنا على عدة أمور ضروية تخص هذا الموضوع و نمرعليها بسرعة في فقرة واحدة قاصداً رفع اللبس حتى نضع الأمورفي نصابها. فنقول إن قراءة تخلّف ثقافتنا وتدني حياة الفرد العربي الأهوازي طوال قرن كامل منذ لحظة خزعل بن جابر إلى أيامنا هذه لا يمكن أن يحصل دون فهم صحيح لمسارالتخلف و أسباسه و دون فهم وقراءة تاريخ هذه الثقافة نفسها من خلال الفصل بين ثلاثة أشياء مهمة الشيء الأول – تحديد الغائب وهي مفاهيم لم ندرسها ونتعلمها و نؤلف فيها أصلاً،كونها تنتمي إلى الفكرالحديث أو النهضة ،كالوطنية،الثقافة،النخبة الفكرية،التجديد،الشيء الثاني- تناول قضايا تمثل الآن مكونات خصوصيتنا والتخلف معاً وهي قضايا لم يتم درسها من جانبنا كما تستحق،كالقبيلة،الفكر الشيعي،السياسة بين الأهوازيين،التاريخ المكتوب. الشيء الثالث قراءة الدولة الفارسية التي تمثل الوافد الأجنبي وهي تبث التخلف وتدعمه في واقعنا المجتمعي والثقافي،كدولة مستبدة استهدفت ثقافتنا واعتمدت فكرها القومي أساس النظر لنا ، وهو الفكر الذي لا يرتقي إلى مستوى مفاهيم الإنسانية الحديثة، والسبب غياب أية حلول يحملها هذا الفكر لمشاكل شعبنا، حلول تتوافق و متطلبات عصرنا الحالي.وهذا فصل أوّلي بين بواعث التخلف بجذوره التاريخية و مكونات ثقافتنا و بواعث التخلف الأجنبي.

كل هذا يحتاج أن نتحرك خطوة بعد خطوة،وإلا من الصعب تغطية كل هذه المواضيع دفعة واحدة و نضع جملة آراءنا كذلك ،عن ثقافة تعاني أصلاً الفقر والشفوية وهي تستحق أن تصدر بشأنها عدة كتب،وليس دراسة واحدة يُراد لها أن لا تتجاوزصفحاتها عدد أصابع اليد الواحدة،ونخلط بين قضايا مختلفة و متشابكة ونتقيد بقول الجاحظ المختصرالمفيد.وإذا فعلنا هذا نشوه نظرتنا لهذه الثقافة ونكررنفس الوعي الأهوازي الذي أنحدر إلينا و ننتظم فيه منذ قرن كامل ونفهم الأشياء التي تدور من حولنا على ضوء ما يقدمه لنا هذا الوعي الخاطئ الذي يحتاج ،وبإلحاح اليوم تغيير و ليس إعادة استنساخ وتكرارله.

ولابد أن نضيف قولاً جديداً ما أحوج هذه الثقافة إليه في سبيل هذا التغيير. والتغييرلا يكون بعملية إلغاء أو إنكار دورالذات الأهوازية و مساهمتها في تخلّفنا،أي ننزه أخطاءنا و ننبهر فيها كانت تخص الماضي أوالحاضر معاً،ولا كذلك إلغاء دورالدولة الإيرانية ومساهمته الكبيرة في بواعث تخلفنا،وتبقى رؤيتنا تجاه كل قضايانا ليس بدافع ذم هذا وتمجيد ذاك هذا موقف عاطفي لا ننجر إليه.وآراءنا كما نعرض لها لا نبني لها حسب مواقف مسبقة يفرضها علينا تشنج سياسي لغرض الترضيات أو مناصرة طرف ضد طرف آخر.والسبب أن هذا الموقف لا يؤدي إلى كشف كل أسباب وبواعث تأخرنا وانتقادها بجدية. حيث إننا وجدنا مكونات تخلف وعدم تطورهذه الثقافة في العاملين معاً الذاتي و الأجنبي الفارسي .وهذا ما سنعمل على كشفه في هذا التمهيد ،وأرى أن هذا التمهيد هو مجرد خطوة دفعنا نحوها الفراغ الذي اشتكينا منه كما اشتكى غيّرنا،بشكل أو بآخر.

