في ايران مصالحة الساسة مساومة ليست للاصلاح بل للفساد

كرار حيدر علي

يبدو أن كعكة مصالحة الزعامات الايرانية التي مضى على الاتفاق عليها في طهران بين التهديد والوعيد بين اطراف احمدي نجاد رئيس الجمهورية وبين اطراف علي خامنئي ولي ايران، أكثر من شهرٍ قد فسدت بمرور الزمن ونفاذ الصلاحية، فلم تعد صالحة للاستهلاك الآدمي والاستفادة البشرية منها، ولم يعد من العقل والمنطق توقع ورجاء الفائدة منها، أو استعادة قيمتها التي كانت مرجوة منها، أو خداع الشعور المظطهدة منها الفارسية، بأن مدة صلاحيتها لم تنفذ، وأنه بالإمكان تمديدها أو معالجتها لتبقى صالحة ومفيدة، ولكن الحقيقة التي يجب أن نعترف بها، ولا يمكن أن نتغافل عنها، أن الكعكة قد فسدت وتعفنت وانبعثت منها روائحٌ كريهةٌ عفنة بسبب المقابر الجماعية، وتزكم الآناف بسبب الاعدامات، وتصدع الرؤوس بسبب الاغتيالات، وتعافها النفوس بسبب افساد الشباب بالمخدرات، فلم يعد أحدٌ يرغب فيها لتفشي الفساد في كل ارجاع الدولة الاستعمارية الايرانية وهي تحاول أن تصدر هذه الأخلاقيات الى العراق، أو يأمل في الاستفادة منها بسبب انعدام الثقة بين الاطراف من كون الجهات المختلفة تهرول خلف مصالحها ونهبها من اموال الشعوب كي تكون ايضا منهجا للدول العربية كالبحرين، رغم محاولات البعض خداع الشعوب في ايران ومنهم العرب بغير حقيقتها، وإيهامهم بجدواها التي انعدمت وقيمتها التي بخست، وأنها مازالت صالحة وهي مفسدة في الارض قبل غيرها كما افسدت سورية الرائعة التي لم يسجل عليها قرضا دوليا وهي في قمة الاقتصاد العربي فهال ايران هذه الحقيقة لتشوه حليفتها بين الوسط العالمي وتدمره اجتماعيا، وقادرة على الصمود وهي تتهاوى وهي تصدر ازماتها للخارج، وحل المشاكل وهي تتعاظم بادعاء نظريات المؤامرة ضدها، والصعاب وهي تتعقد لفقدانها اسس النظام العادل، وتجاوز العقبات وهي تكثر بسبب استشراء الفساد السلطوي والاداري، والتحديات وهي تزداد لفقدانها الشرعية الدولية في الخارج والشرعية الداخلية بين الشعوب المضطهدة داخل ايران. الحقيقة أنها فسدت ولم تجد معها الاحتفالات والأضواء والتصريحات بارعاب الناس وارهابهم وجعل طاعة الولي من طاعة الله والامام المهدي عليه السلام ، وهم اول من يقاتلها عند ظهوره بتحريف صريح لمذهب اهل البيت عليهم السلام ، ولم ينقذها من تعفنها مباركةُ قادةٍ وحكامٍ وملوك وهم اول الناس من منتقديها خلف الستار وعند سقوط هذا النظام، ورعايةُ دولٍ ومنظمات وهما وخيالا، وتعهداتُ أجهزة وقيادات بشعارات الصناعة العسكرية وهدر الاموال لينتج تفاقم اقتصادي يهلك الشعوب ويزيد الجياع في ايران ومسكن الصفائح الدهنية، وقتل آمالُ شعوبٍ مضطهدة كالعرب ومعاناة أهل بانحرافات وكذب على المذهب كاتباع اهل البيت في الاحواز وعموم ايران، ودمعة أمٍ بسبب عنصرية ضد الاقوام ومنها ضد العرب والبلوش والاكراد والاتراك وغيرهم وآهة مريض بسبب انعدام الامكانيات الصحية واستشراء الدواء الفاسد الذي عانا منه العراق من فساده