إن الثقافة الأهوازية لم يتم تناولها من داخل الفكر ولا حددنا علاقاتنا مع الأطراف من حولنا الفكر العربي والفكر الفارسي رغم حضور ذاك و هذا الاخير أي الفكر بشكل أو بأخر في وضعنا العام،إلا أننا نجهل كلاهما، مثلما تجنبا أو تجاهلنا طرح أسئلة أساسية فكرية بشأن أسباب التخلّف و مساءلة فشلنا السياسي و تخلفنا و تشرذمنا المجتمعي و رضينا،بمسلمات جاهزة مجتمعية و تاريخية وسياسية،فحان الوقت لإعادة النظر فيها ،وقولنا هذا ليس من باب الادعاء،بأننا نحيط بكل أجزاء ثقافتنا كما هي و نقدم الحلول ونبني قصور في الهواء،كلا. لا ندعي هذا لأنفسنا ومن يقول بهذا الادعاء والإحاطة جاهل،إنما واقعنا في الأمس واليوم شواهده أكثرها يثبت ما ذهبنا إليه.

ونأتي بشاهد واحد من واقعنا وهو أننا سعينا لنحصل على دراسة أو كتاب مؤلف نرجع إليهما،وكان أملنا كبيرا أن نجد دراسة صدرت قبل أزيد من ثلاتين عاما في أقل تقدير واضح فيها الجهد الفكري المبذول تخص واقعنا السياسي أو التاريخي أو الثقافي المجتمعي تستحق أن نقول إنها بمثابة مرجع ،إلا أن هذا لم يحصل،باستثنا ما قلناه عن الكاتبين عبد النبي قيم،وسيد باقرال مهدي،وخاب أملنا،(فالجيل السابق لنا واللاحق اليوم )،اكتفى بعملية تأجيل بحث تغيب نشاط الفكر،ولجأ إلى الهروب من المسؤولية الفكرية طوال قرن كامل والانشغال بأشياء هامشية دون أن نلتفت و نفهم أو ندرك حتى اليوم أن التأجيل والإتباع أوما اسميناها،بالمسلمات وهوالجهل بعينه ،لم يزدنا إلا تخلّف مضاعف وفوضى مستمرة في عالم شهد تغييرات كبرى وأساسية فكرية ومجتمعية من حولنا طوال القرن الماضي . أما نحن فقط نراها وننفعل أمامها هذا هو واقعنا وحالنا، فما أشبه الأمس باليوم.والخطر والخطأ معاً لا نريد أن نعترف بهذا ولا زلنا نفضلّ الهروب.

أوليس الموضوعية العلمية تفرض علينا ان ننطلق من الواقع ولا نبني قصور في الهواء ؟ لذلك اعتمدنا على واقعنا الأهوازي كما هو وحددنا ثلاثة مجالات نقرأ فيها واقعنا،وباختصار أولاً :قرأت الكتب التاريخية التي كتبها الكتّاب من الأهوازيين، و(البرامج السياسية؟) التي وضعتها الحركات الأهوازية منذ عام 1945 ليومنا هذا .أما المجال الثاني: فشمل الجرائد الرسمية التي صدرت في فترة الانفتاح السياسي داخل الوطن ،مع نشرات داخلية أصدرها طلبة الجامعات و مؤسسات مدنية.

و المجال الثالث:عملنا عدة دراسات ومسح مجتمعي شمل فئات وعينات مختلفة من الأعمارمن مختلف المدن،وطرحنا عدة أسئلة تصب في موضوع واحد : ما هوالشعور والألويات عند الفرد العربي الأهوازي؟ وقدمنا عدة دراسات منها دراسة عن التخلف في ندوة عام 2004 داخل الوطن عقدها مركز دراسات الفكر المعرفي. بإضافة اتصالات شملت شخصيات أهوازية عملت في السياسة منذ أواسط الستينات ليومنا هذا قاصداً من كل هذا أن نطلع أكثرعلى مسارحركتنا السياسية والثقافية.وبالتالي لم نهمل أي كتاب ولا تجاهلنا أي مقال وصلت أيديّنا إليه وابتعدنا عن الانتقائية، بحيث كان همّنا الأول والأخير ينصب في معرفة نظرة الفرد الأهوازي الذي عمل في السياسة أوالذي كتب عن تاريخنا أو عمل ثقافياً ونشط في مؤسسة أو كان يمارس نضال سري أو علني في داخل الوطن أو خارجه.

كذلك قرأت الفكر العربي الحديث والمعاصر منذ النهضة حتى عصرنا الحالي،و قرأت الفكر العربي حيث وضعنا أمام محنة فكرية، تعرفنّا من خلالها على سببين لهذه المحنة أولهما – كان من المفروض أن نكون جزء من إشكالية الفكرالعربي أومشاكل العالم العربي بحكم التكويّن الثقافي واللغوي و التاريخي لنا،وهذه المكونات تشكل خصوصيتنا القومية والوطنية معاً ،التي تجد أصلها وفصلها في وعاء اللغة العربية والثقافة شئنا أو رفضنا هذا هو واقعنا،وتكويننا الثقافي الذي توجهت الطعون الفارسية نحوه. ثانيهما- أننا لا نشكل جزء من مشاكل الفكر العربي و لم نتحرك ضمن مساره منذ لحظة النهضة الحديثة ،ولذلك لم يكن لنا حضور في الخطاب السياسي العربي ولا غيره من الخطابات للفكر العربي كما كان الحضور للقضية الفلسطنية،والعرب اليوم يجهلوننا مثلما نحن نجهل الفكر العربي،ومد الجسر مع الفكر العربي من جانبنا اليوم لا يأتي إلا من خلال قراءة إنتاج و نصوص هذا الفكر ما خص التراث أوخص النهضة ،حتى يكون بيننا فهم متبادل نفهم الفكرالعربي ويفهمنا العرب.

فهل نحن في حاجة حتى نستدل أو نتذكر ما حصل قبل شهور أواخر أكتوبر 2010 من جانب بعض مثقفي العرب وهي محاولة فاشلة وعنوانها يحتاج تأمل أنظر(ندوة قناة الحوار:عرب الأحواز محاولة للفهم)،وهذا العنوان عندما يصدرعن العرب تجاه ثقافة جنسيتها أولغتها عربية يحتاج تأمل ومساءلة فأين الخلل؟،وهنا أعني المحنة كيف يفهمنا العرب ونحن لا نملك رؤية ولا فكر نوجه من خلاله مشاكلنا المختلفة،والفكرليس ترفٍ وتشدق باسماء وحفظ أحداث وسنوات،لوكان الفكر يستند على هذا لنجحت تلك الندوة،إنما يبقى هو صناعة حسب تعبيرأسلافنا العرب وخطاب ومفاهيم حسب تعبيرنا المعاصر مجالها وفضاءها موزع ما بين الفكر الذي يرى و ينظم ضغوط ودوافع يفرضها الواقع المعاش لاغير،وإذا الفكر ينطلق من واقعه المعاش ،إذاً الفكر الذي ندعو إليه ليس الذي يعتمد الانبهار بالتاريخ ويعيش الرومانسية أو الإتباع أجترارالفكرالعربي،أوالفارسي،إنما توظيف مفاهيم تخدم إنشاء استقلاليتنا الفكرية بروح التجديد والإبداع على ضوء حاجاتنا الأهوازية وفق عصرنا،وإلا نبقى ننسخ ونتبع لغيرنا ونطرح ما لا ينفعنا.

ومن هذا المنطلق قرأت الفكر الفارسي فصوله وأصوله منذ لحظة اتصالهم بالغرب أو الحداثة لحظة سؤال عباس ميرزا القاجاري المتوفى 1831،والسؤال المعروف في التاريخ الإيراني الذي طرحه على جوفير مبعوث نابليون القادم من أوروبا إلي فتح علي شاه قاجار- حيث تسائل: “لا أعرف ما هي هذه القوة التي تفوقتم بها علينا،وما هي أسباب ضعفنا،وما هي أسباب تقدمكم أنتم في أساليب الحروب و الفتوحات واستعمال القوى العقلية التي تتفوقون بها،فيما نحن نعيش في بئر من الجهل..قل ماذا نفعل نحن الإيرانيين حتى نكون فطنين ؟ ” أنظر دراسة منشورة لنا: تحت عنوان إشكالية التخلف والحداثة في الفكر الفارسي.