بحجة المساعدات الدوائية والمتاجرة بالادوية الفاسدة ومثل العراق ايضا لبنان والبحرين وغيرها من دول العربية والاسيوية، وبكاءُ طفلٍ يتم بسبب اعدام ابيه وأنة عجوز بسبب مذبحة جماعية في اهلها وعشيرتها من ابنائها واقاربها، انه الجدار الأصم غير نافع الذي وصلت إليه المصالحة تعزيزا لسياسات الفرس للحيرة والبؤس والشقاء والمعانات. ربما لا يكون مضيُ الزمن وتجاوزُ الأحداث وحده وراء تعفن كعكة المصالحة وفسادها لان الطرفين عفنيين فاسدين، رغم أنه كلما مرَّ على المصالحة المزيد من الوقت كلما تأكد فسادها وعفونتها وعدم ملائمتها، إلا أنه قد تكون هناك أسبابٌ أخرى موضوعية ومنطقية، ولا يمكن إهمالها أو إنكار دورها في فقدان المصالحة لقيمتها، وتجاوزها لواقعيتها، ان الظروف التي صنعت فيها لم تكن مناسبة لان الشعوب في ايران في حالة انتفاضات، والمناخات التي تعرضت لها لم تساعدها على الحفاظ على صحتها ونظارتها لان سياسات النفاق الايرانية في البحرين والعراق ولبنان وغيرهم، والظروف التي واكبت التصريح بها لم تكن صحية لان كل طرف يتصيد للاخر هفواته، فكيف طرف يعلن هو بمقام من عصاه فقد عصى الله كخامنئي وقبله الخميني، والثاني يعلن ربما يكون هو المهدي المنتظر أو سفيره كاحمدي نجاة وقبله ادعاها بني صدر وثم رفسنجاني وثم خامنئي قيبل ان يكون ولي ايران وثم خاتمي، أو لم تكن صادقة لان يعرف ذاتيا بنفاقه يريد استغلال الفرصة وغير مخلصة لانه واثق من سقوط نظامه، فلم يكن يكفي لضمان نجاح المصالحة سقوطُ الشعوب بالمذابح، وفقدانُ مظلة المناصرين داخليا ودوليا بسبب نسبة الاعدامات، وصنع نصير من المليشيات المرتزقة لانتصار المعارضة على الساحة الدولية بانواعها، أو الامان من اضطراب الأوضاع وهي تتفاقم، وفوضى الأوراق لتداخل الفساد بين المؤسسات، وتغير التحالفات لانعدام الثقة فذلك كله موجود وبفاعلية، إذ أنها كلها عوامل خوفٍ وقلق من اثقال الميزانية بالصرفيات العسكرية وادعاءت الاختراعات والتحدي العسكري الواهم في الخليج باموال الشعوب المسكين وبالنفط المغتصب شرعا وعرفا من ارض الاحواز العربية المؤمنة الصابرة كصبر ايوب والحسين واهل بيته عليهم السلام، حيث تدفع النظام لسلوك ما لا يقتنع به وبالاخص الدعم المثقل للمليشيات في العالم العربي والافريقي والاسيوي، وبالاخص لبنان والعراق والبحرين ونيجريا وافغانستان وباكستان وغيرها، ولا يأمل من سياساته خيرا غير صادرات ازماته لوقت من الزمن خارجا واثقال ميزانية الدولة، وازدادت عوامل الخوف أو بالتعامل معها هذه الامور بعجز، دون امكانية عودة التامة الايرانية إلى طبيعتها، وعدم امكانيته السلوك ودعم الارهاب بسرية في العالم وبالاخص العراق ولبنان نيجريا والبحرين على ما اعتاد عليه، لينقلب على ما تبناه في مرحلة خوفه وقلقه، إذ لم يكن خياره الاستراتيجي بقدر ما كان فرض الحاجة للسيطرة على الجيران والعالم بمنطلق الغرور والتجبر، ولزوم ما لا يلزم ليترك الشعوب الايرانية تسكن بيوت الصفائح الدهنية والمزابل.