وسبب قراءة هذا الفكر ليس من أجل قراءته هكذا، إنما ما دفعنا نحوه أمر مهم وهو معرفة نظرة أهل هذا الفكر نحونا و دوافع أستهداف ومحاربة كل ما يثبت علاقتنا بالثقافة العربية مرة بالطعن والتشكيك ومرة بالترهيب والترغيب.والنقد الموجهه إليه ليس بدافع قومي وطني وموضوعي لأنه يحرض على معاداة العرب دون موضوعية وفقط بدوافع الذاكرة التاريخية،إنما انتقاده كونه اتجاهه العام لا يسير مع قيم وأخلاق الإنسانية والتطورالحديث عندما يخص النظر واقعنا،وهذا يشمل كل من التيارين المكونيّن للفكر الفارسي التيارالديني والتيار الليبرالي،بحيث لا تباين يظهرعلى مستوى التفكير بين نخب التيارين حول مبدأ ثابت معاداة العرب والعنصرية ،وإنما الخلاف بين العلماني والديني يتمحور حول توظيف أية إيديولوجية تكون أساس الحكم السياسي الدين أم العلمانية بحذافيرها.

إذاّ اسقلالنا الفكري الأهوازي لا يكون بانبهارنا بالفكر العربي هكذا ولا يكون بممارسة الترضيات للفكر الفارسي،بل إننا نحتاج أن نؤسس لنا وعي يتلائم والدفاع عن ثقافتنا التي تعاني معاً تخلف ذاتي وهجوم خارجي عليها. إننا نتحمل بالدرجة الأولى مسؤولية الدفاع عن وجودنا،والوجود تشكله جملة قضايا يلعب فيها الفكرالدور الأساسي، ولهذا نبدأ بما نرى هو الأساس في فهم هذه القضايا بطرح سؤال بأي معنى نقول الفكر؟

عند ما نؤكد على الفكر بإلحاح هنا نقصد المنتج المبذول بجهد فكري تضعه (النخبة الفكرية التاريخية التي تنتمي لثقافة بعينها)،وهنا ننقل فقرة جدا مهمة ربما تساعد في فهمنا لمعنى و دورالفكر أنظر الجابري مقدمة الخطاب العربي المعاصر ” ميدان واحد لم تتجه إليه أصابع الاتهام ،هو تلك القوة أو الأداة التي بها يقرأ و يرى العربي…هنالك بالفعل أولوية نسبية للفكرعلى العمل في كل مشروع للنهضة …فلقد أدرك رواد اليقضة العربية الحديثة هذه الأولوية لقد نادوا جميعاً بإعداد الفكرالقادر على حمل رسالة النهضة وإنجازها…و لكنهم ،ولعل هذه هي نقطة الضعف الأساسية،والخطيرة في مشروع النهضة…لم يدركوا…أن سلاح النقد يجب أن يسبقه ويرافقه نقد السلاح “.

إذاً نقول إن الجهد أو النشاط الفكري المبذول هو عبارة عن آراء وأفكار تنصب على معالجة مشاكل ثقافة ما،وأولوية أهل الفكر من المشتغلين بقضايا الثقافة والفكر تتجه نحو وضع تصورات واضحة مختلفة و توظيف مفاهيم عديدة من مرجعية أو أكثرحول فهم أسباب المشاكل الموجودة،والمعالجة الفكرية هي إظهار الموانع التي تقف حائلة دون تطور أوضاع الثقافة،وهي القضية التي تطلب البحث والدرس. والبحوث مجموعة نصوص فكرية متماسكة تؤلفّ تسمى (الخطاب – المقروء)،ويعتمد أهل التأليف في وضع الخطاب على طريقة الاستدلال والحجة والنقد والتفنيد والبناء للرؤية الجديدة ،من خلال الكشف والتحليل في قراءة جملة قضايا مطروحة على الفكر.ويعتمد أهل الفكر على أهم سلاح وأداة هو التجديد في النظرة و الإبداع ،وإلا يكون المكتوب لا يرتقي ومستوى الفكر الذي يتجه نحو بناء رؤية حديثة و نشوء هوية فكرية تعطي معنى مسمى النخبة الفكرية.

والنخبة الفكرية هي تضع أسس المضمون الإيديولوجي لفكر ما و بداية تاريخ الفكر تبدأ بطرح الأسئلة وبحث القضية التي تصبح إشكالية ينشغل فيها أهل التأليف والفكر(أنظر: النخبة العربية في ممارسة إشكالية النهضة العربية)،وكذلك (أنظر: النخبة الفارسية في معالجة إشكالية التجديد).وبالتالي نقول تبقى مهمة الفكر الذي ندعو إليه هي أولاً- كشف العفوية والبساطة التي تمثل وجه ثقافتنا الأوسع، ثانياً- تجاوزهذه العفوية نحو ممارسة نشاط الفكر لتجديد الوعي.والوعي الأهوازي الذي أنحدر إلينا من الماضي لم ينشأ وفق قواعد التأليف وبذل الجهد في البحث كما يطلبه و يدل عليه الفكر،وطريقة الكتابة عندنا تؤييد ما نذهب إليه كذلك الكلام الشفوي،فالكتابة عندنا أخذت طريقة التقليد والاستنساخ والنقل عن الآخرين هذا اتجاه الكتب التاريخية. أما اتجاه ما تسمى المقالات المنشورة أخذت أسلوب إنشائي جمع المعلومات وترقعيها .والإثنان مارسوا طريقة الإتباع دون الإبداع ،وهذه طريقة لا تؤدي إلى نشوء و إنبثاق الفكر. وبالتالي الموجود على ساحتنا أو حال الكتابة والتعبيرعندنا وهما وراء تأسيس وبقاء الوعي السائد لم يصل مستوى يمكن أن نطلق عليه وعي منظم على صعيد التفكير واللغة والتعبيرعن قضاياه.

وهنا نجمل عدة أمور تقف وراء غياب الفكرعندنا منها عدم الاتجاه نحو طريقة استخدام أدوات الفكرفي التأليف للنصوص،وكذلك عدم توظيف المفاهيم و الإبداع ،وعدم بذل الجهد في الاتجاه نحو التكويّن الذاتي من خلال إبرازخصوصيتنا والحاجة للبناء لها،والباحث عندما يتعامل مع كل هذا المكتوب الأهوازي و الكلام الشفوي المسموع يهمه بالدرجة الأولى نظرة الفرد الأهوازي التي تعتمد الفكر أوالعفوية والنسخ تجاه تعريف المشاكل.وقد بحثنا طوال عشرة سنوات عسى نجد كتاب صدرأو بحث منشور من جانب باحث أهوازي فيه واضح الجهد الفكري والإبداع في تناول بحث قضية من قضايانا العديدة و المتنوعة،ولكن لم نصادف مؤلف أهوازي يمكن القول إن الفكر كان حاضراً وله الاسهام الكبير في المؤلف.

إذاًَ نسجل ملاحظة أخيرة بعد كل هذا الكلام وهي أن هنالك فرق يكون عندما نتكلم عن ثقافة بدون فكر وثقافة الفكر حاضراُ فيها يعبرعنها ،فلوأننا تكلمنا عن الثقافة العربية بسرعة ننتقل للفكرالعربي و نرى التفكيروالنظر مع الآراء و الأفكار والنصوص التي وضعتها النخب الفكرية،وهي تمثل أوجه الثقافة العربية، وهذا هو المعمول فيه ليس فقط في الثقافة العربية الإسلامية إنما أية ثقافة أخرى الفكر يكون له الدورالمحوري فيها،يعطي لها معنى و يحدد تاريخها و يؤسس لها. لكن الأهوازيين تكلموا عن السياسة منذ 1944 و كتبواعن تاريخنا و نشروا مقالات،هل كان للفكر دورفي كل ذلك ؟ إلاجابة نبدأ فيها في الحلقة القادمة و موضوعها الكتب التاريخية الأهوازية.

لمراجعة الجزء الأول الرجا اضغط هنا

المصدر:الموقع الاعلامي الاحوازي

رأي واحد حول “تمهيد في معرفة تردي أحوال الثقافة الأهوازية _الحلقة الثانية :غياب الجهد الفكري في التأليف

اضافة لك

تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.

موقع ويب تم إنشاؤه بواسطة ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