وربما أن صانعي كعكة المصالحة أدخلوا فيها مكونات للمساومة حول الصلاحيات بالنهب والحصص ونكهاتٍ من ارباح الرشوات وبالاخص في شراءات الجانب العسكري كانت سبباً في سرعة فسادها، وفي عدم صمودها أمام الظروف والمتغيرات، فأدخلوا فيها شروطاً لغيرهم لاستجلاب الحلفاء، والتزاماتٍ لعدوهم كي يأمنوا جانبه وهذا ما يحدث من غزل مع اسرائيل لتبين عمق العلاقة بين الطرفين ولتندهش حتى امريكا من مستوى العلاقات بينهما، واعتراضاتٍ لغيرهم من اطراف حاكمة معهم وتأمل بحصة مضافة، فكبلوا بنود المصالحة بأغلالٍ جديدة كحصة من دور ابعد في الخليج لتظهر المؤامرة ضد الكويت بعد البحرين وسلطنة عمان بعد اليمن، وضعوا فيها أثقالاً يصعب معها التحرك والانطلاق كموضوعة الحصارات الدولية وكيفية فتح منافذ لهم ليكونالمتنفس الوحيد لهم العراق وهذه ايضا هي رغبة امريكية، ويستحيل منها التحرر والإنعتاق كالقوانين الصادرة دوليا ضد ازلام ايران الارهابيين وان تم التخلص من احدهم بسبب مساومة ما، عندما تم التخلص من مغنية الارهابي باغتياله والذي قضى سنينا في البصرة كونه خبيرا بقتل العراقيين في الحرب العراقية الايرانية والمؤامرات ضد الكويت والخليج دون ان يذكر له دورا في لبنان، فأبقوا على رموز الفساد كاعضاء المجلس الامن الايراني، واستبقوا عوامل الخلاف بخلافات جديدة كالصلاحيات لتكون المدنية لنجاد والروحانية لخامنئي، وأصروا على عدم معالجة الأمراض بمرض اخر وهو احتكار السلطة بتقاسمها، وعدم استئصال الأورام من خلال زيادة ورم جديد وهي سلطة رئيس الجمهورية في مقابل سلطة ولي الفقيه، وإجراء عملياتٍ جراحية لما لا يكون علاجه والشفاء منه إلا بإجرائها كالاغتيالات التي زادت لمن يمكن التخلص منه، فرفضوا العودة من طريق التيه الذي سلكوه لازدياد العمى بسبب الظلم الذي مارسوه، وأعلنوا أنهم ماضون في ذات المنهج ليبقى الناس في حيرة لما يستشعروه من نفاق مستمر، وأعلنوا أنهم متمسكين بمن رافقهم الطريق ولازمهم المشوار ليتعزز كذب سياساتهم فهذا موسوي ومحتشمي وخاتمي وغيرهم قد عزلوا ، وأنهم سيجربون من جديد افرادا تلطخت ايديهم بالدماء للحكم. سياسات ومنهجيات فارسية منحرفة لنظام لم يورث قادته إلا ذلاً وضياعاً وتشتتاً وتمزقاً، ولم يحقق لهم شيئاً مما يأملون، بل أفقدهم المزيد، وجردهم من جديد. وربما يعود السبب في فساد كعكة المصالحة وتعفنها، أن بعض الأطراف التي حصلت على حصتها من كعكة المصالحة، أخذت منها ما تريد، وما كانت تخطط للحصول عليه، ثم قامت بإفساد ما تبقى منها وهي حصة الآخرين فيها، فمجلس مصلحة النظام أكد قدرته على رعاية حوار المصالحة، ليقول أنه قادر على أن يلعب دوراً محورياً ورئيساً فيه، وأن يستعيد الدور الذي فقده، وأنه لا يمكن لغيره أن يقوم مقامه، وأن جميع الفرقاء قد عادوا إلى ورقته ووقعوا عليها، واعترفوا بفضله ومرجعيته، في الوقت الذي لم يغير فيه مجلس مصلحة النظام شيئاً تجاه الشعوب المضطهدة وعوائل المفقودين في الانتفاضات الشعبية ضد النظام ولا تجاه حقوق العرب مثلا والاكراد والبلوش والاتراك وغيرهم، وعاد هذا المجلس لعادته القديمة ليصغي السمع لنداءات من يطالبها بالتضييق على الشعوب المسكينة وعدم التخفيف في اضطهاد الناس والتامر على البلدان العربية، وباستمرار الحصار مثلا على الشعب العربي الاحوازي واستمرار تهجير اهله العرب وعدم رفع الحيف عن كل ذي حق.

أما سلطة خامنئي فقد اصرت أنها السلطة الفعلية، وأنها ليست طرفاً كالآخرين، فاستفردت بالمنصة لوصف الاخرين بالباطل، وأكدت على منهجها الطائفي المنحرف لتشويه مذهب اهل البيت، وكذلك مسارها وسياستها لتفتيت العالم العربي وتمزيقه، واستمرت في ممارساتها الأمنية اعتقالاً ومطاردة ومحاكمة وتنسيقاً وتسليماً عبر حرس الثورة والبسيج، وغير ذلك من النقاط التي شكلت بمجموعها عوامل فساد وتعفن كعكة المصالحة. أما الطرف الاخر المتمثل في احمدي نجاد وهيئات الرئاسة ومن ضمنه الجيش وحلفائه من الفصائل كفيلق قدس الارهابي، فقد قدموا تنازلاتٍ كثيرة، وأعطوا كثيراً مما هو في أيدهم ، واستعدوا لمشاركتهم فيما هو لهم وحدهم، إذ أملوا في المصالحة أن تعطيهم صلاحيات منها عدم رفع الحصار المفروض على الاحواز والعشائر عسكريا مثلا، وأملوا أن تعزز سطوتهم الأمنية عن العناصر والانشطة في الاقاليم المختصبة كاقليم الاحواز وبلوشستان واذربايجات وكرمانشاه وغيرها، ولكن جبهة احمدي نجاد وحلفاءها قد وجدوا أن شركاءهم في الكعكة قد أخذوا منهم ما يريدون، ثم قاموا بإفساد ما تبقى منها، وحملوا احمدي نجاد وحده مسؤولية فساد الكعكة التي يشهد على إفسادهم لها الكثير، ولكن الحقيقة أن كل الاطراف ومن ضمنهم مجلس مصلحة النظام ومجلس الشورى والامن الايراني وسلطة الجيش والحرس وغيرهم من الآخرين في صناعة الكعكة هم الذين خططوا للوصول إلى هذه النتيجة، فقد حققوا ما يريدون، ونفذوا ما يأملون، وأبقو للشعوب المسكينة المضطهدة الكعكة فاسدة عفنة، لا أمل فيها ولا رجاء، ولكن سيكون الثمن باهضا . والحقيقة الجلية التي يعاني منها النظام ان الامية التي راهن عليها الخميني في فترة حكمه لايمكن الرهان عليها الان للوعي الحاصل للشعوب عموما كما ان سهولة التخلص من بني صدر الواهن ليس بسهولة التخلص من احمدي نجاد وان اطلاق الصفات ضد الشعوب مثلا بالمرتدين ضد عرب الاحواز او البلوش او الاتراك او الاكراد او المنافقين ضد المعارضة الايرانية عموما في زمن ما ليست بالسهولة كيما تطلق نفس الاوصاف ضد موسوي وهو التابع ومحتشمي وهو الذليل، بل وان الاغتيالات التي كانت تدار خلف الاعين العمياء كاغتيال المرجع الطالقاني وشريعتمداري والخاقاني وعوائلهم انتهاء بالاغتيال الصامت لاحمد خميني ليست بالسهولة اليوم لتطال رجالات ومكافحين ورموز دينية من المذاهب والاديان المختلفة داخل ايران وخارجها ، بالفعل سيكون الثمن باهضا ولكن النتيجة هي حرية الشعوب من هذا الحقد الاعمى الفارسي والظلم اسود الايراني.

تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.

موقع ويب تم إنشاؤه بواسطة ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